الحرب الطويلة في السودان تقترب من امتحان جديد. المشهد المثخن بالدمار والشتات وروائح البارود بدأ يلتقط أنفاساً من نداء الطاولة. أصوات البنادق لم تصمت بعد، لكن لغة المصالحات تتسلل مثل همسٍ من وراء الجدران، تحملها بيانات رسمية وتصريحات مباغتة، وتعيد إلى الذاكرة لقاءات قديمة في سويسرا، جلس فيها مسعد بولس مع البرهان وحميدتي على انفراد. يومها مرّت كخبر عابر، واليوم تُستعاد كأنها البذرة التي تنبت على مهل في تربة مثقلة بالدم.
من الرياض، جاء الجرس. مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان دعا إلى تنفيذ إعلان جدة: التزموا بإعلان جدة، احموا المدنيين، وافتحوا ممرات المساعدات.
بدا البيان السعودي كتحذير أخير: الحرب بلا أفق، والاحتماء بالبندقية طريق إلى الجحيم.
وفي الخرطوم حاول كامل إدريس أن يرسم ملامح بعثٍ جديد. رئيس الوزراء الذي أطلق على حكومته «حكومة الأمل» تحدث عن «حوار لا يستثني أحداً» وعن «استشفاء وطني»، كأنه يصف بلداً يخرج من غرفة العمليات مثقلاً بالندوب.
لكن الدراما السودانية لا تكتمل بلا لغة السلاح. مالك عقار، ترجم اللحظة بلسان الكلاشنيكوف: الحرب توشك أن تذوي، لكن آثارها ستبقى عميقة.
قال إن الخرطوم ابتلعت السودان، وإن الريف المهمل صار الضحية الكبرى. كان صوته أقرب إلى مراجعة متأخرة: الخراب ليس في المدن المدمّرة وحدها، بل في السياسات التي جعلت الريف هامشاً أبدياً.
تصريحات الداخل، تتقاطع مع نداءات الخارج، لتعيد الشعار الذي رفعه المدنيون منذ اليوم الأول: «أوقفوا الحرب الآن». المدنيون يدركون أن الحرب عبث لا يلد إلا عبثاً، وأنها لا تُنقذ وطناً بل تقتله.
على الضفة الأخرى ظلّ الكيزان، مهندسو الخراب وحُرّاس الدم، يهللون بشعارهم المسموم: «بل بس». اختزلوا مأساة وطن في تعويذة باردة. لم يكن الأمر شجاعة ولا إيماناً بالنصر، بل رهاناً على أن الحرب وحدها قادرة على حمايتهم من المحاكمات، وأن استمرار النزيف قد يمنحهم فرصة للعودة إلى السلطة من بوابة الخراب. عندهم الحرب ليست كارثة، بل خطة للبقاء، وجسر مظلم لاستعادة الماضي.
اليوم، لا مجال للخداع: الحرب لا تحل مشكلة ولا تُنقذ السودان. هي فقط تؤجل السؤال وتضاعف المأساة. ستُسقط الدولة في هاوية أعمق. وقف الحرب الفوري ليس خياراً تفاوضياً، بل شرط النجاة الأخير. وحده السلام يعيد للسودانيين حياتهم المعلقة، ويفتح لهم أبواب الكرامة والحرية والمدنية. أما استمرار الحرب، فليس سوى امتدادٍ لحكم الكيزان بوسائل أخرى.
يقف السودان اليوم أمام امتحان وجودي قاسٍ: هل يملك الشجاعة ليواجه نفسه قبل أن يواجه خصومه؟ هل تكفي بيانات الرياض، وخطاب إدريس، واعتراف عقار، لتشق الطريق نحو الطاولة؟ أم أن الخراب أعمق من أن يرممه حوار متأخر؟
بين الرياض، جدة، سويسرا والخرطوم، تتقاطع الإشارات. كل تصريح حجر في بناء غامض، وكل بيان خطوة في طريق مجهول. وما بين رائحة البارود ونداء الطاولة، يبقى السودان معلقاً… يبحث عن استشفاء وطني قبل أن يبتلعه النسيان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم