لَا تَتْرُكُوا السُوْدَانَ يَسْقُطُ مَعَ الإسْلَامِيْين
Don’t Let Sudan Demise with the Islamists
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
جبهة مدنية صلبة وضغط دولي حاسم الفرصة الأخيرة لوقف الحرب
لم يعد السودان يحتمل جولات جديدة من ”القلق العميق“ و ”المناشدات لضبط النفس“. الحرب تدخل عامها الرابع، والدولة تتآكل، واقتصادها يتحول إلى شبكة مصالح حرب عابرة للحدود، فيما يُختَبَر المجتمع الدولي: هل يملك الإرادة السياسية لفرض وقف النار، أم سيكتفي بإدارة الأزمة؟ وفيما يُمتَحَن المجتمع المدني المحلي: هل يملك العزيمة للتسامي فوق تناقضاته الثانوية لإثبات جدارته لإدارة الانتقال بعد الحرب؟
إن مبادرة الرباعية نحو هدنة إنسانية ليست مجرد مقترح تقني؛ إنها آخر نافذة واقعية قبل أن يتحول النزاع إلى صراع مزمن منخفض الكثافة، يستنزف الإقليم ويقوّض ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية. لم يعد السؤال في السودان: هل توجد مبادرات لوقف الحرب؟ بل السؤال الحقيقي أصبح: هل توجد إرادة سياسية، دولية ومحلية، لإنهائها؟
فالرباعية مطالبة اليوم بالانتقال من الوساطة إلى الحزم، والقوى المدنية مطالبة بالانتقال من التشتت إلى التكتل. فلا يمكن للضغط الدولي أن ينجح دون وجود جبهة مدنية سودانية متماسكة ومتوافقة على عهد وطني وعقد اجتماعي، لإثبات جاهزيتها لإدارة المرحلة التالية.
لكن الحقيقة الصعبة هي أن نقطة البداية للمرحلة التالية المتمثلة في الهدنة والتي طال انتظارها لن تُدرَك بالتصريحات وحدها.
أولاً: لا مساواة بين من يختبر الهدنة ومن يعرقلها
منذ طرح مسارات الرباعية في سبتمبر 2025، شهد السودان نمطاً واضحاً من المراوغة من المتنفذين الإسلاميين: قبول مبدئي، ثم اعتراضات شكلية، ثم إعادة تعريف للشروط، ثم تأجيل بحجة السيادة والكرامة. هذه ليست عملية تفاوض طبيعية؛ إنها استراتيجية الإسلاميين لإطالة أمد الحرب بمنطق ”عليَّ وعلى أعدائي“، حيث إن الإسلاميين أدركوا في ثورة سبتمبر الشاملة أن عدوهم الأول هو الشعب السوداني الذي أسقطهم بإجماع مشهود. وعليه فإن على الرباعية أن تحدد فترة لا تتجاوز الأيام يواجه بعدها من يرفض الهدنة ووقف النار الإنساني تحت رقابة وضمانات دولية تحمُّل المسؤولية السياسية والقانونية كاملة. فلا يمكن الاستمرار في معادلة أخلاقية تُساوي بين الطرف الذي يقبل الاختبار والطرف الذي يتهرب منه.
ثانياً: وقف النار بلا أدوات ضغط هو مرانٌ نظري
إذا كانت الرباعية جادة في إنقاذ السودان، فعليها أن تربط الهدنة بحزمة واضحة من:
- اشتراطات سياسية.
- عقوبات فردية موجهة.
- قيود على شبكات اقتصاد الحرب.
- مسارات تحفيزية مشروطة بالالتزام.
المبادرات السابقة فشلت لأنها اعتمدت على حسن النية. والحرب السودانية أثبتت أن حسن النية ليس سياسة.
ثالثاً: لا تمنحوا غطاءً دبلوماسياً لإدارة الوقت
العرض الأحادي الذي قُدم في مجلس الأمن من حكومة بورتسودان المسنودة إسلامياً بدا شاملاً في ظاهره، لكنه ساذجٌ في جوهره وغير قابل للتطبيق دون قبول الطرف الآخر بشروط تشبه الاستسلام. هذا النوع من المراوغة يُستخدم لتسجيل نقاط سياسية مكشوفة، لا لبناء تسوية. فإذا سمحت الرباعية بأن تتحول مبادرتها إلى مجرد محطة إضافية في إدارة الوقت، فإنها ستفقد ما تبقى من مصداقيتها في الملف السوداني. الرسالة يجب أن تكون واضحة: إما وقف نار مراقب ومختبر خلال جدول زمني محدد، أو انتقال فوري إلى أدوات ضغط أكثر صرامة.
