محمود عثمان رزق
morizig@hotmail.com
الآيات التي ذُكر فيها مصطلح “مِلك اليمين” في القرآن الكريم جاءت كلها بصيغة الفعل الماضي وليس من بينها آية واحدة جاءت بصيغة الفعل المضارع لتقول للمسلمين “أو ما تملك أيمانكم” لتفيدهم بالإستمرار في الفعل والأيات هي:
1- سورة (النساء 3) ﴿… أو ما ملكت أيمانكم إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾
2- سورة (النساء 24) ﴿… والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم…﴾
3- سورة (النساء 25) ﴿… ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات…﴾
4- سورة (المؤمنون 6) ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾
5- سورة (المعارج 30) ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾
6- سورة (النور 31) ﴿… أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال…﴾
7- سورة (النور 33) ﴿… والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا…﴾
8- سورة (الأحزاب 50) ﴿… وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي… و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك…﴾
9- سورة (الأحزاب 52)(… ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك…﴾
إذن، عدد المواضع التي ورد فيها “ملك اليمين” صراحة في القرآن الكريم هي 9 مواضع تحديداً في خمس سور هي الآتي:
1- النساء
2- النور
3- المؤمنون
4- المعارج
5- الأحزاب
وورود مصطلح “ملك اليمين” بصيغة الفعل الماضي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك والجدل، أن الإسلام وجد الرق في المجتمعات العربية وغير العربية ولم يسره حالها فبدأ في علاجه بتشريعلت دينية سلسة ليجتث جذوره من أعماق وظاهر تلك المجتمعات. فشرّع الإسلام لأول مرة في التاريخ الإنساني كفارات العتق التي لا صلة منطقية لبعضها بموضوع الرق أصلاً ! ولكن مكر الله الحسن (والله خير الماكرين) جعل تلك الكفارات باباً لعتق الرقاب وتحرير ما تبقى رق الجاهلية، فأمر من يظاهر زوجته بعتق رقبة ولا توجد صلة منطقية أو قانونية أو تاريخية بين الظهار والرق، وأمر من يقتل مؤمناً خطأ أن يعتق رقبة مؤمنة وهنا نجد صلة منطقية بين الأمرين، وجعل كفارة اليمين عتق رقبة وهنا لا نجد علاقة منطقية بين القسم والرق ليكون العقاب في ساحة الرق، والآيات التي ذُكر فيها تحرير الرقبة في القرآن الكريم جاءت في سياقات متعددة بصيغ تفيد العتق في الحاضر والمستقبل، وهي الآتي:
1- سورة (النساء 92) في كفارة القتل الخطأ: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ ۚ ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة”
2- سورة (المجادلة 3 ) في كفارة الظهار: “والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا…”
3- سورة (المائدة 89) في كفارة اليمين: “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين أو تحرير رقبة”
4- . سورة (البلد 11-13) في سياق الحديث عن أعمال البر التي تُقرب إلى الله تعالى: “فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة”
ومن يقل باباحة ملك اليمين في الإسلام يقل صراحة بتناقض القرآن الكريم، وكأنه يقول إن القرآن “يسدها من جهة ويفتحها من جهة آخرى”، وتعالى الله عن الفعل الطائش والتناقض في القول والحكم وهو العليم الحكيم.
وفي الحقيقة من يقول بذلك يقول بتناقض نفسه ويبدي سوأة فهمه للغة العربية التي جعلت الفعل الماضي لحدث وقع في الماضي بغض النظر عن بقاء أثره أو زواله، ولكن المهم في الحكم هو أن الفعل نفسه قد وقع في الماضي ويجب أن ينظر إليه من أفعال الماضي. يقول الله تعالى (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) معانيه وقواعده وما يترتب عليها من أحكام شرعية تفيدكم في مجتمعمم وتفكيركم وعقائدكم.
ولقد سمعت وقرأت أقولاً عجباً عن مفهموم ملك اليمين، وللأسف كلها طائشة مستعجلة لم تتدبر القرآن وقواعد اللغة فأدخلت الناس في حرج عظيم، وفتحت للأعداء أبواباً واسعة للهجوم على الإسلام وتشريعاته. فمنهم مثلاً من قال بجواز ملك اليمين على قاعدة التعامل بالمثل التي قررها القرآن في قوله تعالى في سورة البقرة 194: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ۚ واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) أو قوله تعالى في سورة النحل 126 (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ۖ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين”. وهذه القاعدة ليست مطلقة حتى إذا اغتصب العدو نسائنا وأطفالنا ورجالنا نتعامل معهم بالمثل فنغتصب رجالهم ونساءهم وأطفالهم من باب العين بالعين!! تدبروا نهاية القاعدتين!
هل يجوز هذا في شريعة الإسلام يا عقلاء المسلمين؟
إذا كانت الإجابة بالنفي وهي كذلك بلا أدنى تردد أو شك، فإذن أستعباد الأسرى من الرجال والإسيرات من النساء وجعلهن ملك يمين لا يجوز مطلقاً، (وهذا ما وقعت فيه المهدية بالسودان مما يدل على كذبها ودجلها) لأن الله تعالى جعل لأسير وأسيرات الحرب حكمين فقط وهما (إما منّاً وإما فداء) ولا يوجد حكم ثالث يجوّز الإسترقاق أو ملك اليمين. فاسترقاق الأسرى لا يحوز في الإسلام حتى لو استرق العدو أسرانا. فالأسر عندنا مقابل الإسترقاق عندهم وكلاهما فاقدي الحرية، وهنا ينفتح باب للفداء والتبادل فأن أرادوا أسراهم فليردوا إلينا من استرقوهم وهذه هي المسألة بكل بساطة.
وخلاصة الكلام أنه لا يوجد ملك يمين في الإسلام ولا يوجد استرقاق في الإسلام لا عبر أسرى حرب، ولا عبر الشراء، ولا عبر الديون، ولا عبر الإهداء، ولا عبر قاعدة التعامل بالمثل. والحدير بالتوضيح أن “قاعدة التعامل بالمثل” لا تشمل المحرمات كالإغتصاب والتجويع والإستعباد. وفي الحقيقة واستعباد عباد الله من أكبر المحرمات والتعدي على ملك الله وخاصة استعباد المسلمين منهم، والله غيور على ملكه وعباده فافهموا يرحمني ويرحمكم الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم