ماذا تعثر وقف إطلاق النار؟ وكيف يمكن إبقاء السودان؟
Why did the ceasefire falter? And how can Sudan be preserved?
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد غياب وقف إطلاق النار مجرد نتيجة لاستمرار القتال، بل أصبح انعكاساً لتشابك عوامل محلية وإقليمية ودولية أعاقت الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية.
فعلى المستوى المحلي، ما زال كل من الجيش والدعم السريع يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه العسكري أو السياسي قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، كما أدى ضعف التوافق المدني وتعدد المبادرات إلى غياب شريك وطني موحد يدفع باتجاه السلام. وعلى المستوى الإقليمي، تباينت أولويات الدول المعنية بالسودان، وتعددت مسارات الوساطة، وتداخلت الحسابات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، مما أضعف فرص الوصول إلى مبادرة إقليمية موحدة. أما على المستوى الدولي، فقد تراجعت أولوية السودان في ظل أزمات عالمية متلاحقة، وانقسمت مواقف القوى الكبرى، وغابت الآليات القادرة على ممارسة ضغط منسق وفعال على الجيش والدعم السريع.
لكن هذا الجمود ليس قدراً محتوماً. فتحريك ملف وقف إطلاق النار يتطلب العمل المتزامن على ثلاثة محاور. أولاً، محلياً، بتوحيد الجهود المدنية حول هدف إنساني عاجل يتمثل في وقف إطلاق النار، وتعزيز دور الحامل المجتمعي للسلام في بناء الثقة وتهيئة البيئة المجتمعية للهدنة. ثانياً، إقليمياً، بتنسيق مبادرات الوساطة، وتقريب مواقف الدول المؤثرة، والاتفاق على إطار إقليمي داعم بدلاً من المبادرات المتوازية والمتنافسة. وثالثاً، دولياً، بحشد إرادة سياسية أكثر فاعلية، وربط أي دعم أو حوافز بالتقدم في تنفيذ وقف إطلاق النار، وإنشاء آلية هجين مستقلة لمراقبة الالتزام بالهدنة والتحقق من الخروقات وبناء الثقة بين الأطراف. فالسلام لا يبدأ عندما تتوقف الحرب وحدها، بل عندما تتكامل الإرادة الوطنية، والدعم الإقليمي، والمسؤولية الدولية في مشروع واحد. إن كسر الجمود لا يحتاج إلى مبادرة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تنسيق أفضل بين المبادرات القائمة، وإلى إدراك مشترك بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق مكاسب مستدامة لأي طرف، بينما يضاعف خسائر السودان وشعبه.
ومضة فكرية
ليس الجمود قدراً، بل نتيجة لاختلال التوازن بين الإرادة الوطنية، والتوافق الإقليمي، والالتزام الدولي. وحين تتحرك هذه المحاور معاً، يصبح وقف إطلاق النار أقرب إلى التحقيق. فالسلام ليس مسؤولية طرف واحد، بل ثمرة شراكة بين المجتمع، والإقليم، والعالم. لا يكفي أن تتوافر الرغبة في السلام؛ بل يجب أن تتكامل الإرادة الوطنية، والدعم الإقليمي، والمسؤولية الدولية لتحويل الرغبة إلى واقع.
melshibly@hotmail.com
