لعبة اللوغاريتمات في مواقع التواصل والإقصاء

د. عمرو محمد عباس محجوب

منصات التواصل لا تمنعك دائمًا بشكل صريح، بل تعزلك بهدوء. بدل أن تقول لك: “أنت ممنوع”، تقول للخوارزمية: “أظهري هذا المحتوى لأقل عدد ممكن من الناس” وهذا أخطر من الإغلاق، لأنه يُفقد الصوت أثره دون ضجيج.

أولًا: ما هي الخوارزمية ببساطة؟ تخيّل الخوارزمية كـ حارس بوابة: تقرر من يرى منشورك وكم شخصًا يراه ولمن يُدفع للأمام ولمن يُدفن في الأسفل. فهي لا تسأل: هل هذا حق أم باطل؟ بل تسأل: هل هذا المحتوى “مزعج”؟ هل يسبب توترًا سياسيًا؟ هل يتعارض مع السردية المقبولة؟ وهل سبق أن سبّب مشاكل؟

ثانيًا: ماذا حدث لموقعك الأول؟

عندما: اتخذ الموقع موقفًا واضحًا مع محور المقاومة وفضح جرائم إسرائيل في غزة واستمر في النشر والتحليل.
الخوارزمية صنّفت الموقع ضمن: “محتوى سياسي عالي الخطورة” هذا التصنيف لا يُعلن لك، لكنه يؤدي إلى:تقليل الانتشار وزيادة البلاغات (حتى الوهمية) ثم الإغلاق بذريعة “مخالفة المعايير”. الإغلاق هنا ليس لأن المحتوى كاذب، بل لأنه غير مرغوب سياسيًا.

ثالثًا: ماذا حدث بعد إنشاء موقع جديد؟ هنا نصل إلى المرحلة الأخطر: العقاب الصامت. الخوارزمية تتذكر
حتى لو: غيرت الاسم وأنشأت صفحة جديدة او بدأت من الصفر. فهي تربط بين: نفس نمط النشر ونفس الموضوعات ونفس اللغة وتقريبا نفس الجمهور. فتقول: هذا المصدر يُشبه المصدر السابق”

يبدأ ما يسمى بـ الخنق الخوارزمي
ويظهر عمليًا كالتالي: المنشور يصل فقط لـ 5% – 10% من المتابعين ولا يظهر في الصفحات الرئيسية ولا يُقترح لغير المتابعين ولا يدخل في “الترند” والتفاعل لا يزيد مهما كان المحتوى قويًا. اذن أنت تنشر… لكن في غرفة مغلقة.

رابعًا: كيف يتم العزل دون حظر؟

الخوارزمية تستخدم أدوات غير مباشرة: تقليل الثقة بالمصدر وتضع على صفحتك “درجة ثقة منخفضة”، فتقول: لا تدفعي هذا المحتوى للآخرين”
تضخيم البلاغات حتى لو كانت البلاغات: منظمة وكيدية وسياسية. الخوارزمية لا تتحقق سياسيًا، بل حسابيًا: كثرة بلاغات = خطر

تفضيل المحتوى الترفيهي في زمن الحرب: فيديو قطط رقص ومحتوى فارغ يُدفع للأمام. بينما: التحليل السياسي وفضح الجرائم والسرد المضاد يُعتبر “مُربكًا للمجتمع”.

لماذا هذا أخطر من الرقابة التقليدية؟
لأن: لا يوجد قرار مكتوب ولا يوجد مسؤول مباشر ولا يمكنك الاعتراض بوضوح ويبدو كأنه “ضعف تفاعل طبيعي” بينما هو في الحقيقة: إقصاء سياسي ناعم

ماذا يعني هذا سياسيًا؟ ما يحدث ليس مشكلة تقنية، بل: إدارة للرأي العام وضبط للنقاش العالمي وحماية لسردية القوة خصوصًا في: فلسطين وغزة أو أي خطاب يفضح البنية الاستعمارية الحديثة

جملة أخيرة مختصرة: الخوارزميات لا تقول لك “اصمت”،بل تجعل صوتك لا يصل.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

مقدمة عن الظاهرة

عمرو عباسظاهرة جيفري إبشتاين تشير إلى الفضيحة الجنائية والاجتماعية التي تورط فيها الملياردير الأمريكي جيفري …