علاء خيراوي
■ القصة الأخطر في ملف الأسلحة الكيميائية السوداني ربما لم تعد ما يحتويه الملف وحده، وإنما قصة وصوله إلى الصحافة الأمريكية في هذا التوقيت بالذات. فنحن لا نتحدث عن صحفي عثر على مستند أو عن ضابط سرّب بضع رسائل؛ نيويورك تايمز تقول بوضوح إن وكالة استخبارات شرق أوسطية سلّمتها ملفاً يضم نحو ١٥٠ وثيقة وصورة وفيديو وتسجيلاً صوتياً، إلى جانب آلاف الرسائل النصية، ويبدو أن قسماً مهماً منها استُخرج من هواتف ضباطط سودانيين كبار. وفي اليوم نفسه، ٥ سبتمبر ٢٠٢٦، نشرت واشنطن بوست تحقيقها استناداً إلى مواد قدمها مسؤولون أمنيون شرق أوسطيون طلبوا إخفاء هوياتهم وحتى اسم الحكومة التي يعملون لحسابها، وقالوا إن المواد حصلوا عليها عبر مصادر داخل السودان. ثم جاءت منصة سيمافور الإخبارية الأمريكية (Semafor) لتؤكد أن الصحيفتين تلقتا وثائق ورسائل ومواد من مسؤولين أمنيين في دولة شرق أوسطية لم تُسمَّ. هنا يصعب قبول فرضية المصادفة البسيطة؛ نفس الموضوع، ونفس الطبيعة الاستخباراتية للملف، ونفس اليوم تقريباً، ومصدر يوصف بالطريقة نفسها. الاستنتاج المنطقي الأقوى هو أننا أمام عملية إفصاح متعمدة ومدروسة، لا أمام تسريب عشوائي؛ جهة امتلكت كنزاً استخباراتياً عن الجيش السوداني ثم قررت، في لحظة اختارتها هي، أن تحوله من سر داخل أجهزة الدولة إلى قضية رأي عام دولية. لا نستطيع الجزم بأن الصحيفتين تلقتا نسخة متطابقة أو أن النشر جرى بتنسيق بينهما، لكن كل المؤشرات تجعل فرضية وجود مصدر واحد أو عملية إفصاح واحدة أقرب كثيراً من فرضية اكتشافين مستقلين حدثا بالمصادفة في اليوم نفسه.
■ والأكثر إثارة أن الملف لم يولد في سبتمبر ٢٠٢٦؛ لقد كان يتحرك داخل عالم الاستخبارات قبل أن يصل إلى غرف الأخبار بوقت طويل. نيويورك تايمز تكشف أن بعض الصور الموجودة في الملف كانت قد وصلت إلى الاستخبارات الأمريكية، وأن مسؤولين أمريكيين استخدموها منذ يناير ٢٠٢٥ في تقييمهم لمسألة امتلاك الجيش السوداني أسلحة كيميائية. وبعد ذلك أعلنت واشنطن في ٢٠٢٥ أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية وفرضت عقوبات، لكنها لم تعرض للرأي العام وقتها الأدلة التي بنت عليها قرارها. هذا الخط الزمني بالغ الدلالة؛ معلومات تُجمع من السودان، تصل إلى جهاز استخبارات شرق أوسطي، تنتقل أجزاء منها إلى الأمريكيين، تصبح جزءاً من تقييم استخباراتي وعقوبات، ثم تبقى الكتلة الأكبر من الأدلة خلف الستار، إلى أن يُفتح الصندوق أمام اثنتين من أكبر الصحف الأمريكية في سبتمبر ٢٠٢٦. وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً للغاية؛ لماذا ظل الملف سرياً أكثر من عام ثم تقرر كشفه الآن؟ لا يوجد مستند يقول إن الغرض هو التأثير على مجلس الأمن، ولذلك لا أستطيع تقديم ذلك كحقيقة؛ لكن تجاهل التوقيت سيكون سذاجة سياسية أيضاً. فالتسريب جاء بينما تدفع واشنطن لتوسيع حظر السلاح على السودان، وقبل استحقاق انتهاء نظام العقوبات في ١٢ سبتمبر، وبعد أيام من تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية الذي طالب بتشديد القيود على تدفقات السلاح الأجنبية. قد تكون هناك أهداف أخرى لم نعرفها بعد، لكن الذي سرب الملف كان يعرف بالتأكيد أن نشره الآن سيغير البيئة السياسية التي يناقش فيها العالم السودان، ويزيد كلفة الدفاع عن البرهان، ويضع الدول الداعمة للجيش أمام أسئلة لم تكن مضطرة للإجابة عنها قبل نشر الوثائق.
