تأمُلات
كمال الهِدَي
عجبت من مناشدة إحدى الناشطات للمطربة إيمان الشريف بأن تتنازل عن بلاغها ضد بارود، الذي أغرق الوسائط بفاحش القول والصور الفاضحة والاتهامات غير المسنودة لأعداد كبيرة من السودانيين والسودانيات على مدى سنوات مضت.
مبرر صاحبةِ المناشدةِ الواهي هو أن الفتى (مسكين) وأن هناك من وقفوا وراءه وحرضوه على النشر المسيء. وأضافت أن السودانيين سوف يحترمون إيمان الشريف أكثر إن تنازلت عن بلاغها.
مثل هذه المناشدات تؤكد أننا شعب ينقصه الوعي بالحقوق والواجبات، ليفتح بذلك المجال للمخربين والمفسدين والمفتنين وعديمي التربية أن يفعلوا بنا ما يشاؤون.
لو كانت صاحبة المناشدة تعتبر نفسها شخصية يُستمع إليها، كان الأحرى بها أن تطالب كل من أساء لهم بارود واتهمهم بالباطل أن يخطوا نفس خطوة إيمان الشريف لا أن تناشدها التنازل عن البلاغ.
فرب العزة نفسه لم يقل إلى من استجابوا لمن حرضوهم على الكفر والجور ونكران قدرته إنه سيسامحهم لكونهم قوماً تُبعاً، فكيف بهذه الناشطة أن تسوق مبرراً من شاكلة أن بارود (مسكين)، وأن هناك من حرضوه على الفعل المشين؟!
طالما أنه قَبِل، كرجلٍ راشد وعاقل أن يكون أداة شر في يد غيره، فهذه ليست مشكلة إيمان ولا مشكلتنا نحن كسودانيين، ولابد أن يُعاقب ليكون عبرة لآخرين من شاكلته.
ولابد أن تفهم صاحبة المناشدة أن هناك حق عام في قضية بارود يتصل بالبلد الذي يقيم فيه، وبنا نحن كسودانيين، إذ فرض علينا هذا الفتى أن نستمع إلى الكثير من بذيء القول.
كما أساء بارود لمناطق بعينها ولساكني هذه المناطق، إذ وصف في أحد مقاطعه المصورة منطقة الخوير بمسقط بما لا يليق، وأساء إلى سمعة السودانيين القاطنين فيها، واصفاً الرجال بأنهم “رمتالة” وسُكارى لا يدرون شيئاً عن تصرفات نسائهم.
وأزيدك من الشعر بيت، يا صاحبة المناشدة، أن كاتب هذا المقال يعتبر نفسه متضرراً مما قاله هذا “المسكين” ، لكوني أسكن منطقة الخوير، ولو عثرت على الفيديو الشائن المذكور الذي نشره هذا الكائن قبل سنوات عديدة فسوف أضيفه إلى البلاغات المقدمة ضده.
وعلى كل، هناك حق عام كما ذكرت آنفاً. فهو لم يحترم البلد الذي استضافه، وأساء لأهله في المقطع الذي أشرت له، متجاهلاً حقيقة لا تقبل الجدال: أن عُمان بلد محافظ، يتمسك شعبه بتعاليم الإسلام السمحة، ولدى هذا الشعب من القيم والأخلاق والتقاليد ما يصعب فهمه على أمثال من تتعاطفين معه. إذاً، لو تنازلت إيمان أو غيرها عن بلاغاتهم، فلن يبرئ ذلك بارود. وهذا ليس تحريضاً مني للسلطات، التي تعرف واجباتها جيداً، وهي على علم تام بما اغترفه هذا المتفلت في حق الآخرين وفي حق البلد الذي استضافه، كسائر الكثير من بني جلدتنا الذين عاشوا في السلطنة منذ سنوات طويلة ومن شردتهم الحرب الحالية، لكنني أردت فقط لفت الانتباه إلى أن مثل هذه المناشدات لن تجدي نفعاً.
بدلاً من مثل هذا التعاطف والانحياز للمتفلتين، توقعت من أي شخصية تحسب نفسها عامة أن تُطالب بتوسيع دائرة المحاسبة لتشمل كافة الإعلاميين والناشطين والمطربين الذين ظلوا يشعلون نيران الفتن، ويحرضون على القتل والدمار والخراب، ومن ملأوا وسائل التواصل بالبذاءات. فهذا هو السبيل الوحيد لنهضة أي بلد؛ أقصد أن يُحاسب من يجرمون في حق الآخرين. أما أسلوب الطبطبة والمجاملات على حساب الحق والعدل والانصاف فلا يطور بلداً أو شعباً، بل يفاقم من أزماته ومشاكله.
وعلينا نحن كسودانيين أن نميز بين الحق الخاص والعام قبل أن نندفع وراء عواطفٍ لم توردنا سوى المهالك. فكل من ينتهك حرماتنا، ويشوه سمعتنا وسط الشعوب، ويسيء لنا ولغيرنا نطلب الصفح عنه، وهذا لا يجوز، فالحق لا يُساوم عليه، والمحاسبة ليست خياراً، بل واجب تجاه أنفسنا ووطننا.
kamalalhidai@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم