بثينة تروس
من أكثر ما استوقفني في حادثة (اتهام) الشيخ المقرئ الزين محمد أحمد، التي سارت بها الركبان، بارتكاب الرذيلة التي لا تمت للدين ولا للأخلاق، أنما تدل على انحطاط من يسمون أنفسهم بمشايخ الدين حين تحوم حولهم الشبهات! ولست بصدد إثبات إدانته أو تبرئته! إذ هذا مقام يمكن للشيخ أن يخرج ويبرئ نفسه، وهو ضليع في مخاطبة جمهوره كأي من نجوم المجتمع، وليس هو بمعقود اللسان، كما أن الطبيعي القول الفصل في ساحات القضاء العادل. وبما أن البلاد، قبل حربها المشؤومة الحالية، وطوال حكم الإخوان المسلمين، لم يعرف للقضاء عدل، ولا للقضاة نزاهة أو أخلاق، فكم عجت ساحات المحاكم بمظالم التحرش والاغتصابات من موالين للحكومة، فيهم أئمة الجوامع ومشايخ الخلوات، الذين كان يتدخل المخلوع البشير وبطانته في الحركة الإسلامية لإخلاء سبيلهم، مع عجز المحاكم عن إنصاف المجني عليهم، وتخصيصاً النساء! في حكومة لا تستحي من أن فيها للمعارضين السياسيين وظيفة (اختصاصي اغتصاب) لذلك لا نأمل في محكمة عادلة كي تنصف دعاوى مواطنة من غمار الشعب، بلا سمعة ولا صيت، ونرجو ألا تفقد حياتها بسبب تهمها التي وجهتها لرجل دين ذي بطانة قادرة ومسيطرة على عقول الناس البسطاء باسم الدين.
لذلك، الجدير بالمتابعة في القضية، الدفوعات التي اتسمت بالإرهاب الديني والفتاوى، بسبيل تكميم أفواه الرأي العام، بحجة أنه رجل دين حافظ للقرآن، وله صوت جميل، وله مكانة اجتماعية، وصيت ذائع خارج السودان! وبسبيل تبرئته بثورة عاطفية، أورد أنصاره العديد من الآيات في النذارة والعقاب والتخويف، برفع حديث الإفك وحادثة السيدة عائشة، رضي الله عنها، في التساوي في الظلم عنها، كرفع المصاحف في معركة صفين، لطموا الوجوه وشقوا الجيوب (كلنا شيخ الزين)! في تقديري، قد أضعفت أمنا السيدة عائشة حجتهم، قبل أن يدخل الدين مرحلة قداسة رجال الدين، وهي التي حدثتنا عن رسول الله، (كانت أخلاقه القرآن) أي ليس فقط بعذوبة الصوت، أو التباهي بحفظه، وخلق بطانة من المعجبين، وكذلك عرف عنها أنها كانت أول من انتبه وأدان ظاهرة رجال الدين الذين يحترفون قراءة القرآن، ويتفرغون لحفظه حين رأتهم السيدة عائشة، أم المؤمنين، يسيرون في مسكنة، قالت (حدّثوهم لا يفسدوا علينا ديننا، فقد كان ابن الخطاب أقرأ الناس، وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع)
لا عصمة لشيخ الزين، وهو ليس حجة على الدين، ولا من مصاف الأنبياء والرسل، فيرفع عنه النقد حتى تثبت براءته! إذ لا كهنوت في الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم، بقدر جلال أهل البيت، يقول (والله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). فما الذي يجعل شيخكم هذا لا يسأل عما يفعل؟ ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه! وله من الحوادث سابقات، وتحوم حوله شبهات الثراء الحرام قبلاً؟ ولا يحتاج ضوء النهار إلى دليل إن قارنته بقارئ قرآن ومجوّده، أغبش أغبر من القرى والفرقان، لو رفع يده لله لأبره، لعل الفرق في بريق مجاورة السلاطين، والتمسح في جوخهم، والتمتع بمخصصات محاباتهم، والتحدث بألسنتهم، والتشريع بأنه لا يجوز الخروج عليهم ولو فسدوا وبغوا وطغوا، كما شهد بذلك شيخهم الترابي (لقد أكلوا الأموال أكلاً عجيباً) أولم يعلن ذلك الدكتور الترابي، دواية في نفس قنوات إعلام الدول التي يخشى موالو الزين أن يتسامعوا بحادثة اتهامه! والأخطر من ذلك ورد في السيرة أن حفظة القرآن من أمثال عبد الرحمن بن ملجم، الذي كان من الدعاة القراء أو العباد القانتين أو أصحاب الجباه السود، أي الثفنات! بسبيل عفن الدنيا وتدنيها، يتحول إلى قاتل لأشرف الصحابة، سيدنا علي بن أبي طالب.
سيظل يعبث بنا الإخوان المسلمون ورجال الدين وأصحاب الهوس الديني، ما لم يرتفع الوعي لدى جميع الناس، عوامهم ومثقفيهم وأصحاب الرأي العام من النساء والرجال، بأن ديننا ليس دين خنوع وطاعة عمياء وتعطيل للعقول التي كرّم بها الإنسان، وأننا أمام الله والمجتمع، كلنا، نساءً ورجال دين، مسؤولون عن تحمل تبعات فهمنا للدين وممارسته، وليس هنالك طبقة دينية تحول بيننا والعلاقة مع الله هي فوق القانون او انهم معصومون من المسائلة. أو ترهبنا من الخوض في أمر ديننا بحجة أن هنالك فقهاء متخصصين في هذا الشأن.
tina.terwis@gmail.com
