لماذا عبرت الدجاجة الطريق؟

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

توطئة

هذا النص لا يسخر من الثورة، بل من الواقع الذي حاصرها. فحين نستعير صورة “الدجاجة” فنحن لا نقلل من دماء الشهداء، بقدرما نكشف المفارقة: ثورة عظيمة وُضعت في طريقٍ ملغوم حتى بدا عبورها عبثًا أقرب إلى نكتة.
إن الغرض من كتابته هو مساءلة معنى “العبور” نفسه: هل تحقق فعلًا، أم كان مجرد فخٍ يعيد إنتاج القفص في صورة أخرى؟

قد يبدو سؤال “لماذا عبرت الدجاجة الطريق؟” أشبه بالنكتة الفلسفية الكلاسيكية، لكن خلف بساطته يختبئ امتحان للمعنى نفسه. فالإجابة التقليدية ببساطة هي: “لتصل إلى الجهة الأخرى” وهو ما يفضح الخواء…
ما العبور أصلًا؟ أهو انتقال من مكان إلى آخر، أم فعل رمزي يعرّي عبثية الحياة؟
في القراءة الساخرة يُقال إن الدجاجة عبرت لأن الطريق كان موجودًا، وكأن الفعل يسبق التفكير. أما في القراءة الفلسفية، فالسؤال لا يعني الدجاجة بقدر ما يعني نحن: لماذا نعيده جيلًا بعد جيل، كأننا عالقون في طريق واحد لا نملك سوى أن نعيد صياغة عبوره في كل مرة؟
وقد تسائلنا الدجاجة نحن أكثر مما نسائلها—ما معنى “العبور”؟ هل هو انتقال مكاني أم فعل رمزي يعرّي فراغ السؤال ذاته؟

في ديسمبر ٢٠١٨ اشتعلت شرارة الحراك الثوري من الدمازين، ثم لحقت بها عطبرة وبقية المدن. خرجت الجماهير تصرخ “تسقط بس”، كأنها دجاجة كسرت قفص الخوف بعد ثلاثين عامًا من حكم الإنقاذ. وحين احتشد الناس أمام القيادة العامة في ٦ أبريل ٢٠١٩ بدا المشهد كجسر نحو الحرية. وفي ١١ أبريل سقط البشير، لكن السقوط كان أشبه بجبل جليدٍ يتفتت في قلب المحيط: رأسه ينهار، لكن كتلته الغاطسة باقية تحطم السفن المارة.
حسب الناس أن السقوط نهاية، ولم يدركوا أن ما تحت الماء أعمق وأقسى.

ثم جاء فجر ٣ يونيو ٢٠١٩ ليكشف أن الطريق ليس معبرًا بل مذبحة.
فض الاعتصام كان فعل تحالف مظلم: كتائب الإسلاميين الأمنية، جهاز الأمن والمخابرات، وحدات من الجيش، قوات الدعم السريع، وحتى عناصر غريبة الملامح — عربية، تركية، إيرانية — كما شهد بعض الناجين.
قُتل المئات، اغتُصبت النساء والرجال علي حد سواء، وأُلقيت جثث الثائرات والثوار في النيل. فهل كانت الدجاجة تعبر الطريق، أم كانت تُذبح على مرأى العالم؟

ومع ذلك، في ٣٠ يونيو خرجت الملايين. وُقعت الوثيقة الدستورية الهشة مع العسكر، وجاء عبد الله حمدوك. أُلغيت بعض القوانين، تنفّس الناس قليلًا. لكن الدجاجة هللت قبل أن تنظر تحت قدميها: كان الطريق ملغومًا بالفلول. أُغلقت الموانئ، خططوا لانقلابات، وأطلقوا أداة جديدة للفوضى: “تسعة طويلة”.

“تسعة طويلة” لم تكن مجرد عصابة. كانت تجسيدًا لـ البروليتاريا الرثة التي وصفها ماركس: شباب هامشي، مسلوب الأفق، يُستأجر ليخلط الموكب بالسطو، الثائر باللص. عند غرامشي، هذه الفئة تُستحضر حين تريد السلطة أن تصنع “فوضى متعمدة” تذيب الحدود بين الجريمة والاحتجاج. لكن لم يكونوا وحدهم. بجانبهم كانت هناك البرجوازية الرثة: رجال مال طفيليون ينهبون الذهب والسكر والبترول، يعيشون على الريع لا على الإنتاج. كما وصف فانون، برجوازية لا تبني وطنًا بل ترث المستعمر لتنهب باسمه. في السودان التقت الرثّتان: الأولى ساطور في الشارع، والثانية خزنة للفساد. فهل عبرت الدجاجة الطريق، أم وجدت نفسها بين لص يحمل سكينًا وتاجر يبيع دمها في المزاد؟

ثم جاء ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. عبر العسكر الطريق عكسيًا. البرهان وحميدتي اعتقلوا حمدوك ووزراءه، حلّوا مؤسسات الانتقال، وزعموا أنهم يحمون الثورة من نفسها ويصححون المسار. خرج الناس يهتفون “لا لحكم العسكر”، سال الدم مجددًا، وأُعيد حمدوك باتفاق واهٍ قبل أن يستقيل.
في الخلفية خرجت قيادات الإنقاذ من السجون. وكأن جيفارا كان يصفنا حين قال: “الثورة يصنعها الشرفاء ويقودها الشجعان ثم يسرقها الجبناء.”

وفي ١٥ أبريل ٢٠٢٣ انفجر الشقاق بين البرهان وحميدتي بفعل الإسلاميين. الخرطوم تحولت إلى مسلخ مفتوح: الطائرات تقصف الأحياء، المليشيات تقتحم البيوت، والناس يُقتلون أو يُهجّرون. في الجنينة والفاشر ارتُكبت مجازر عرقية، آلاف القتلى، ملايين النازحين.
وسط الخراب أُخرج البشير من السجن بحجة المرض، وظهر أحمد هارون ليعلن فراره، وكأن التاريخ يسخر علنًا من دماء الشهداء.

واليوم، صرنا أمام مهزلة كاملة: حكومتان تتنازعان على أشلاء الوطن. واحدة في بورتسودان بقيادة البرهان، محاطة بفلول المؤتمر الوطني وزعماء الحركات المسلحة؛ وأخرى في دارفور بقيادة حميدتي، تحت شعار “تأسيس السودان”، وكانما ليس هنالك من خيار ثالث يستوعب طموح هذا الشعب الذي ينادي بالحرية والسلام والعدالة؟
وطنٌ مشطور نصفين، كدجاجة مقطوعة الرأس تركض في اتجاهين، والناس في الوسط بين جوع وحصار ونزوح.

لكن لماذا حدث كل ذلك؟ لأننا لم نكن أمام نظام سياسي عابر، بل أمام شبكة معقّدة متجذّرة. إسلاميون توغلوا في الجيش والأمن والتعليم منذ ستينيات القرن الماضي؛ برجوازية رثة اغتنت من الريع والنهب؛ بروليتاريا رثة جرى توظيفها كسواطير في الشارع؛ وعسكر لم يعرفوا سوى لغة القوة. هذه المنظومة ظلت متماسكة رغم سقوط رأسها، وأحكمت قبضتها كلما شعر الشعب أنه يقترب من الضفة الأخرى. وكما قال غرامشي: “الأزمة تكمن في أن القديم يموت والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ يولد الوحش.”

انعكاس صورة ذلك الوحش على وحدة البلد كان كارثيًا. السودان لم يعد كيانًا واحدًا، بل فسيفساء متصدعة: جغرافيا مشطورة بين سلطتين، ووعيًا جمعيًا ممزقًا بين الولاء للقبيلة أو الجهة أو المليشيا.
الحرب لم تقسّم الأرض فقط، بل مزقت الفكرة الوطنية ذاتها، وما يزال السؤال قائمًا: هل ما زلنا نملك وطنًا واحدًا يمكن أن يُجمع على ضفة واحدة؟

فهل يمكن القول إذن إن الدجاجة عبرت الطريق؟ ربما عبرت بمعنى أنها كسرت القفص وأسقطت الرمز، لكنها لم تصل إلى الضفة الأخرى، لأن الضفة نفسها كانت تتشظى تحت أقدامها.
عبرت وهي لا تدري أن الطريق قد ينتهي بانقسام البلد لا بوحدته، بمهزلة الحكومتين لا بدولة واحدة، بذاكرة مثقلة بالدم لا بأفق جديد.

العبور إذن لم يكن وصولًا، بل فضحًا: فضح هشاشة الدولة، عجز النخبة، وتفتت الجماعة الوطنية.
وما يظل عالقًا أمامنا أن التاريخ في السودان لا يعيد نفسه كمأساة أو مهزلة فقط، بل يخلط الاثنين في لحظة واحدة.
إن الدجاجة، بكل ما حملته من سخرية وعبث، كشفت أن الطريق لم يكن جسرًا إلى الحرية، بل امتحانًا لوحدة بلد لم يتفق بعد على أي ضفة يريد أن يقف فيها.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …