نزار عثمان السمندل
سماء إيران مثقلة بغضب يتكرر، لكن الأرض لا تنفتح تحته. مدن تهتز، أصوات تعلو، اقتصاد يترنح، عملة تفقد وزنها، شوارع تمتلئ بإشارات التحدي.
كل العناصر التي تُسقط أنظمة في أماكن أخرى تتجاور هنا، ثم تنكسر على صلابة غير مرئية. هنا تعمل سلطة تعرف زمنها، وتفهم طبيعة الصراع، وتدير الاحتجاج كجزء من يوميات الحكم.
جمهورية صيغت منذ لحظتها الأولى كي تحتمل الصدمات. النظام لم يُبنَ على وعد الطمأنينة، إنما على افتراض التوتر. لا ينتظر الرضا ولا يراهن عليه. غضب الشعب عنصر محسوب في المعادلة، والاحتجاج احتمال حاضر في الذهن، لذلك لا يبدو الشارع مفاجئاً للسلطة، ولا يشكل اختباراً وجودياً في كل مرة يرتفع فيها الصوت.
مركز الثقل يقيم في شخص المرشد الأعلى. سلطة ذات طابع شخصي عميق، تتجاوز شكل الدولة إلى معنى الوصاية. علي خامنئي يتعامل مع موقعه كحارس رسالة، وليس كحاكم يدير أزمة. تصور ذاتي يضع بقاء النظام في مرتبة التكليف، ويجعل القرار فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً. هذا الإحساس بالواجب يمنح القيادة صلابة لا تعرف التردد، ويحوّل كل أزمة إلى امتحان إيمان.
حول هذا المركز يتشكل مكتب المرشد. مؤسسة بلا ملامح علنية، واسعة النفوذ، تعمل بهدوء كثيف. تصنع القرارات الكبرى، وتنسج الخيوط التي تربط الأمن بالاقتصاد، والدين بالإدارة، والعائلة بالدولة.
المكتب يغادر إطاره كجهاز إداري، ويتحول إلى عقل تنفيذي، يعتمد على شبكة ولاء وثقة، ويوجه المسارات الكبرى بعيداً عن ضجيج التداول العام.
في هذا الفضاء، تتراجع قيمة المؤسسات الدستورية. البرلمان حاضر، والحكومة تعمل، لكن الاتجاه يُرسم في مكان آخر. السلطة الفعلية لا تسكن النصوص، بل العلاقات. القرب من المركز يسبق الصلاحيات، والولاء يسبق الكفاءة. هكذا تُدار دولة تبدو مألوفة في شكلها، لكنها مختلفة في منطقها الداخلي.
الطبقة الدينية تمنح هذا البناء غطاءه الأعلى. شرعية تُستخرج من الفقه، وتُعاد صياغتها بلغة الطاعة. المرشد يُقدَّم على أنه امتداد للغياب المقدس (غياب الإمام الحُجّة)، والطاعة تتحول إلى عبادة، والمعارضة إلى خروج على النظام الكوني.
بهذا التكوين، تتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى علاقة واجب، ويتراجع منطق المحاسبة أمام منطق التكليف.
هذا الخطاب لا يبقى نظرياً. أصوات دينية مندمجة في الجهاز الأمني تعلن بوضوح أن حماية الدولة الإسلامية تتقدم على كل اعتبار. القتل، السجن، القمع، أفعال تُبرر باسم الواجب الأعلى. المتظاهر يُنزع عنه بعده السياسي، ويُعاد تصنيفه في خانة العداء المطلق. هنا، يتراجع الرأي العام، ويتقدم الحكم العقائدي.
خلف هذا الغطاء، يقف الحرس الثوري. قوة نشأت للحماية، ثم تمددت لتصبح العمود الصلب للنظام. جهاز متعدد المستويات، يدمج الأمن بالعسكر، والاقتصاد بالمجتمع. حضور واسع في الأحياء، في أماكن العمل، في الجامعات، في الفضاء العام. الغضب يُراقَب، ويُجزَّأ، ويُحتوى قبل أن يتراكم.
الباسيج تتبع الحرس الثوري، وتشكل الذراع الاجتماعية لحضوره. شبكة تعبئة ومراقبة، تعمل داخل النسيج اليومي، وتعيد إنتاج السيطرة بوسائل مباشرة. الاحتجاج يُفكك إلى حالات، ويُعاد امتصاصه ضمن زمن طويل النفس.
النفوذ الاقتصادي للحرس يعمّق هذا التماسك ويمنحه استقلالاً إضافياً. شركات، مشاريع، قطاعات استراتيجية. موارد تُدار بعيداً عن الموازنة التقليدية، وتربط مصير القوة المسلحة بمصير النظام نفسه. هذا الارتباط العضوي يجعل أي اهتزاز في المركز تهديداً مباشراً لمصالح مترسخة، فيتعزز التماسك عند لحظات الخطر.
تحت هذه الطبقات، تستمر الدولة اليومية. إدارة، خدمات، بيروقراطية. آلة تعمل للحفاظ على الاستمرارية، من دون أن تملك قرار الاتجاه. المجتمع يُدار، لكن النظام يُحمى في مكان آخر. الاحتجاج يُواجه أمنياً، يُغلّف دينياً، ويُمتص داخل روتين طويل النفس.
بهذا التكوين، يصبح تفكك السلطة أمراً معقداً. السخط الشعبي لا يجد طريقه إلى انقسام داخلي، والاحتجاج يبقى خارج دائرة التأثير الحاسم. صلابة النظام نابعة من تصميم واعٍ لعزل القلب عن الضغط، وتنظيم القوة حوله.
فهم إيران يبدأ من هذه البنية. دولة تعرف كيف تدير الغضب وتتعايش معه، وسلطة صُممت لتستمر وسط الاضطراب. أي قراءة للمستقبل تتجاهل هذا المعطى، ستبقى أسيرة التوقع، بعيدة عن الواقع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم