بقلم الريح علي الريح
مضت ثلاثة اعوام هجرية على الحرب الواسعة التي تدور رحاها بين الجيش ومليشيا الجنجويد في السودان،ومازال فارقَ ميزان القوة يُقوِّضُ بالفعل قدراتِ الطرفان اللذان كانَا يرفضان التنازلَ بالتفاوض والاتفاق والميثاق. والنتيجةُ متوقعةٌ رغم الدّعايةِ الواسعةِ الداعمة للحرب والدمار تحت شعار( فالترق كل الدما).
بالنَّظر إلى النتائج المبكرةِ على أنها انتصارات للمليشيا، وإن كانت أقلَّ من انتصار كامل، نجاحٌ في تحجيمِ الجيش ووضعه في ثكناته. لكن، من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ الجيشَ متماسكٌ وباق ضد الملشيا. والتقديراتُ تقدّر أنَّ أمامنا بضعة شهور وينتهي القتال بعد ان ينتهى دور المشاة والامر بقى في يد المسيرات انتحارية واستراتيجية، وربَّما قبل ذلك في حالِ اقبل «الطرفين» على السلام والتفاوض او بـ«الاستسلام الكامل للسلطة المدنية الانتقالية الديمقراطية» وبالاولى والاخرى يمكنهم البقاء مؤقتا حتى تكتمل المؤسسات المدنية وتبدا عملها والا فان طوفان ديسمبر عائد وقادر على العودة ودوس وسحق ونسف الجميع.
يقولون حتى اليوم ملامحُ ما يلِي الحرب لا توحي بأنَّ النظام القديم والحلقة الشريرة وشيكة التغيير، لا من الشَّارع ولا من الخارج. وقد يعني ذلك أنَّ على السودانيين أن يرتضوا التعايش مع حكمٍ مكسور وحرب لا تنتهي. هذا يعيد للأذهان سيناريو «حرب الجنوب» التي وقَّعَ فيها السودان شمالا وجنوبا وكان الاستسلام بغير هزيمة او انتصار بين الطرفين مصير الحرب في نيفاشا. ونظامُ البشير استمرَّ بعدها في الحكم 14 عاماً، إلى أن تمَّ القضاء عليه في عام 2019. وربَّما نحن أمام نمطٍ حرب مماثل مختلف نوعا ما من حيث المنطلقات والمفاهيم وتوازن للقوة، ولكن وفقَ التحليلاتِ العسكرية المتاحة، وعلى هذا التحليل لن ينتهى الخطرُ الوجوديُّ للمليشيات او تدخل الجيش في السياسة والذي يهدّد كل منطقتَنا الافريقية والعربية وليس السودان استثنا من الخطر. حتي ينقضي امرا كان مفعولا.
نقول بالله سيبنا من الكلام الماسخ الكسلان هذا. لان حربُ السنين الماضية (حرب الفلول ضد الفلول). ليست كحرب الجنوب رغم طول زمنِها، وأسطعُ دليل على ذلك أنَّ الجميع كان متربص ومتزرع ومترصد لها وكل طرف كان يملك الخطةَ والقوةَ القادرة على تدمير الاخر – كما يقولون – ولهذا جأ سوال من اطلق الطلقة الاولى؟!
ايضا هجماتُ المليشيا بالمشاة والمسيرات استهدفت مدن السودان كلها بلا بعض او استثنا. وتبرر بالقولُ إنَّ هجماتها ذاتُ طبيعةٍ عسكرية ومطاردة للفلول، لكن في الواقع معظمها كانت استهداف للاعيان المدنية ومصالح وارواح المواطنيين. ولكنها ليست كما الحركة الشعبية وليس قائدها شبيه بدكتور جون قرنق عمقا ومعرفة وتعليما والمقارنة معدومة. ولكن الحرب حرب والفرق في القضية والمنطلقات والخواتيم.
قدراتُ الجنجويد بنتها للسيطرةِ على منطقة شرق ووسط افريقيا يعنني السودان وما جاوره. ولم نكن نجهلُ استراتيجيةَ ال دقلو ببنائها قدراتٍ عسكرية متفوقة على الجهات الرسمية وقادرة على شلّ وربَّما إسقاطِ دول الجوار والسودان معا. وكانَ السؤال الدائم يتمثَّل في توقيت «ساعة الصفر»، ربَّما بعد تحقيقِ الاتفاق الايطاري وربما قبل ذلك ولكن انذار الحرب كان في الحساب.
الشي الوحيد الذي كانَ سيمنح الجنجويد الدعم من الشعب السوداني كان هو الانحياز للشعب لحظة الانقلاب العسكري في 2021 (انقلاب الموز) عندما حاصر ثوار بحري والحاج يوسف ومايو القيادة العامة واقتحموا الكباري التي كان يحرسها الجنجويد ولكنهم لغفلتهم وسفاهة احلامهم تبنوا الانقلاب حتى ظهور الايطاري وقضية الدمج وهي الطلقة الاولى للحرب.
من منظور انحيازهم للانقلاب. فإنَّ انهياراً للجنجويد حدث. وبالتالي يعدُّ انقلاب 2021 تطوراً سياسيّاً في غاية الأهمية في حياة المليشا الفيروسية، وكانت له كذلك تداعياتُه. اما الحرب ربما تكون هي لحظة القضاءُ على خطط طرفي الحرب كقوةٍ فاعلة سياسيا، وكمصدرِ خطرٍ على مستقبل الشعب السوداني في مقبل ايامه ولكنها ثمنا قاسي وغالي دفعه الشعب السوداني.
طرفي الحرب لن يتغيران، عن نهجهما نظاماً و سياسة ، وبرغم ذلك مؤكد سنرى السودان بلداً طبيعياً يهتمّ بالتنمية والتطور وينخرط في التعاون الإقليمي. والخسائر البشرية والمادية التي تعرَّض لها شعب السودان مؤلمة بما انه في قلب الحرب وبالتالي الأكثر عرضة للدمار واهدار الكرامة، وهي نتيجة لما فعله النّظام البائد في سالف السنين وما اكمله طرفي الحرب اللذين هم من مخلفات النظام البائد.
والشعب السوداني ظل بكل قوة باس وشكيمة يدفع فاتورة ثمن الحرب بصورة لا يمكن استيعابُها والتعاملُ معها الا لمن له ثقة في هذا الشعب الطيب. انظر لما يتعرض له المواطنون في معبر ارقين من تعسف سلطة بورتسودان معهم وانظر الى مساهمات المغتربين في دعم زويهم وانظر الى التكايا والنفير الذي يقوم به الشباب وسط الاحياء وانظر تشوف عجب الوصوف مقاومة للظروف لايمكن وصفها ولن يجود التاريخ بمثلها.
كما ان نزعُ مخالبِ النظام البائد وتشتيت شمله وتفتيت وحدته إنجازٌ تاريخيٌّ بالغ الأهمية يحسب من ضمن رصيد الشعب السوداني ويخدم البلاد والمنطقة، خصوصا وان الشعب السوداني كانت تُسخَّر مواردُه وثرواته وخيراته وتسفه احلامه لصالح الاجهزة الامنيه والعسكرية والمليشيات بغير هدى او كتاب مستنير.
وحتى الان وبعد عمليةِ الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب السوداني والخراب والدمار لم يستقر او ينهض نظام حكم في بورتسودان او نيالا. كما لا يمكن فرض «نظام حمدوك مجددا» او كما تخطط الامارات. ولم تظهر قوى سودانيةٌ داخلية ذات فعالية وحضور في الشارع السوداني مستعدة للانتحار ومساندةِ احد طرفي الحرب.
يختلف معنا القائل انه حتى الان لا توجد دلائلُ على انشقاقاتٍ داخل المؤسسةِ العسكرية التي تبدو مواليةً ومنضبطة وكذلك لم تتباين الصفوف وسط المليشيات. واليوم كل البلاد في أخطر أزمةٍ في تاريخها الحديث وتصارع من أجل البقاء. وربما تكون في مخاضٌ عسيرٌ لا يمكن الجزم بكيفية خاتمته. مع هذا لا نرى بعد قوى رافضة للحرب على الأرض قادرةً على تحدي طرفي الحرب وتبادر بعمل سياسي وشعبي يقلب الموازين. ولم يظهر حراكٌ شعبيٌّ عفوي واسع يمكن أن يستميلَ أفرادَ طرفي الحرب، ويدفع نحو انشقاقاتٍ واسعة في وسطهم. وان مسألة انقضاضّ القوى المحلية على طرفي الحرب، امر مستحيل من دون ميل بعض المؤسسات العسكرية معها من المستبعد أن يتحقّق أيُّ تغيير في الراهن القريب.
تلك دعاوي واماني الفلول واهل الحرب.
اعود للمقارنة، حيث سبقَ أن رأينا كيف كانت الحملات العسكرية والامنية الكبيرة على حراك ديسمبر 2018 حتى انتصر في ابريل 2019 وحاصر النظام البائد حصارا خانقا ثم قضى عليه بالضربة القاضية. والنظام البائظ فشلت في اسقاطه وتحقيق الانتصار عليه كلُّ القوى السياسية والحركات المسلحة والحصارات الخارجية ولكن توحد الشعب السوداني وانتصر، حتى اضطر شعوب العالم اجمع الى احترام الشعب السوداني وثورته السلمية انتصر الثوار من غير استخدام ادوات العنف والقوة. ولا يمكن للتاريخ ان يعيد نفسه ونفس المشاهد لكن يمكن للشعب السوداني تكرار تحديه للمحن والظروف وصناعة المعجزات ولاعتبارات عديدة ممكن ذلك.
في ضوء ذلك قد يجد طرفي الحرب نفسَهما أمام خيارات محدودة للغاية، لعلَّ أبرزَها التماسك والعودة مجددا ضد خيارات الشعب في النظام المدني الديمقراطي او استخدام الخديعة والتخويف مع من يصل للحكم كما فعلوا مع المقبورة قحت ولكن الشعب السوداني لهم بالمرصاد وبالتعبير الشعبي البسيط لن نمسك الماسورة مجددا.
مهما كان ويكون موقف طرفي الحرب الحالي، أو التالي المتفرع عنهما او بغيرهما، فإنَّ الشعب السودانيَ عند نهاية الحرب سيكون قد استعاد زمام المبادرة مجددا، وستتبخّر أدوات طرفي الحرب المحلية والإقليمية. وستنتهي بوصفها قوة إقليمية ومحليه وتبقى من تاريخٌ البلاد المتخلف ويبدا عهد وطني مدني ديمقراطي جديد كما صحن الصيني لا شق ولا طق بلد ودولة ونظام مهمٌّ له انعكاساتٌ ايجابية على محيطه.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم