khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
في التاريخ لحظاتٌ لا تُقرأ بالعناوين، بل تُقرأ بالرجفة التي تُصيب موازين القوى حين يتغيّر اتجاه الريح. ولحظة لقاء محمد بن سلمان بترمب الأخير، هي من هذا النوع الذي يشبه الانعطافات الكبرى؛ تلك التي لا تعلن نفسها، لكنها تُحدث شرخاً صامتاً في جدار الأزمة، وتكشف أن الزمن الذي ظلّ السودان فيه خارج نظر الكبار قد انتهى. فالسودان، الذي سُحق بالدم والخذلان لأكثر من عامين كاملين، خرج فجأة من ظلّ الخراب إلى واجهة القرار الدولي، لا لأن العالم استيقظ على صراخ الضحايا، بل لأن حرارة التاريخ عادت لتضغط على أعصاب القوى التي تتحكم ببحرٍ أحمر يغلي، وبقارةٍ تتجه إلى تخوم الخطر، وبوطنٍ عظيم كاد يُمحى من الذاكرة لولا أن القدر أعاده إلى الطاولة بيد أميرٍ يمتلك مفاتيح اللحظة، ورئيسٍ لا يلتفت إلا حين تهزه قوة أكبر منه. وهكذا وجد السودانيون أنفسهم أمام مشهد لا يشبه ما قبله؛ مشهد تُعاد فيه صياغة ملامح الحرب من أعلى القمم، لا من الميدان ولا من الخرطوم، ويُعاد فيه وضع السودان في خانة الدول التي لا يمكن تركها تنزف إلى ما لا نهاية.
من يظن أن لقاء الرئيس ترمب بالأمير محمد بن سلمان كان مجرد عابرٍ دبلوماسي يخطئ في قراءة اللحظة؛ فالملف السوداني الذي ظلّ لسنوات مجازاً يُدار في مكاتب المبعوثين تحوّل فجأة إلى ملف على طاولة الرؤساء، لحظة تُعلن فيها واشنطن والرياض أن حرب السودان لم تعد شأناً أهلياً ولا فوضى بعيدة يمكن التغاضي عنها، بل تهديداً إقليمياً وإنسانياً لا يترك أحداً خارج الحساب. وفي هذا الصعود المفاجئ وجد السودانيون أنفسهم أمام موجة من ردود الفعل لم تحتملها البنية المتصدعة للمعادلة الداخلية.
جاءت تغريدة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان سريعة على غير العادة منذ انطلاق حرب ١٥ ابريل، “شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الرئيس دونالد ترمب”.جملة قصيرة لكنها تكشف أكثر مما تقوله. فحين يختزل قائد جيشٍ يقود حرباً مدمّرة مصير بلاده في شكرٍ عمودي لشخصين خارج الحدود، فإنه بذلك يعلن من حيث لا يريد، أن القرار لم يعد في الخرطوم، وأن السيادة التي ظلّ يرفعها شعاراً قد تبخرت عند أول اصطدام حقيقي بمسار الرباعية. هذه الجملة وحدها كافية لتعرية موقع الجيش في اللحظة الراهنة؛ جملة تظهر البرهان لا كقائدٍ يتحدث بلسان دولة، بل كمتلقٍّ ينتظر الإشارة من العواصم الأربع، وكأن مفتاح الحرب والسلام ليس في يده بل في يد من يشكرهم. الأخطر أن التغريدة تخلو من أي كلمة للسودانيين أنفسهم، لا اعتذار، لا تعهّد، ولا حتى محاولة لامتصاص جراحهم. كأن الرجل يرى أن النجاة تأتي من فوق، لا من الشعب تحت. وهكذا تتحول العبارة القصيرة إلى مرآة تكشف انهيار سردية “الجيش القائد” وتؤكد أن السودان دخل مرحلة جديدة لا يملك فيها البرهان ولا الحركة الإسلامية سوى التماهي مع ما يُفرض عليهم من الخارج، لأن الزمن الذي كانوا يقررون فيه انتهى، والزمن الذي تقرر فيه العواصم بدأ.