■ ومن هنا نستطيع الذهاب خطوة أخرى في التحليل، لكن من دون أن نقفز فوق الأدلة؛ صاحب الملف ليس بالضرورة خصماً تقليدياً للجيش السوداني، ولا يعني التسريب بالضرورة أنه يريد إسقاط البرهان؛ أجهزة الاستخبارات لا تنشر ما تعرفه لمجرد حب الحقيقة. نشر المعلومات في هذا المستوى أداة من أدوات السياسة نفسها؛ قد يستخدم للضغط على حليف، أو كبح طرف تجاوز الخطوط المرسومة له، أو تغيير سلوكه، أو رفع ثمن دعمه على الآخرين، أو دفعه إلى تسوية، أو تحسين موقع الدولة المسربة في مفاوضات إقليمية، أو إفشال مشروع يناقض مصالحها. وهذا ما يجعل هوية الجهة الشرق أوسطية مهمة، لكنني أرى أن البحث عن الدافع أكثر ذكاءً الآن من التخمين في الاسم. فمن يملك آلاف الرسائل المأخوذة على ما يبدو من هواتف قيادات عسكرية، وصوراً داخل مواقع التصنيع، ومقاطع من اختبارات سرية، ومحادثات تصل إلى مستويات عليا، يمتلك اختراقاً استخباراتياً بالغ العمق داخل المؤسسة السودانية. ومن يقرر بعد الاحتفاظ بهذه القدرة فترة طويلة كشفها عبر نيويورك تايمز وواشنطن بوست لا يريد مجرد تسجيل نقطة إعلامية؛ يريد أن تكون للضربة شرعية ومصداقية وتأثير في واشنطن ونيويورك والعواصم الغربية. وهذا يفسر اختيار الصحيفتين أيضاً؛ عندما تريد جهة استخباراتية أن تجعل ملفاً غير قابل للدفن، فإن نشره في صحيفتين لهما هذا الوزن يجعل مهاجمته باعتباره “دعاية صادرة عن خصم إقليمي” أصعب كثيراً، وينقل القضية فوراً من عالم التسريبات إلى دوائر الكونغرس والخارجية والأمم المتحدة ومراكز الأبحاث الدولية. ولذلك أميل إلى قراءة ما حدث باعتباره تسريباً ذا غرض استراتيجي، حتى لو ظل الغرض النهائي وصاحبه مجهولين حتى الآن.
■ وهذا يقود إلى الطريقة التي تتعامل بها نيويورك تايمز وواشنطن بوست تاريخياً مع مثل هذه المواد؛ وهي نقطة مهمة لأنها تساعدنا في تقييم وزن ما نشرتاه. الصحيفتان لا تتعاملان عادةً مع ملف استخباراتي مجهول المصدر باعتباره حقيقة لمجرد أن جهازاً أمنياً سلمه إليهما. تجربة “أوراق البنتاغون” سنة ١٩٧١ هي المثال الأشهر؛ حصلت نيويورك تايمز على آلاف الصفحات السرية من دانيال إلسبيرغ، (محلل عسكري واستراتيجي أمريكي، عمل في مؤسسة RAND وفي وزارة الدفاع الأمريكية، وشارك في إعداد دراسة شديدة السرية عن تاريخ التدخل الأمريكي في حرب فيتنام)، وبدأت نشرها، ثم حصلت واشنطن بوست بصورة مستقلة على الوثائق وقررت النشر رغم محاولة إدارة نيكسون منع الصحيفتين قضائياً؛ وانتهى الأمر بحكم تاريخي للمحكمة العليا لصالح حرية النشر. وبعد أربعة عقود، عندما قدم إدوارد سنودن إلى واشنطن بوست وثائق برنامج بريزم السرّي (PRISM) طلب منها ضمان نشر العرض كاملاً خلال ٧٢ ساعة؛ فرفضت الصحيفة أن تمنحه أي ضمان بشأن ما ستنشره أو موعد النشر، وراجعت الوثائق وطلبت رأي الحكومة بشأن الضرر المحتمل، ثم نشرت أربعة شرائح فقط من أصل ٤١ كانت لديها. وهذا مهم جداً لفهم ملف السودان؛ تقاليد هذه المؤسسات تقوم على أن المسرب يقدم المادة، لكن الصحيفة تحتفظ بحق التحقق، والاقتطاع، والبحث المستقل، وطلب الرد من المتهمين، وعدم قبول شروط المصدر بشأن النتيجة النهائية. بل تنص قواعد واشنطن بوست المنشورة على أن المحررين ينبغي أن يعرفوا هوية المصدر السري، وأن الصحيفة تفضل مصدرين مستقلين للمعلومات الحساسة، وأن الوثيقة يمكن أن تعمل أحياناً كمصدر ثانٍ، وأنها لا تعد المصدر بالتوقف عن إجراء تحقيق مستقل في المعلومات التي يقدمها.