رابعاً: السودان ليس ساحة اختبار دبلوماسي
كل يوم إضافي من الحرب يعمّق اقتصادها الموازي، ويُقوّي أمراءها، ويُضعف القوى المدنية التي يمكن أن تحمل الانتقال بعد الحرب. الزمن يعمل لصالح دولة الحرب، لا لصالح التسوية. والرباعية لا تملك ترف الانتظار. فإذا فشلت نافذتها، فإن النزاع قد يدخل مرحلة تفكك بطيء يصعب احتواؤه، مع ارتدادات إقليمية تمتد إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل لا تخطئها العين المجردة.
خامساً: هذه ليست وصاية… بل مسؤولية
الحديث عن السيادة والكرامة لا يمكن أن يُستخدم لتبرير استمرار القتال. السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، لا بقدرتها على زجهم في المحرقة. مبادرة الرباعية ليست تدخلاً خارجياً بقدر ما هي محاولة لفرض الحد الأدنى من المنطق السياسي: وقف النار أولاً، ثم البناء على ذلك. لكن المبادرات التي لا تقترن بحزم تتحول إلى مناشدات. في آذان صماء.
سادساً: على القوى المدنية أن تثبت جاهزيتها الآن
غير أن الضغط الدولي وحده لا يكفي. فالرباعية تحتاج إلى مخاطب مدني منظم، قادر على حمل المرحلة التالية. وهنا تقع المسؤولية التاريخية على القوى المدنية السودانية.
إن اللحظة تتطلب التكتل المدني حول عهد وطني ابتنائي جامع يقوم على:
- وقف الحرب واحتكار الدولة للسلاح.
- رفض الانقلاب والحكم العسكري.
- حماية وحدة السودان ومنع التفكك.
- الالتزام بالديمقراطية التعددية والتداول السلمي للسلطة.
- العدالة الانتقالية دون إفلات أو انتقام.
- إعادة بناء الاقتصاد الوطني تحت رقابة مدنية.
هذا العهد يجب أن يكون مقدمة مباشرة لتوقيع عقد اجتماعي ابتنائي يحدد بوضوح:
- شكل الدولة الانتقالية (فدرالية انتقالية منضبطة).
- ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR).
- إصلاح القطاع الأمني والعسكري (SSR).
- إدارة اقتصادية انتقالية مرتبطة بالاندماج الدولي ومسار مبادرة الدول المثقلة بالديون ((HIPC.
- علاقة الدين بالدولة على أساس المواطنة.
- دور لجان المقاومة كمؤسسة مواطنة لا ميليشيا سياسية.
- إصلاح الأحزاب لضمان استدامة الديمقراطية.
وجود هذا الإطار المتكامل سيبعث رسالة واضحة إلى الرباعية والمجتمع الدولي: هناك قوة مدنية جاهزة، منظمة، ومتوافقة على إدارة المرحلة الانتقالية فور توقف الحرب. من دون هذا الاصطفاف المدني، سيبقى الفراغ السياسي مبرراً لإطالة أمد العسكرة.
الخلاصة: اللحظة الفاصلة
على الرباعية أن تختار: إما أن تكون وسيطاً يدير الأزمة، أو فاعلاً سياسياً يوقفها. وعلى القوى المدنية أن تختار: إما انتظار ما تفرزه موازين السلاح، أو المبادرة ببناء بديل وطني جاهز وذي مصداقية. السودان لا يحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى موقفين حاسمين وحازمين متزامنين: حسم دولي يتجاوز البروتكولات الدبلوماسية لفرض وقف النار تحت رقابة وضمانات، وحزم مدني لوحدة تسمو فوق التناقضات الثانوية لتوقيع عهد وطني وعقد اجتماعي لقيادة السودان بعد الحرب.
هذه هي لحظة الحسم الدولي والحزم المدني …. أي تأجيل إضافي هو استرخاص لدماء ومصائر السودانيين.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم