ما خلف سطور بيان صمود بعد الجولة الأوروبية

محمد هاشم محمد الحسن

بينما تتصاعد المعارك في السودان وتتعقد الأزمة الإنسانية، انطلق وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود في جولة أوروبية بدت كتحرك سياسي ذكي، يهدف إلى إعادة القضية السودانية إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد أن بدا لكثيرون أن النزاع طُوي في أدراج النسيان.

الرحلة شملت باريس وهولندا وألمانيا وانتهت في لندن، حيث كان التوقيت مهمًا، فبريطانيا على وشك تولي رئاسة مجلس الأمن الدولي لشهر فبراير، ما منح الوفد فرصة لإيصال صوت المدنيين السودانيين إلى صانعي القرار الأممي في لحظة حساسة.
لم يأت الوفد ليطلب العطف، بل ليحول مطالب المدنيين إلى خطاب سياسي جدّي يربط بين وقف إطلاق النار والمسار المدني الديمقراطي المستدام.

اللقاءات التي عقدها الوفد مع وزراء ومسؤولين وبرلمانيين ومراكز أبحاث وإعلام دولي لم تقتصر على الحديث عن مأساة إنسانية، بل ركزت على إبراز الجدية في المطالب المدنية ومطالبة المجتمع الدولي بمساءلة الأطراف المستفيدة من استمرار النزاع ووقف تمويل الفوضى.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة البريطانية يوم 5 فبراير 2026 فرض عقوبات على ستة أفراد مرتبطين بالحرب في السودان، شملت قادة ميدانيين وممولين وشبكات تجنيد دولية، وهو مؤشر على ضغط دولي متزايد على الأطراف المسلحة.

البيان ركز كذلك على مسألة العدالة والمساءلة، داعيًا إلى التحقيق مع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب، وتصنيف القوى المستفيدة من النزاع، بما فيها بعض الحركات السياسية، ككيانات محرّضة على العنف. هذه المواقف تضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمبادئه، وتؤكد أن التحالف المدني يسعى ليكون طرفًا فاعلًا في هندسة مستقبل السودان، لا مجرد مراقب للأحداث.

رغم الإشادات الدولية، يبقى الواقع مليئًا بالتحديات. مقاومة بعض الأطراف المسلحة، تحفظ بعض القوى الإقليمية، والتنافس الدولي على النفوذ في السودان كلها عوامل قد تحد من تأثير التحرك، لكنها أيضًا توضح أهمية التوقيت والدقة في القراءة السياسية التي أظهرها التحالف.

القوة الحقيقية لجولة صمود تكمن في قدرتها على تحويل أزمة إنسانية مزمنة إلى خطاب دبلوماسي سياسي رصين، يفرض حضور السودان على جدول الأعمال الدولي ويجعل المطالب المدنية أكثر وضوحًا ومقبولة. فالصوت المدني السوداني لم يعد يقتصر على الصرخة والنداء للرحمة، بل أصبح خطابًا منظّمًا يطالب بالسلام والعدالة ويطرح حلولًا ملموسة ضمن الإطار الدولي.

في المحصلة، يمكن القول إن الجولة الأوروبية وبيان صمود الختامي كانا إعلانًا عن عودة الدبلوماسية المدنية السودانية إلى الواجهة، مع الحفاظ على رسالة واضحة مفادها وقف الحرب ومساءلة المسؤولين شرط أساسي لأي حل مستدام، وتحويل صوت المجتمع المدني إلى قوة مؤثرة في صنع القرار الدولي. وبين الطموح والواقع، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذا الجهد على تحويل الدعم الدولي والضغوط الأممية إلى تغيير ملموس على الأرض، لكن البيان نفسه يوضح أن الطريق بدأ، وأن التحرك الذكي والتوقيت الاستراتيجي يمكن أن يحدثا فرقًا ملموسًا إذا تواصلت الجهود.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

حين يصفّق الشعب لجلاده

محمد هاشم محمد الحسن في مشهد لا يخلو من عبثٍ ثقيل الظل مرّ البرهان أو …