samir.alawad@gmail.com
منذ أن خطّ الإنسان أول كلمة، والمثقف يعيش في علاقة ملتبسة مع السلطة. علاقة لا تخلو من التوتر، لأنها تقوم على تناقض جوهري. إن المثقف بطبيعته يحمل صوت النقد والبحث عن الحرية، بينما السلطة بطبيعتها تعد نزعة للهيمنة وإعادة إنتاج مصالحها. ومن هذا التناقض يولد المأزق الدائم. ويظل السؤال الجوهري ماذا يفعل المثقف حين تتبدل موازين القوة وتولد سلطة جديدة؟ هل ينخرط فيها؟ هل يعارضها؟ أم يلوذ بالصمت؟
في بلاطات الخلفاء والسلاطين، كان المثقف ــ شاعراً أو فيلسوفاً أو مؤرخاً ــ مهدداً دوماً بالاختيار الصعب. إما أن يكون بوقاً للحاكم أو يواجه العزلة وربما الموت. ولعل قصة ابن المقفع، الذي دفع حياته ثمناً لجرأته النقدية، تظل رمزاً لهذا المأزق. في المقابل، عُرف كثيرون ممن فضّلوا مدح السلطان ليحصلوا على الجاه والذهب. هكذا كان المثقف منذ القدم على حافة هاوية، إما أن يرتفع بصدقه أو يسقط بإغراء السلطة.
مع فجر الاستقلال في العالم العربي، حمل المثقفون أحلام التنوير وبناء الدولة الوطنية. لكن سرعان ما انكسر الحلم على صخرة الاستبداد. فنجد أن في مصر الناصرية، التفّ الأدباء والمفكرون حول مشروع جمال عبد الناصر، معتبرين إياه طريقاً للتحرر والنهضة. غير أن المشروع القومي تحوّل بمرور الزمن إلى دولة أمنية ضيّقت الخناق على الفكر الحر. وفي العراق وسوريا وليبيا، تحولت الأنظمة العسكرية إلى مصانع لإنتاج مثقفين موظفين في أجهزة الدعاية، حيث غاب النقد وتحولت الكلمة إلى أداة تجميل للسلطة. من قاوم واجه السجن أو المنفى، ومن صمت عاش على الهامش.
المعضلة لم تكن عربية فقط. في أوروبا، حين صعدت النازية والفاشية، وجد المثقفون أنفسهم أمام امتحان مشابه. هايدغر تورط في المشروع النازي ولو مؤقتاً، فيما اختار سارتر وكامو أن يكونا صوت المقاومة والحرية. الفرق أن أوروبا ما بعد الحرب أنتجت نموذج المثقف المقاوم الذي ظل يحاكم السلطة أخلاقياً، بينما في مجتمعاتنا العربية ظل المثقف أسير علاقة ملتبسة مع الحاكم.
اليوم، نعيش مأزقاً أكثر تعقيداً. فالمثقف لم يعد يواجه فقط السلطة السياسية، بل أيضاً سلطات جديدة: المال، الإعلام، الاعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي. سلطات قادرة على احتكار المعرفة والموارد، وابتلاع الخطاب النقدي داخل منصات ضخمة تفرغ الكلمة من معناها. وفي غياب مشروع استراتيجي واضح، يتداعى كثير من المثقفين سريعاً، ويهرولون نحو مؤسسات الدولة أو الشركات العملاقة، تاركين الساحة فارغة من الصوت الحر.
المثقف اليوم ليس مطالباً بالانسحاب ولا بالتحول إلى بوق للسلطة، بل ببناء مشروع معرفي مستقل يحدد موقع الثقافة في مستقبل الشعوب. مشروع يقوم على الدفاع عن حرية التعبير بلا مساومة واستقلال مؤسسات الفكر عن قبضة الدولة ورأس المال وتبني رؤية إنسانية شاملة، تتجاوز اللحظة الراهنة إلى أفق أرحب من الحرية والكرامة.
يبقى المثقف في مفترق طرق أبدي .. إما أن يكون مرآة للسلطة أو ضميراً للأمة. والتاريخ لا يحفظ أسماء المادحين، بل يخلّد أولئك الذين قاوموا الإغراء، واستعملوا قوتهم، ودفعوا المجتمع خطوة نحو النور.
د. سامر عوض حسين
samir.alawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم