ما يجري على الجبهة الشرقية … أحرب بالأصالة أم بالوكالة؟! .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
30 ديسمبر, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
159 زيارة
الفكرة المركزية في تكوين الدولة الحديثة هي (القومية) ولذلك سميت بالدولة القومية Nation – state على خلاف ما كان سائد قبيل إتفاقيات وسيتفاليا ١٦٤٨ والتي شكلت المعلم الأبرز في تطور العلاقات الدولية كنهاية لما كان يعرف بالنمط السائد بالدولة المدينية City state. والمعروف أن الدولة القومية تتألف من مجموعة بشر ليس بالضرورة أن يشتركوا في الانتماءات الأولية مثل الديانة واللغة والانتماء العرقي، وإنما الأهم أن يكون لديهم تطلع مستقبلي للعيش المشترك في داخل حدودهم الجغرافية التي يعيشون فيها رغم ما قد يكون بينهم من تباين، بحيث تمثل هذه القطعة الجغرافية (الأرض) أحد أهم مصادر وجودهم يفرضون عليها ما يُسمى بالسيادة، فيستمتعون بالعيش في داخل أراضيهم كأحرار، ويحق لهم بموجب تلك السيادة أن يسيطروا على ما فيها من موارد وخيرات حيث تنمو في أوساطهم عاطفة لاهبة تدفعهم للذود عن حياض تلك الأرض في وجه كل من يتغول أو يعتدي عليها، ويبذلون أرواحهم وقدمون أولادهم قرابين في سبيل الدفاع عنها، لأنها ترتبط لديهم بوشائج عاطفية لا تخضع في كثير من الأحيان للتفسير العقلاني، ذلك أن الارتباط بالأرض هو ارتباط عاطفي ووجداني يُسمى في كثير من الأدبيات بالشعور أو الإنتماء الوطني.
ومع تطور الدولة الحديثة قامت الجيوش الوطنية لتحترف مهنة الدفاع عن الأرض المعرفة بالخريطة المحددة والتي تستمد وجودها من تلك المجموعة البشرية التي تقطنها، وتعطي هي بالتالي المجموعة البشرية هويتهم إذ يُعرفون بها. لذلك إرتبطت الجيوش بإسم الأوطان والوطنية، وآخرين قرنوها بأسم الشعب كرمزية تؤكد امتلاك الشعب لها. فهي مصدر عزتهم وكرامتهم ، متى ما هُزمت تلك الجيوش و إنكسرت، إنكسرت معها عزة القوم أجمعين، ومتى ما انتصرت يواتيهم شعور بالفخار والإباء والشموخ والكبرياء يتباهون به في العالمين. لذلك لم يكن ترديد جملة (الجيش الوطني) خالية من المغزى والدلالة لأن الجيش هو تتويج حقيقي لمعاني الوطنية ذلك أنه خط الدفاع الأول عن الوطن.
على العموم، ومهما يكن من أمر، فقد كُتب لأهل السودان أخيراً وبعد مرارات كثيرة، أن يستدركوا بأن لهم جيشاً وطنياً يستطيع أن يُقاتل عنهم دون أن يقتلهم، وأن يخوض غمار حرب تسترد لهم بعض أراضيهم السليبة، بعد أن تغافلت عنها أعين الحكام من السياسيين في حقبة مظلمة ما كانت تُدرِك للوطن مصلحةً خارج نطاق ذاتها. غير أن الوضع الآن قد اختلف، فالحرب التي يخوضها الجيش السوداني على الحدود الشرقية هي حرب تؤكد الكثير من تلك المعاني بمدلولاتها العاطفية والوجدانية، فهي حرب لإسترداد أراضي يتم التعدي عليها بشكل متكرر من قِبل من لا يجوز أن يطأها، أو يستغلها. وهي حرب تستوجب أن يُطلق عليها حرب من أجل الشرف والكرامة لإستعادة تلك الأراضي للسيادة الوطنية، ولذلك فهي حرب في نهاية التحليل يمكن أن يُطلق عليها حرب بالأصالة، تفجر في نفس كل وطني غيور منابع الفخار وتبعث فيهم الغبطة والسرور والعزة والإباء، وتلهب المشاعر بأن لهذا الوطن بحدوده الجغرافية المعروفة جيش وطني يستطيع أن يستعيد كل الأراضي و ما يرتبط بها من مشاعر وجدانية، وليس لأحد الحق في الادعاء بأن هذه الحرب تُخاض بالوكالة عن أي جهة أخرى، إن مثل هذا الادعاء هو ادعاء انهزامي يمسخ الشعور الوطني، ويطعن في نبل الدوافع التي تجعل أفراد الجيش يضحون بأرواحهم بالإستشهاد في سبيل الدفاع عن الوطن. وتقوض معنوياتهم وتبث نوعاً من الدعاية الزائفة فحواها أن هذا الجيش ليس بجيش دولة له دور محدد في الدفاع عن الوطن واراضيه وسيادته… إن حروب الوكالة لا تدخلها الجيوش النظامية المحترمة التي تدافع عن حدودها، وإنما تخوضها المليشيات وجماعات المرتزقة الذين لا تدفعهم دوافع نبيلة مستمدة من قيم كلية مطلقة كقيمة الوطن، وإنما من دوافع مادية لمن يجزل العطايا. إن من يطلقون على الحرب التي يخوضها الجيش السوداني الآن على الجبهة الشرقية بأنها حرب بالوكالة، لا يُقدّرون قيمة التراب الوطني ولا يحفظون لمن يُقاتل عنهم إعترافاً بواجب مهني اقتضاه قسم مقدس بأن لا تفريط في الأرض التي يستمدون منها هويتهم وتمدهم بكل نوازع الوجود.
د. محمد عبد الحميد/استاذ جامعي
wadrajab222@gmail.com