في أبريل من العام 2023 أشعل الجنجويد نار الحرب في الخرطوم.
باغتوا جيش الدولة وهاجموه في ثكناته، وعندما خابوا في الامساك بمقاليد الأمور بالقوّة هاجموا بيوت المدنيين بضراوة اسستباحوا فيها كل شيء. واستشرى كالوباء رعبهم المتنامي بفنونه المعتوهة من قتلِ ونهبِ واغتصاب وتهجير قسري للمدنيين. قوة الجنجويد قوة بلطجية وحشية مدمِّرة منفلتة لايزعها وازع ولايردعها رادع غير سلطان السيف هو الكَمْدَة بالرَمْدَة، وهو السِمّ القَدُر عشاء الجنجويد، يحسن لجمهم ويقهر شرهم المستطير. وكانت ممن نجى من براثن الجنجويد إمرأة كردفانية تدْعَى بثينة كانت جارة لأهلي، وفوق ذلك صديقةً مقرَّبةً لأمي في بلدة الحَصِيرة في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي.
مازلت أذكر بثينة بوضوح إذ كنت أمضي في طفولتي وقتاً طويلاً في الدار التي كانت تجمعها هي وزوجها، الدِرْدِيري، ناظر المَحَطّ الكبير في الحَصِيرة، وضُرَّتيها زينب وفاطمة. كان زوجها صديقاً لأبي . مِثل زوجها وكبرى ضُرَّتيها، زينب، تنحدر بثينة من شعب الكبابيش وتعود أصولها لبلدة خُرْسي الواقعة في نواحي الأبيض في شمال كردفان.
نزحت بثينة برفقة بنت لها تلاحقهما أنفاس الجنجويد المرعبة من مكان الى آخر، وظلَّتا في ترقب ونزوح مستمر حتى بلغتا حلفا الجديدة حيث اكتريتا منزلاً في أحد أحياء المدينة. واستقرت بثينة في البطانة تتسقَّط أنباء الحرب الزاحفة دون أن تنسى عشرتنا القديمة في الحصيرة، فطفقت تسأل طوب الأرض عنَّا. ياربي الناس ديل وين؟!… ماتركت سائقاً يقود حافلة قادمة من قرى الحلفاويين العديدة إلَّا وسألته عن أمي وأبي حتى عثرت على ضالتها بعد شهور من البحث المضني.
حدث اللقاء المهيب الذي جمع بين أمي وبثينة في حلفا الجديدة بعد نصف قرن من الفراق في بلدة الحَصِيرة. وارتمتْ كلُّ منهما في حضن جارتها وصديقتها القديمة. بكتا طويلاً وهما متقالِدتين كأنما تخشيان من أن يفرِّق القدر بينهما من جديد. ولبثتا هكذا واقفتين يعصف بهما الحزن وهما تتمايلان كالسرو يمنةً ويسرى. بكتا بحرقة على الأموات، ثم بكتا خوفاً على الأحياء من بطش الجنجويد. بكتا على الزوجين، أبي والدِرْدِيري، الذين ارتحلا وترك كل منهما أهله لزمن صعيب تفشى فيه الخوف من الجنجويد. ثم بكتا زينب التي ارتحلت في ديار الكبابيش ودُفِنَتْ هناك بجوار قبر زوجها الدِرْدِيري. تذكَّرتا من بين النواح والآهات والنهنهات والغمغمات والدموع الثخينة طُرَفاً عديدة تحفظانها وترويانها عن شقاوتي وعبثي في سنوات الطفولة في الحَصِيرة، فاغتصبتا ابتسامةً مُنهَكةً تخلَّقتْ وتفتَّقتْ كبرعم عنيد ينهض من بين الأهوال والمواجع.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
27 – 12 – 2025
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم