بقلم : تاج السر عثمان
١
تطور التعامل بالنقد وظهرت انواع مختلفة من العملات في مملكة الفونج التي جاءت تطورا أرقى من ممالك النوبة المسيحية في هذا الجانب.
كان التعامل النقدي في ممالك النوبة المسيحية يتم بالدينار في منطقة مريس ، أما خارجها فقد كان التبادل يتم بالمقايضة ، هكذا تعايش النظامان في مملكة المقرة ، ولكن الغلبة والهيمنة كانت للتبادل العيني والمقايضة .
وتعتبر دولة الفونج خطوة كبيرة في انتشار واتساع التعامل بالنقد أو المعادل العام ( ذهب ، فضة ، .الخ).
أشار اوفاهى وسبولدنق إلى أن النظام التجاري في سلطنة الفونج كان يستند إلى أوقية الذهب كعملة لتسهيل التبادل ، وقيمة أوقية الذهب يمكن التحكم فيها بواسطة السلطان ، وذلك لأنه كان يسيطر على إنتاج الذهب في البلاد ، ولذلك فان التحكم في تدفق كميات الذهب من الخزينة السلطانية حسب طلب السوق يمكن السلطان من التحكم بكفاءة في قيمة أوقية الذهب . فقيمة الأوقية تظل مرتفعة بالمقارنة مع معظم السلع التجارية في سنار ، والتداول الفعلي للذهب ينحصر في المبادلات الكبيرة نسبيا .
وبالنسبة للوضع الاقتصادي العام ، فان الوظيفة الأكثر أهمية للذهب تتمثل تقريبا في اعتباره عملة وهمية أو كمقياس لتقييم السلع المختلفة أثناء عملية التبادل ( اوفاهى وسبولدنق : المرجع السابق ص 255 ).
٢
إضافة إلى العملة الذهبية ورد في كتاب طبقات ود ضيف الله أنواع أخرى من العملات ( ذهبية ، فضية ) كانت متداولة في سلطنة الفونج نذكر منها :
ا_ محلقات الفضة : وهى عملة كانت متداولة في السلطنة ، وما زالت تحمل معنى نقود في اللغة التبداوية ( لغة البجة ) وتنطق مهلقات.
ب _ الريال : ورد في أكثر من موضع في كتاب الطبقات .
ج _ ألحدا يد : وهى أنواع من العملة الرخيصة .
ه _ الإشرفى : أو ( الأشرفية ) ، والأشرفى دينار من الذهب ضرب في مصر المملوكية في عهد السلطان الملك الأشرف بارسباى (( 1422 _ 1438 )) وهو دينار من عيار مرتفع وزنه درهم وثمن درهم وهو من عملة ذهبية اشتهرت في العالم الإسلامي ، وعرفت بأسماء تختلف من مكان لاخر . ( الطبقات ، هامش ص 102 )
و _ كما ورد في الطبقات الدينار والدرهم والقرش .
هكذا وردت هذه الأنواع المختلفة في كتاب الطبقات والتي كانت سائدة أيام الفونج ، هذا إضافة لاستخدام عملات محلية مثل الدمور في بعض المناطق .
ظهرت فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر عملات جديدة داخل السلطنة مثل: الدولار الأسباني.(للمزيد من التفاصيل : راجع تاج السر عثمان الحاج : لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي ‘ مركز محمد عمر بشير ٢٠٠٤)
٣
يمكن تحليل أسباب هذا التنوع في العملة في النقاط الآتية: _
أ _ الفترة الأولى : التي كان يتحكم فيها سلطان دولة الفونج في الذهب وتجارة الذهب ، وبالتالي كان السلطان يصدر العملة الذهبية ، وهذه الفترة عكست تحكم سلطان الفونج كما أوضحنا سابقا في التجارة وضعف الطبقة التجارية .
ب _ الفترة الثانية : التي ازدادت فيها العملات الوافدة من العالم الإسلامي ( الدينار ، الدرهم ، المحبوب ، الأشرفى ) وهذه الفترة عكست اتساع النشاط التجاري مع العالم الإسلامي ، وهذا الاتساع نتج من ازدياد وتوسع نفوذ الطبقة التجارية ، وبالتالي زيادة تركز رأس المال التجاري ، وظهور عملات أجنبية مرتفعة الثمن ( ذهبية ، فضية ، ) ويمكن اكتنازها .
ج _ الفترة الثالثة : وتعكس ارتباط العالم الإسلامي بالعالم الأوربي اقتصاديا وتجاريا وماليا ، وبالتالي بداية ارتباط سلطنة أو مملكة الفونج بالعالم الأوربي عن طريق التجار الأجانب الذين بدأوا يتغلغلون داخل دولة الفونج بحثا عن الذهب والعاج وتجارة الرقيق .أشار الرحالة بونسية (poncet ) ، الذي زار سنار في الفترة ( 1698 _ 1699 ) إلى أن العملة التي كانت متداولة في سنار فرنسية وتركية وأسبانية .
المراحل الثلاث أعلاه هي مراحل تطور، ولكن لم تكن بذلك الترتيب، بل كانت متداخلة ومترابطة ومتشابكة، فالأمور لم تسر بذلك المخطط الهندسي، ولكن قصدنا منه توضيح تلك المراحل ودلالاتها من حيث الارتباط بالعالم الإسلامي والأوربي.
alsirbabo@yahoo.co.uk