وكذلك سارع تحالف صمود إلى إصدار بياناً واضحاً رحّب فيه بالخطوة واعتبرها منعطفاً يمكن البناء عليه إن كان الهدف إنهاء المجزرة وإعادة السلطة لمدنيين يملكون مشروعاً وطنياً لا علاقة له بخطايا الحركة الإسلامية ولا بمغامرات جنرالات بورتسودان، محذّراً من أن الحرب التي أشعلتها قوى التمكين لا يمكن إطفاؤها دون تفكيك شبكاتها وإزاحة يدها عن الجيش. أما حزب الأمة القومي، فاختار لغة أكثر تروّياً لكنه أكد الترحيب، مشدداً على أن أي وقف للحرب يجب أن يكون بوابة لحل شامل يعيد المؤسسات إلى الشعب ويضع العسكريين في حجمهم الطبيعي بعد أن توسعوا في دم البلاد ومالها. وفي الطرف الآخر، برز الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل من خلال تصريحات متفرقة لقادته وليس ببيان مركزي، لكنه أيّد المبدأ وحذّر من الصفقات الفوقية التي ترضي من يملك السلاح وتقصي من يملك الشرعية السياسية والاجتماعية، إدراكاً منه أن البلاد لا تُختطف مرة أخرى باسم التسويات.
وأصدرت الحركة الإسلامية بياناً حاولت تغليفه بورق السيلوفان وكأنها ما زالت تمتلك ناصية القرار. لكنه، لمن يقرأ السياسة بعيون مفتوحة، لم يكن بيان قوة ولا موقف ثبات، بل كان أول اعتراف مكتوب بأن الحركة الإسلامية واقفة الآن عند حافة نهايتها السياسية. فمنذ متى تُكثر الحركة الإسلامية من كلمات “الشكر” و”الجهد الحميد” و”المسعى النبيل”؟ ومنذ متى تكتب بلغة التودّد لمن كانت تتهمهم بالأمس القريب بأنهم “قوى وصاية” و”محور تآمر”؟ هذا البيان لم يكن بياناً سيادياً، بل كان انحناءة اضطرارية أمام واقع يعرفون أنه فاجأهم، وهزّ الأرض تحتهم، وجرّدهم من قدرتهم على الرفض أو الممانعة.
البيان بدا كخطاب محاكم لا كخطاب حركة سياسية؛ لغة تبتسم وهي ترتجف
وكلمات تمدح وهي تختنق، ومفردات تسعى إلى إخفاء حقيقة بسيطة أن الحركة الإسلامية لم تعد صاحبة قرار في الحرب ولا صاحبة وزن في التسوية، وأن العواصم الأربع، الرياض وواشنطن والقاهرة وأبوظبي، أصبحت تتحكم في مفاصل الملف، بينما هم يحاولون فقط ألا يُرمى بهم خارج المشهد دفعة واحدة.
إنهم يشكرون وليّ العهد السعودي لأنهم يعلمون أن ما بعد هذا اللقاء لن يشبه ما قبله، وأن التسوية إذا جاءت الآن من صلب الرباعية، فإنها ستأتي محمولة على شروط لا تصنعها الحركة الإسلامية، ولا تخدم نفوذها داخل الجيش، ولا تحفظ شبكة مصالحها التي بنتها منذ سقوط البشير. لهذا جاء البيان مليئاً بمفردات “السيادة و”الكرامة الوطنية”، لا لأنهم يؤمنون بها، بل لأنهم يحاولون ستر التناقض الفادح بين خطابهم القديم وموقعهم الجديد كأضعف لاعب في طاولة تُعاد هندستها بلا إذن منهم.
العبارات التي تحدثت عن “صيانة السيادة” و”رفض التدخل الخارجي” ليست سوى قشرة لغوية لإخفاء حقيقة أن الحركة اضطرت إلى الاعتراف بدور خارجي أكبر منها. فكيف ترفض التدخل الخارجي ثم تشكر تدخلاً خارجياً هو ذاته الذي كانت ترفضه؟ هذه مفارقة واضحة لا يستطيع البيان حلها لأن التناقض جزء من بنيته.
أعمق ما في البيان هو الخوف من أن تسوية تُدار بين الرياض وواشنطن والقاهرة وأبوظبي قد تُنتج واقعاً سياسياً لا مكان فيه للحركة الإسلامية داخل الجيش، أو قد تُقلّص نفوذها التاريخي الذي ظلّت تحميه منذ سقوط البشير. لذلك جاء البيان وكأنه محاولة لتقديم أوراق اعتماد جديدة تقول فيها الحركة؛ “نحن جزء من المشهد، لا تستبعدونا”
والملاحظ أن البيان لم يهاجم الدعم السريع كما اعتادت الحركة، ولم يتحدث عن “الخيانة”، ولا “التمرد”، ولا “الحرب المقدسة”. اختفى الخطاب الجهادي تماماً. وهذا مؤشر على أن الحركة تحاول الآن إعادة التموضع، لا خوفاً من الدعم السريع، بل خوفاً من العواصم الأربعة التي قررت أنها ستضع نهاية لهذه الحرب.