■ وهذا بالضبط ما فعلته واشنطن بوست مع ملف الكلور، وهو ما يجعل القضية أخطر من مجرد “تسريب استخباراتي”. فالصحيفة تقول إنها لم تكتف بقراءة المواد، بل عرضتها على أكثر من عشرين مسؤول استخبارات غربياً ومفتشاً وخبيراً في الأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان؛ واستعانت بخبراء في الأدلة الرقمية لفحص التسجيلات والصور بحثاً عن آثار التلاعب، وراجعت أرقام الهواتف وسجلات الشحن والعقوبات الأمريكية وتحقيقات سابقة مثل فرانس ٢٤ و مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة (France 24 وC4ADS)، وحاولت الاتصال بأشخاص وردت أسماؤهم في الملف. ومع ذلك احتفظت في صياغتها بالفارق بين ما تشير إليه الوثائق وما يمكن إثباته نهائياً من دون الوصول إلى المواقع والشهود في السودان. وهذا هو السبب في أنني لا أتعامل مع ما نشر في ٥ سبتمبر كمنشور استخباراتي أعادت صحيفتان طباعته؛ لقد بدأت القصة كتسريب، لكنها عبرت بعد ذلك عملية تحقق صحفي مستقلة جعلتها شيئاً مختلفاً وأكثر ثقلاً. أما السؤال الذي لم يجب عنه أحد حتى الآن فهو السؤال السياسي الأكبر؛ من هي الدولة الشرق أوسطية التي امتلكت هذا الاختراق العميق داخل الجيش السوداني؟ ولماذا قررت فتح خزنتها في هذه اللحظة تحديداً؟ لا نملك حتى الآن ما يكفي لتسمية الدولة، وأي اسم نضعه سيكون تخميناً سابقاً للأدلة؛ لكننا نستطيع قول شيء بثقة أكبر؛ من فعل ذلك لم يرد فقط أن يعرف العالم أن هناك قنابل كلور في السودان؛ أراد أن يعرف العالم ذلك الآن. وبين “ماذا سُرّب؟” و”لماذا الآن؟” ربما تختبئ القصة السياسية الأكبر التي لم تكتب بعد.
■ وللسودانيين الذين يسارعون إلى رفض ما نشرته الصحيفتان باعتباره مجرد “رواية أمريكية”، تذكير ضروري؛ كارثة العراق عام ٢٠٠٣ لم تبدأ بتحقيق استقصائي أثبت امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل؛ بل كانت إدارة جورج بوش وأجهزة الدولة هي التي قدمت ذلك الادعاء للعالم، وروّجت له وسائل إعلام كبرى، قبل أن يتبين لاحقاً أن مخزونات الأسلحة المزعومة لم تكن موجودة. والفارق هنا جوهري؛ نيويورك تايمز وواشنطن بوست لا تنقلان هذه المرة بياناً حكومياً أمريكياً، وإنما تقولان إنهما حصلتا على ملف ضخم ثم أخضعتاه للتحقق والمقارنة والفحص الجنائي الرقمي واستشارة خبراء مستقلين قبل النشر. وهذا لا يجعل الصحيفتين معصومتين من الخطأ، ولكنه يعني أيضاً أن مؤسستين تحملان تاريخاً وسمعة عالميين لن تتعاملا بخفة مع اتهام بحجم استخدام السلاح الكيميائي، وهما تعرفان قبل غيرهما أن خطأً بهذا الحجم يمكن أن يهدم صدقية بُنيت خلال عقود.
