محمد بدوي مصطفى
“لا يولد أحد وهو يكره إنسانًا بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه؛ فالناس يتعلمون الكراهية، وإذا كانوا قادرين على تعلّمها، فهم قادرون أيضًا على تعلّم المحبة”.
(نيلسون مانديلا)
٭٭٭
لم تكن وفاة الشاب المغربي عبد الرحيم فقير خسارة لأسرته وحدها، بل كانت، في تقديري، خسارة لكلّ عربي، ولكلّ مهاجر وجد نفسه يومًا مُضطرًا إلى أن يثبت، في كلّ صباح، أنّه يستحق الحياة والكرامة والاحترام. ولعلّ أكثر ما آلمني في هذه الحادثة أنّها لم تكن الأولى التي أرى فيها مهاجرًا يفارق الحياة في أثناء تدخّل أمنيّ، بينما تجثم فوق جسده أجساد رجال الشرطة. فمثل هذه الصور لا تحتاج إلى تعليق.
لقد عَرِفَتْ ألمانيا، بعد إعادة توحيدها، موجات عارمة من العنف والكراهية استهدفت المهاجرين والأجانب، وسقط خلالها أبرياء لم يطلبوا أكثر من فرصة للعمل والعيش بكرامة. وما زالت أسماء مدن مثل مولن، وزولينغن، وروستوك، تذكّر الأوروبيين بأنّ العنصرية ليست مجرّد حصّة في كتب التاريخ، بل تجربة واقعيّة عاشها كثيرون، وما تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية.
وقد أعادتني هذه الحادثة إلى سنوات التسعينيات، حين كُلِّفت بتدريس الأدب الأفريقي والعربي الناطق باللغة الفرنسية، بعد أن عدت من مدينة ليون، حيث أنهيت دراستي العليا في جامعة ليون الثانية، وكانت رسالتي للماجستير عن النزعة الزنجية في الشعر العربي عند الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري. ومنذ ذلك الوقت، لم تكن الزنوجة (Négritude) بالنسبة إليّ مجرّد مدرسة أدبية، بل كانت، من دون أدنى شكّ، فلسفة إنسانية من الطراز الفخيم، إذ إنّها تدافع عن كرامة الإنسان قبل أيّ شيء آخر.
ليست مأساة عبد الرحيم فقير مجرّد حادثة جنائية معزولة، بل امتدادٌ لجرح تاريخي لم يندمل بعد
وحين كنت أتنقّل بين نصوص ليوبولد سيدار سنغور، وإيمي سيزير، وشيخ حميدو كان، وإدريس الشرايبي، والفيتوري، وشعراء حركة الأسود جميل (Black is Beautiful) في الولايات المتحدة، كنت أجد خيطًا واحدًا يجمع بينهم جميعًا، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وأوطانهم، وهو الإيمان الراسخ بأنّ الإنسان لا يُقاس بلون بشرته، ولا بعرقه، ولا بدينه، وإنّما بكرامته وإنسانيته.
ولذلك لم أستطع أن أقرأ مأساة عبد الرحيم فقير باعتبارها مجرّد حادثة جنائية معزولة، بل رأيتها امتدادًا لجرح تاريخي لم يندمل بعد.
لقد أعادت وفاة الشاب المغربي، في أثناء توقيفه من قبل الشرطة الإيطالية في مدينة بولونيا، إلى الواجهة سؤالًا قديمًا عن العلاقة بين السلطة والأقليات، وعن مدى قدرة المجتمعات الأوروبية على التحرّر الكامل من إرثها الاستعماري والعنصري البغيض. ولا تزال السلطات الإيطالية تحقّق في مُلابسات الحادثة، بينما طالبت المملكة المغربية بتحقيق شفاف ومستقل يكشف الحقيقة ويحدّد المسؤوليات. ومن السابق لأوانه إصدار أحكام قانونية نهائية، لكن من حقّ الرأي العام أن يطرح الأسئلة التي تفرضها مثل هذه الوقائع.
فمنذ القرن الخامس عشر، ومع الكشوف الجغرافية الأوروبية، ثم اكتشاف كريستوفر كولومبوس للعالم الجديد، دخل العالم مرحلة جديدة اتسمت بالتوسّع الاستعماري وبناء الإمبراطوريات. وقد احتاجت المُستعمرات الجديدة إلى ملايين العمال، فبدأت لا تلوي على شيء إلا وأن تمتهن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، التي تُعدُّ واحدة من أكثر الفصول ظلمة في التاريخ الإنساني على الإطلاق. اقتُلع ملايين الأفارقة من أوطانهم، مثال كونتا كنتي (في رواية إليكس هيلي الجذور)، وحُرموا من أسمائهم ولغاتهم وحرّياتهم، وتحوّلوا إلى أرقام في سجلّات التجارة.
ما لم تواجه المجتمعات الحديثة جذور العنصرية بشجاعة وصدق، فإنّ التاريخ سيظلّ يُعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة
ولم يكن الاستعمار احتلالًا للأرض فحسب، بل كان أيضًا احتلالًا للعقول، حين جرى إنتاج خطاب فكري وثقافي حاول أن يمنح الهيمنة الاستعمارية شرعية أخلاقية، وروّج فكرةَ تفوّق الإنسان الأبيض، وكأنّ قيمة البشر تُقاس بألوانهم وأصولهم.
ولا شك أيضًا أنّ أوروبا والولايات المتحدة قطعتا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أشواطًا مهمّة في ترسيخ الديمقراطية، وبناء منظومات حقوق الإنسان، ومحاربة التمييز العنصري. لكن التاريخ لا يختفي بمجرّد إغلاق صفحاته؛ فبعض ظلاله تبقى كامنة في الذاكرة الجماعية، وتظهر أحيانًا في صور نمطية، أو ممارسات تمييزية، أو أحكام مُسبقة يصعب اقتلاعها بسهولة.
ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تستحضر وفاة عبد الرحيم فقير صورة الأميركي جورج فلويد، الذي فارق الحياة عام 2020 في أثناء توقيفه من قبل الشرطة في مدينة مينيابوليس، وهو يردّد عبارته التي أصبحت صرخة عالمية: “لا أستطيع التنفّس”.
وفي الوقت نفسه، تشهد دول أوروبية عديدة صعودًا مُخيفًا للأحزاب القومية والشعبوية، من إيطاليا وفرنسا وألمانيا إلى هولندا والسويد والدنمارك. ويتبنى بعض هذه التيارات خطابًا مُتشدّدًا، بل عنصريًا، تجاه الهجرة واللاجئين، فهو يصوّر المهاجر أحيانًا بوصفه تهديدًا للهُويّة الوطنية.
إنّ قضية عبد الرحيم فقير، كما قضية جورج فلويد، ليستا مجرّد خبرين في نشرات الأخبار المستهلكة “كَعُلب ساردين نفدَت صلاحيتها قبل حول وخريف”، بل هما، وقبل كلّ شيء مرآة تعكس أسئلة عميقة عن الإنسان، والسلطة، والذاكرة التاريخية. نعم، لقد مضى الاستعمار بوصفه مشروعًا سياسيًّا ظالمًا ومُستبدًّا، بيد أنّ عصارة آثاره الفكرية والثقافية لا تزال حاضرة في كلّ لمحة ونفس، وتظهر كلّما ضعفت قيم المساواة، أو تصاعدت خطابات الكراهية، أو جرى اختزال الإنسان في لون بشرته أو أصله أو دينه.
وما لم تواجه المجتمعات الحديثة جذور العنصرية بشجاعة وصدق، فإنّ التاريخ سيظلّ يُعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة. فالمعركة الحقيقية ليست بين الشرق والغرب، ولا بين الإسلام والمسيحية، ولا بين الأعراق والحضارات، بل بين من يؤمن بأنّ كرامة الإنسان حقّ مطلق، ومن لا يزال أسير أفكار تجاوزها التاريخ. وعندما يصبح لون البشرة، أو الاسم، أو الأصل أو الدين سببًا للتمييز، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمير العالم ليس: من الضحية التالية؟ بل: هل انتصرنا حقًّا على العنصرية، أم أنّها اكتفت بتغيير ثوبها؟.
Mohamed@badawi.de