البيان أيضاً يحمل رسالة داخلية؛
الحركة تريد أن تقول لجمهورها، المصدوم من التغيرات، إنها ما تزال “تسيطر” و”توجّه”، لكنها في الحقيقة تحاول امتصاص الصدمة قبل أن يدرك جمهورها أن اللعبة خرجت من يدها. فالتغيرات الدولية الأخيرة، وزيادة اندفاع السعودية لإنهاء الحرب، ودخول ترمب المباشر على الخط، كلها أحداث تفوق قدرة الحركة على المقاومة أو المناورة.
واللافت أنّ موجة الترحيب شملت أيضاً أنصار الحرب أنفسهم من القوى الاخرى المساندة؛ أولئك الذين ظلّوا لعامين يشعلون الجبهات ويبرّرون الدم ثم وجدوا فجأة في التحرك السعودي، الأميركي بارقة نجاة لم تكن في حساباتهم. لقد أدركوا، ربما لأول مرة، أن الهواء الذي يتنفسونه مرهون برضا العواصم، وأن رائحة التحول الإقليمي قد تحمل معها نظاماً جديداً يطوي صفحة مشروعهم بالكامل، فاندفعوا إلى الترحيب لا بدافع الحكمة، بل بدافع النجاة، لأنهم فهموا أن الزمن تغيّر، وأن صوت الحرب الذي بنوا عليه مجدهم القصير بدأ يخفت أمام صوت أكبر؛ صوت المصالح الدولية التي قررت أخيراً أن السودان لم يعد يحتمل العبث. لذلك جاء ترحيبهم أشبه باعترافٍ مبطّن بأن المعركة التي ظنّوها طويلة بدأت تضيق عليهم، وأنهم إن لم يغيّروا نبرتهم اليوم، فقد يجدون أنفسهم غداً خارج المشهد تماماً.
وفي موازاة المشهد المحلي، كانت الرياض تقدّم اللقاء كنجاح دبلوماسي لوليّ عهدها الذي أقنع الرئيس الأميركي بأن السودان ليس حرباً بعيدة بل خطراً يضرب في البحر الأحمر ويهدد مشاريع المنطقة، بينما اكتفت الإمارات ومصر بالظهور عبر الرباعية، إدراكاً منهما أن أي تسوية لا يمكن أن تُفرض دون لمسة القاهرة ولا دون وزن أبوظبي في شبكات السلاح والذهب. وفي الغرب، تنازعت التحليلات بين من يرى في دخول ترمب فرصة لرفع الاهتمام الدولي بالسودان، ومن يراه مجرد بحثٍ عن إنجاز خارجي سريع تحت ضغط سعودي مباشر، بينما المنظمات الحقوقية لم تُفوّت اللحظة لتذكّر بأن وقف الحرب بلا مساءلة ليس سلاماً، بل هدنة تُبقي القتلة في مواقعهم وتترك المأساة تحت الرماد. وهكذا تتقاطع ردود الفعل السودانية والدولية في نقطة واحدة؛ أن العالم يتحرك، لكن مصير السودان لا يزال معلّقاً بين من يرى التحرك مجرد استعراض، ومن يراه بداية نجاة، ومن يخاف أن تتحول دماء الناس إلى ورقة تفاوض فوق مائدة لا يجلس حولها إلا من يحمل السلاح أو يملك مفاتيح العواصم.
ومع كل ذلك، فإن اللحظة التي تجاهلها الجميع وسط الضجيج كانت تلك الكلمات الدافئة التي خرجت من الرياض، وتلك العبارة العميقة التي جاءت من واشنطن. كلمات وليّ العهد السعودي؛ “لكم في القلب مودّة ومحبة… نستشعر معاناتكم… والنصر حليفكم بإذن الله”، وكلمات ترمب؛ السودان حضارة عظيمة وثقافة عظيمة…” انحرفت بالحرب ويمكن إصلاحها” كلمات لم ينتبه لها الخبراء لأنها لا تدخل في خرائط النار، لكنها تدخل في خرائط الوجدان؛ لأنها تقول للسودانيين إنهم ليسوا رقماً في حرب، بل أمة لها أصلها وعراقتها.
والتفسير الأصدق لما قاله ترمب امام شاشات العالم في ذلك اليوم المشهود، لا يشبه ما اندفع إليه أنصار الحرب من تهليل وقراءات حالمة، بل ينسجم مع طبيعة الرجل التي يعرفها العالم؛ سياسي لا ينشغل بالملفات ولا يغوص في التفاصيل، لا يقرأ التقارير التي ترفع إليه من مسعد بولس، ولا من مستشاره للأمن القومي، ولا من مدير السي آى أيه، ولا من وزير خارجيته. والسودان في حساباته الانتخابية الضيقة، ليس ملفاً يمنحه مكسباً سريعاً، ولذلك لم يكن حاضراً في وعيه إلا حين وضعه الأمير محمد بن سلمان في الصورة بوضوح شخصي مباشر. وعندما قال إنه “لم يكن يدري عن السودان”، فهو لم يقصد السودان الوطن ولا السودان الشعب، بل قصد نفسه؛ أنه لم يكن يتابع، ولم يكن معنيّاً، وأن الحرب لم تدخل دائرة اهتمامه إلا حين طلب منه الرجل الذي يثق فيه أن يتحرك. وعليه، فإن الذين احتفلوا بكلمته كأنها مخرج سحري أو مسار جديد خارج الرباعية قد أساؤوا قراءة اللحظة بشكل فادح. ترمب أصدر توجيهه السريع احتراماً لثقة شخصية تربطه بوليّ العهد، ثم عاد في اليوم نفسه ليضع الأمور في نصابها، مؤكداً أن الرباعية هي الطريق، وأن لا سلام ولا تسوية خارج الإطار السعودي، الأميركي، المصري والإماراتي. الذين بحثوا في عبارته عن خريطة خلاص خارج الرباعية إنما تعلّقوا بوهم صنعوه لأنفسهم. الأيام القليلة القادمة ستكشف لهم حجم هذا الوهم، وستسقط ورقة التوت التي حاولوا تعليقها على جملة عابرة قالها رئيس لا يهتم بالتفاصيل، ثم عاد ليعيد الجميع إلى المسار الحقيقي، لا طريق خارج الرباعية، ولا خلاص في الحرب، ولا مستقبل لمن يقرأ السياسة بعيون الرغبة لا بعيون الواقع.
وهكذا، فإن كل ما جرى، من لقاء الأمير وترمب إلى ارتباك القوى المساندة للجيش، ليس إلا بداية انكشاف الحقيقة الكبرى، أن السودان لم يعد ورقة بيد من يشتهي الحرب، ولا ساحة يعبث بها من اعتاد صناعة الخراب. إن الزمن الذي كان فيه الدم أداة تفاوض قد انتهى، والزمن الذي كانت فيه البنادق تصنع السياسة قد انكسر. وما كان يُدار في الظل خرج الآن إلى الضوء، وما كان يُفرض بالقوة صار يُوزَن بمصالح أربع قوى كبرى قررت أن السودان لن يظل ينزف إلى ما لا نهاية. ولذلك، فإن السودان يقف اليوم على عتبة مرحلة لا ترحم. مرحلة لن يكسب فيها من يراهن على الوهم، ولا من يختبئ خلف شعارات الحرب، ولا من يظن أن الخراب يمكن أن يُصنع مرتين. هذا زمن جديد، يُعاد فيه تعريف القوة، ويُعاد فيه تركيب المشهد، ويُعاد فيه وضع السودان في موقعه الحقيقي؛ وطناً لا يقوم على جراحه، بل على وعي أبنائه وقدرتهم على النهوض. إنها لحظة لا تطلب الهتاف، بل تطلب الشجاعة، ولا تطلب التصفيق، بل تطلب وقفة أخلاقية أمام مرايا التاريخ؛ لحظة يقول فيها السودانيون لا العواصم الكلمة الأخيرة، أن يبنوا جيشاً يحميهم، وسلاماً يصونهم، ودولةً تُشبههم. فالعالم التفت أخيراً إلى السودان، لكن السودان لن يُبعث إلا إذا التفت إلى نفسه. وهذه لا غيرها هي بداية القيامة السودانية الجديدة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم