مؤتمر واشنطن.. ضلال الآلة والدلالة

كتب د. محمد عبد الحميد
أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com

في واشنطن، وأمام حشد من المانحين والدبلوماسيين، وقف منسق الإغاثة الطارئة للأمم المتحدة ليصف السودان بأنه “أشد أزمة إنسانية في العالم”. المؤتمر الذي احتضنه معهد السلام الأمريكي شهد تعهدات مالية وصلت إلى 1.5 مليار دولار، في مشهد يعيد تكرار ما حدث في باريس ولندن نفس التعهدات. هذه المحافل الدولية، رغم بريق شعاراتها، تثير تساؤلات عميقة حول جوهر العمل الإغاثي، إذ يبدو أن المصالح الجيوسياسية باتت المحرك الفعلي خلف هذه الأقنعة الإنسانية.
إن جوهر العمل الإنساني العالمي يقوم في الأصل على فكرة مجردة وبسيطة قوامها الأصلي تقديم العون وفق الحاجة الميدانية وحدها. هذا المبدأ، الذي يُعرف بـ”عدم التحيز”، والذي يعتبر قاعدة معيارية راسخة نصّت عليها مبادئ الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والتي تؤكد أن المساعدة لا تُمنح إلا على أساس الاحتياج الإنساني وحده، دون اعتبار للسياسة أو الهوية أو الاصطفاف. غير أن تحويل المساعدات إلى أجندات تُناقش في غرف مغلقة بعيداً عن أصحاب المصلحة الفعليين، يجرّد الإغاثة من معناها الأخلاقي ويحولها إلى أداة ضغط بيد القوى المانحة لإدارة الصراع وتوجيهه.
وفي قلب هذه التجاذبات، تبرز المقولات البراقة حول “الهدنة الإنسانية” و”الممرات الآمنة”. لكن الواقع الميداني يفرض منطقاً مختلفاً. إذ لا يمكن تأمين شاحنة غذاء أو ممر طبي دون تنسيق تقني مباشر مع الجهات الفاعلة ميدانياً والقادرة على ضمان المرور الآمن، مهما بلغ حجم الخلاف السياسي معها. (وهنا يجدر الاشارة الي التجربة الفريدة التي توصلت لها الأممالمتحدة مع الحكومة السودانية في عملية شريان الحياة Operation Life Sudan) .
إن القفز فوق الواقع العسكري والاجتماعي السوداني عبر مؤتمرات خارجية يظل استعراضاً يفتقر للأثر الحقيقي، فالضحايا يواجهون الجوع والنزوح وانهيار الخدمات بعيداً عن أروقة البيانات الختامية.
وتزداد خطورة هذا التسييس حين ننظر إلى حجم الكارثة الإنسانية نفسها. فالحالة الإنسانية في السودان بلغت مرحلة حرجة تتطلب إغاثة عاجلة لإنقاذ ملايين الأرواح من الهلاك، خاصة مع تزايد الفظائع والانتهاكات المرعبة بحق النساء والفتيات والأطفال. ومع ذلك، يمر الوقت دون تقدم ملموس على الجبهة المدنية، مما يعطي انطباعاً بأن الاستجابة الإنسانية الطارئة تأتي في مرتبة متأخرة خلف الحسابات السياسية. الواقع الميداني يتغير بوتيرة متسارعة، بينما تظل الدبلوماسية الدولية تراوح مكانها في ردهات الانتظار.
الأمر الأكثر ايلاما للمهتمين في الشأن الانساني هو الخلط المتعمد أو العفوي بين “الهدنة الإنسانية” وبين “المسار السياسي لوقف الحرب”. وقف النزاع عملية معقدة تتطلب تفاوضاً مباشراً حول السلطة والثروة، أما العمل الإنساني فهو جهد فني يهدف لحماية الحياة وتأمين الضروريات الأساسية بشكل مؤقت ومحدود. محاولة استغلال البوابة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية شاملة هي قفز فوق المنطق وتشويه للمفاهيم الإغاثية المستقلة.
إن مؤتمر واشنطن، ومن قبله المحافل الأوروبية في باريس ولندن، يمثل تظاهرة دبلوماسية تتشابك فيها المصالح الدولية أكثر من كونه منصة مهنية لضمان وصول المعونات. تسييس المساعدات يضع حياة البشر في خطر حقيقي، ويجعل الغذاء والدواء رهينة للصفقات المبرمة خلف الأبواب الموصدة. لقد أضحت هذه المؤتمرات استعراضاً سياسياً يبحث عن شرعية دولية، دون امتلاك آليات فعلية تضمن وصول الدعم لمن يحتاجه.
والمطلوب هنا ليس مزيداً من المؤتمرات ولا بيانات التعهدات، بل آليات ميدانية مستقلة وفعّالة: دعم شبكات الاستجابة المحلية، تمويل مباشر لعمليات الإغاثة بعيداً عن الابتزاز السياسي، وتطوير تفاهمات تقنية تضمن الوصول الإنساني دون تحويله إلى ورقة تفاوض. فالمسألة ليست في حجم الأموال المعلنة، بل في كيفية تحرير الفعل الإنساني من أسر الأجندات.
على الدول المانحة امتلاك الشجاعة لطرح أجنداتها السياسية بوضوح، دون الحاجة للاختباء خلف اللافتات الإنسانية. إن الاستمرار في صبغ الصفقات السياسية بصبغة إغاثية، مع عجز هذه المؤتمرات كآليات ودلالات عن تغيير واقع النازحين، يعد استخفافاً بمعاناة الناس وتزييفاً للمبادئ الإنسانية الراسخة. فعدم التحيز الحقيقي يتجسد في قدرة الفعل الإنساني على الالتحام باحتياجات المجتمعات كما هي على أرض الواقع، بعيداً عن أهواء المانحين وتصوراتهم المفروضة.
إذا استمرت هذه المؤتمرات في إقصاء القوى المؤثرة ميدانياً—مهما كان شكل أو أساس الخلاف معها—فإنها ستظل منصات لإدارة النزاع لا لإنهائه. إن أخطر ما في الأمر ليس نقص التمويل، بل فقدان المعنى. ويبقى السؤال قائماً أمام ضمائرنا جميعاً: هل نملك الجرأة للاعتراف بأن “الإنسانية” باتت مجرد غطاء للسياسة؟ أم سنكتفي بالتصفيق لمشاهد لا تُطعم جائعاً ولا توقف رصاصة؟
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

نحو تعدين أخضر للذهب الأصفر.. أو لعنة المعدن النفيس

كتب د. محمد عبد الحميدأستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانيةwadrajab222@gmail.com بينما تطلق الجهات …