alsawi1@yahoo.com
في إحدى مسرحيات دريد لحام القديمة: قالت الشابة المتقعّرة لعمها بالفرنسية: بونجور، فردّ عليها: وعليكم البونجور ورحمة الله وبركاته! وكما قلنا في حديث سابق، فقد دخلت على إعلامنا لغة جديدة لا نعرف لها، نحن المستمعون، أصلا ً ولا معنى، مع أننا مستهدفون بها. ومن هذه التقليعات قول: صباح الخير عليكم. فقد ظلت العرب تقول: عمتم صباحكم، وصبّحكم الله بالخير، وصباح الخير، لقرون طويلة بلا تغيير، حتى فتح الله على إحدى مذيعاتنا بإدخال كلمة “عليكم” على هذا النوع من التحيات، ربما ضبطا ً للتحية على وزن السلام عليكم، لتصبح كيفنكم عليكم، وأهلا عليكم، وبونجور عليكم وهلمجرا!
وفي إعلامنا الحديث إذا تحدث المذيع أو المذيعة، دون أن يُدخل في كلامه كلمات مثل انداح وائتلق والحضور الأنيق وبعض البنفسج، فالغالب أنه سوف يُعتبر متخلفا ً ودَقّة قديمة وربما يُفصل من عمله. ربما هذا هو ما حدث لصديقنا حمزة عوض الله، الذي يستعمل لغة الله ورسوله العادية هذه، بمخارج صحيحة ونحوٍ دقيق وعباراتٍ محكمة. وسمعت أحدهم يقول: نتجول بكم في غياهب الموسيقي، وهو يقصد في أجمل ألحانها! والغياهب هي الظلمات، والرجل الغيهب هو الرجل الضعيف أو البليد! وقال الآخر في حفل تخريج أول دفعة من جامعةٍ حديثة التأسيس: ونحن في رحاب هذه الجامعة العريقة! وهو يظن أن العريقة “شَكرة” تقال لكل شئ جميل والسلام!
أما إذا أردت أن تكون شاعرا ً حداثيا ً جهبوذا ً يسلط عليك إعلامنا الأضواء، فما عليك سوى حشو قصائدك بكلمات مثل النوارس والموانئ والنزيف، وحبذا لو كتب عنك النقاد مقالات تمتلئ بمصطلحات من شاكلة: موت الكاتب والتفكيك وشيئٍ عن الابستمولوجي، مع ذكر دريدا وكافكا ورولان بارت، على رأي صديقنا موسى مروح!
وقد صارت عادة راسخة عندنا أن يقول المتحدث: والله في الحقيقة يعني الواحد زي عايز يقول، ثم يبدأ مسلسل الـ آ آآ آآآ، حتى لو كان الكلام مباشرا ً وبسيطا ً، وغالبا ً لا يقول المتحدث شيئا ً ذا بال، قبل أن يعاجله المشاهد بضربةٍ على الريموت تحوله من هذه القناة إلى قناة تتحدث دون تأتأة ولا تقعر. وقد لاحظنا أن بقية خلق الله يتحدثون بطلاقةٍ ومباشرة، حتى حين يكون المتحدث مواطنا ً عاديا ً يتم استطلاعه في الشارع.
نصيحة للإخوة الاعلاميين في الوسائل المسموعة والمرئية، والمقروءة أيضا ً، أكثر الأعمدة قراءة هي التي تُكتب بلغة مفهومة وعادية، مثل البوني والفاتح جبرا وعادل مكي، وأكثر البرامج استماعا ً هو برنامج الشيخ محمد أحمد حسن، الذي يتكلم بلهجة تفهمها الحبوبات وبائعي المساويك وكل فئات الشعب، وناس محمد موسى وحسين خوجلي. واللغة يمكن أن تكون راقيةً وتحمل معانٍ معقدةً وعميقة، ولكنها في نفس الوقت سلسة ومفهومة، مثل كتابات عبد الله علي إبراهيم ومصطفى البطل. وممكن تكون بسيطة ولكن غير مفهومة، مثل كتابات إسحق أحمد فضل الله! فخاطبونا على قدر عقولنا وعلى عادتنا الجارية، وليس بلغة تخترعوها أنتم، ولا وسائل الاعلام اللبنانية.
نقلا ن صحيفة (الرأى العام)
عمود: آخر النفق
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم