ما بعد القرار الأمريكي.. الإخوان لا يُهزمون بالاحتفالات بل بالمشانق القانونية وبالتنسيق السياسي!

عبدالغني بريش فيوف

في مشهدٍ حزين يعكس عمق الأزمة البنيوية والهشاشة الفكرية في العقل السياسي السوداني، طالعتنا الساحة السياسية بموجة من هستيريا الفرح، وحلقات الرقص، وأهازيج الغناء، فور صدور قرار الخزانة الأمريكية القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان جماعة إرهابية وإدراجها ضمن القائمة السوداء للمنظمات الراعية للإرهاب العالمي.
لم تكد الحبر الذي كُتب به القرار يجف في أروقة واشنطن، حتى تحولت شوارع مدن سودانية ومنافي الشتات إلى مسارح مفتوحة للاحتفالات الفجة، انخرطت فيها قيادات أحزاب ومنظمات وأجسام سياسية، نساءا ورجالا، في ممارسة طقوس احتفالية تعكس حالة من الغوغائية السياسية والخواء الاستراتيجي، بدلاً من التحول الفوري إلى غرف عمليات مغلقة لصياغة الردود العملية والخطوات التالية لتعضيد هذا التوجه.
إن هذا الترحيب المفرط الذي اتخذ طابعا احتفاليا صاخبا، يطرح تساؤلات جوهرية وقاسية حول مدى نضج النخب السياسية السودانية، ومدى إدراكها لطبيعة الصراع المعقد والوجودي مع تنظيم أخطبوطي حكم السودان بالحديد والنار والخبث لثلاثين عاما.
إن السؤال الذي يفرض نفسه إزاء هذه الظاهرة هو، هل يُهزم الإخوان المسلمون بالزغاريد وقرع الطبول، أم أن هذا القرار الأمريكي، على أهميته البالغة، ليس سوى ورقة ضغط تتطلب إرادة وطنية صارمة لتحويلها إلى مقصلة سياسية وقانونية تنهي وجود هذا التنظيم إلى الأبد؟
متلازمة الرقص على حواف الهاوية وتشريح الغوغائية السياسية!
الغوغائية السياسية في جوهرها ليست مجرد صراخ في الفراغ أو تعبير عشوائي عن الفرح، بل هي حالة من الاستلاب العقلي والهروب المتعمد من استحقاقات الفعل الجاد نحو متعة الانتصارات الوهمية أو الانتصارات التي تُحقق بالوكالة.
إن انخراط المكونات السياسية والمدنية في السودان في احتفالات راقصة بمناسبة قرار صادر عن جهة خارجية، يكشف عن عورات العمل السياسي المتمثلة في الكسل الذهني، والاعتمادية المطلقة على الخارج لإنجاز مهام يفترض أنها من صميم الواجب الوطني الداخلي.
إن الأمة التي تحتفل بقرارات الآخرين نيابة عن أفعالها، هي أمة تحكم على نفسها بالبقاء في مقاعد المتفرجين بينما يُصاغ تاريخها ويُقرر مصيرها في عواصم أخرى.
لقد تحولت الأحزاب السودانية في هذه اللحظة الفارقة إلى ما يشبه روابط مشجعي كرة القدم، تحتفل بهدف أحرزه لاعب محترف في مرمى الخصم، متناسية تماما أن المباراة تُلعب على أرضها، وأنها هي المطالبة ببناء خطوط الدفاع والهجوم.
هذا السلوك يمثل أعلى درجات التسطيح لقضية وجودية، فقضية اجتثاث الإخوان المسلمين ليست حدثا عابرا يُحتفى به في الساحات والميادين، بل هي عملية جراحية دقيقة، شاقة، ومعقدة تتطلب رصانة، وهدوءا، وتخطيطا استراتيجيا بعيد المدى، يغوص في جذور المشكلة ولا يكتفي بقطاف ثمارها الموسمية.
الإخوان المسلمون أساتذة التلوّن والمراوغة وبناء الدولة العميقة!
إن من يظن، ولو للحظة، أن قرارا من الخزانة الأمريكية، مهما بلغت صرامته وتأثيره المالي، قادر وحده على لجم وردع جماعة الإخوان المسلمين في السودان، فهو إما جاهل بحقائق التاريخ، أو مصاب بعمى البصيرة السياسية الذي يحجبه عن رؤية الواقع.
نحن نتحدث عن تنظيم شيطاني متمرس يمتلك باعا طويلا، يمتد لعقود من الزمن، في فنون التلوّن، وتغيير الجلد، والمراوغة المؤسسية، والتكيف مع أقسى الظروف.
هذا التنظيم لا يعتمد في بقائه على حسابات بنكية مكشوفة باسمه، بل يدير شبكات اقتصادية معقدة ودولة ظل اقتصادية عبر واجهات بأسماء أفراد، وشركات متعددة الجنسيات، واقتصادات موازية محترفة في غسيل الأموال وإدارة الموارد الضخمة بعيدا عن أجهزة الرادار الدولية والمحلية، إلى جانب ذلك، فإن ثلاثين عاماً من حكم ما يُسمى بالإنقاذ، كانت كفيلة بتفخيخ وتلغيم كافة مفاصل الدولة، بدءاً من الجيش والأجهزة الأمنية، مرورا بالقضاء، وصولا إلى أروقة الخدمة المدنية، بعناصر تدين بالولاء المطلق للتنظيم، وتعمل كخلايا نائمة تنتظر لحظة الانقضاض لتخريب أي مسار نحو التعافي الوطني.
علاوة على ذلك، يمتلك هذا التنظيم قدرة فائقة ومجربة على تغيير اللافتات والأسماء، فكما فعلوا سابقاً بالانتقال التكتيكي من جبهة الميثاق الإسلامي إلى الجبهة الإسلامية القومية، ثم الانشطار المخادع إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، فإنهم يمتلكون اليوم ذات القدرة على تذويب أنفسهم في كيانات جديدة بأسماء براقة وخطابات فضفاضة تخدع المجتمع الدولي وتستغفل السذج من السياسيين المحليين، لذلك، فإن القرار الأمريكي بالنسبة لكيان بهذا الدهاء هو مجرد مطب صناعي في طريق طويل، يمتلكون من الخبث والخبرة ما يكفي للالتفاف حوله، خاصة إذا كان خصومهم مشغولين بالرقص والاحتفال بدلاً من نصب الكمائن القانونية والسياسية التي تقطع عليهم طريق العودة.
صنم القرار الخارجي وغياب الإرادة الوطنية الحاسمة
نعم، إن القرار الأمريكي القاضي بحظر جماعة الإخوان المسلمين مرحب به من أغلبية ساحقة من السودانيين، ولا يملك أحد إنكار ثقله وتأثيره المعنوي والسياسي والدبلوماسي، فهو يعري الجماعة أمام المجتمع الدولي ويساهم في تجفيف جزء معتبر من منابع تمويلها، لكن التعاطي مع هذا القرار وكأنه الطلقة الكاسحة التي ستنهي الحرب هو محض وهم وخداع للذات.
إن الولايات المتحدة، وغيرها من القوى الكبرى، تصدر قراراتها بناءا على حسابات دقيقة تتعلق بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية المتغيرة، وقد تتراجع عن هذه القرارات غدا إذا اقتضت تقاطعات المصالح ذلك، والتاريخ القريب مليء بالنماذج والشواهد.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس التصفيق الحار لواشنطن، بل استنساخ روح هذا القرار وتوطينه سودانيا في أسرع وقت ممكن، لأن أي قرار خارجي بطبيعته يحتاج إلى حواضن داخلية صلبة تترجمه إلى واقع ملموس ويومي، وإذا لم تُتخذ قرارات حاسمة، قوية، فورية، وشجاعة دون ذرة خوف لوضع هذا القرار موضع التنفيذ المحلي، فإن مصيره سيكون حتماً كسابقيه من القرارات الدولية والإقليمية التي وجدت طريقها المباشر إلى سلة المهملات، أو تبخرت في هواء الغوغائية السياسية السودانية المليئة بالضجيج والمفتقرة إلى الطحن.
خارطة الطريق من النشوة إلى الفعل المؤسسي وما بعد الاحتفال!
إن الوقت الحالي هو وقت الجد، والتفكير الرصين العميق، ومغادرة مربع الطفولة السياسية، لأن محاصرة جماعة الإخوان المسلمين وإخراجهم من الساحة نهائيا، تتطلب انتقالا فوريا وعاجلا من مربع الانفعال العاطفي إلى مربع الفعل المؤسسي المنظم، ولتحقيق هذه الغاية، يتوجب على كافة القوى السياسية والمدنية الحية استيعاب متطلبات المرحلة والبدء في تنفيذ استراتيجية شاملة لا تقبل التردد.
يبدأ هذا المسار الحتمي بتوحيد الجبهة السياسية الداخلية في السودان، فالتشرذم الحالي، والصراعات الجانبية، والتباينات الأيديولوجية التافهة بين المكونات السياسية، هي بمثابة شريان الحياة الأهم الذي يتنفس منه الإخوان.
يتطلب الموقف تشكيل جبهة عريضة، متماسكة وموحدة، تضع نصب عينيها هدفاً أسمى يتمثل في تفكيك بنية الإخوان المسلمين وتصفية وجودهم السياسي والاقتصادي.
بالتوازي مع توحيد الصفوف، تبرز الحاجة الماسة إلى بناء ترسانة قانونية محلية رادعة، إذ يجب على مؤسسات الانتقال، أو القوى المعبرة عن الإرادة الشعبية، استصدار تشريعات وطنية فورية وصارمة تتناغم تماما مع القرار الأمريكي، وتصنف هذه الجماعة بكافة واجهاتها وجمعياتها وأذرعها كمنظمة إرهابية محظورة محليا، مع تجريم الانتماء إليها، أو الترويج لأفكارها، أو توفير الغطاء المالي والسياسي لها تحت أي مسمى.
ولا يمكن أن تكتمل هذه المواجهة دون الانخراط الفعلي في تفكيك المنظومة الاقتصادية للتنظيم، يتطلب الأمر تشكيل غرف عمليات أمنية واقتصادية متخصصة، تضم خبراء في تتبع حركة الأموال وغسيلها، للبحث والتقصي حول أموال التنظيم المنهوبة من عرق الشعب السوداني، ومصادرة أصول الشركات والواجهات التابعة لهم، وتجميد حسابات الأفراد المرتبطين بشبكات التمويل الإخوانية، وتجفيف منابع ثروتهم التي يستخدمونها وقودا لإشعال الحرائق وإثارة الفتن.
وأخيراً، يتوجب الشروع في عملية تطهير مؤسسي واجتثاث جذري لا يستثني أحداً من المتورطين، يجب إبعاد كافة عناصر الإخوان المسلمين والمنتفعين من نظامهم من كافة المفاصل الحساسة للدولة، وسيما الأجهزة الأمنية، والعسكرية، والقضائية، والدبلوماسية، وذلك وفقا لقانون عزل سياسي صارم وواضح المعالم، لا يقبل الاستثناءات أو المساومات، لضمان عدم عودة هذه الخلايا السرطانية للتحكم في جسد الدولة السودانية.
البديل الكارثي وسلة المهملات التي تفتح أبوابها!
يجب أن تدرك النخب السياسية، وكل من يتصدر المشهد العام، أن الفراغ الذي تتركه الاحتفالات الفارغة والخطابات الرنانة، تملؤه فورا وفي ذات اللحظة، تحركات الإخوان المسلمين المضادة، فبينما ترقص الأحزاب في الساحات طربا بقرار صدر عبر المحيطات، يعقد الإخوان اجتماعاتهم السرية ليل نهار، يعيدون هيكلة أموالهم، يهربون أصولهم السائلة والمادية، يغيرون أسماء جمعياتهم الخيرية والإغاثية، وينسجون تحالفات ميكيافيلية جديدة مع أمراء الحرب، وتجار الأزمات، وأعداء التحول الديمقراطي.
إذا استمرت هذه الغوغائية السياسية، وهذا التسطيح المريع للأمور، فإن القرار الأمريكي سيصبح في القريب العاجل مجرد حبر على ورق، وسيضاف بكل أسى إلى أرشيف ضخم من القرارات الأممية والدولية السابقة التي فشل السودانيون في استثمارها وتحويلها لواقع، لتذهب أدراج الرياح وتستقر في سلة مهملات التاريخ، والكارثة الأكبر والأشد إيلاما، هي أن تنظيم الإخوان المسلمين سيعود من هذه الأزمة أقوى مما كان، وأكثر شراسة، وحقدا، وانتقاما من الشعب السوداني، مستفيدين إلى أقصى حد من حالة الترهل، وانعدام الرؤية، والغباء السياسي الذي يسيطر على خصومهم.
في الختام، نوجه رسالة واضحة وصارمة إلى الغوغائيين في الساحة السياسية السودانية، وإلى محترفي الرقص على جراح الوطن المفتوحة، وإلى النخب التي أدمنت الفشل واعتادت الاحتفال بالفتات الملقى إليها، اتركوا الاحتفالات بالقرار الأمريكي فورا، وأوقفوا هذه المهازل التي لا تليق البتة بشعب عظيم قدم تضحيات جساما، وأرواحا طاهرة، ودماءا زكية في سبيل الخلاص من أسوأ دكتاتورية دينية شمولية عرفها التاريخ الحديث.
إن القرار الأمريكي، ليس شهادة تخرج جامعية تحتفلون بها وتلتقطون معها الصور التذكارية، بل هو أمر تكليف صارم وفرصة تاريخية استثنائية قد لا تتكرر في المدى المنظور، وتتطلب من السودانيين الارتقاء فورا إلى مستوى التحدي الوجودي.
إن الوقت الآن هو وقت الجد، والصرامة، والتفكير الاستراتيجي العميق القائم على الفعل لا الانفعال، وإن محاصرة جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وتقليم أظافرهم، وكسر شوكتهم، وإخراجهم من الساحة السياسية والاجتماعية نهائيا، لن تتم أبدا بترديد أغنيات الانتصار وتوزيع الحلوى، بل بقرارات مؤلمة، وعمل دؤوب دون كلل، ومشانق قانونية وسياسية واقتصادية تُنصب لدولة الظل العميقة.
على قادة الأحزاب والتنظيمات أن تستيقظ من سكرتكها السياسية، وتضع الطبول والمزامير جانبا، وتحمل معاول الهدم لتدك ما تبقى من حصون الإخوان المتهاوية، وتبني متاريسها القانونية، وإلا فإن الإخوان عائدون لا محالة، ليجعلوا حياة السودانيين، مأساوية مرة أخرى.

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

بلدة مستريحة.. صراع الجنرال والزعيم على ركام دارفور!

عبدالغني بريش فيوففي لحظات فارقة من تاريخ الشعوب والأمم، تتجلى السنن الكونية بوضوح لا يخطئه …