د. أيمن بشرى
٢٨ مارس ٢٠٢٦
ملخص
تجادل هذه الورقة بأن جزءًا جوهريًا من أزمات العمل السياسي في السودان لا يعود فقط إلى الصراعات الأيديولوجية أو ضعف المؤسسات، بل إلى مسألة أعمق: طريقة التفكير نفسها، وتحديدًا القدرة على التفكير المجرد والتعامل مع السيناريوهات الافتراضية (ماذا لو…). تستعرض الورقة التطور البشري لهذه القدرة، وخلفيتها البيولوجية العصبية، ودور التربية والتعليم والدين في تشكيلها. وتخلص إلى أن الفرق بين المجتمعات المستقرة والمتفاعلة مع الأزمات يكمن في قدرتها على التخطيط الاستباقي، وأن بناء الدولة الحديثة في السودان يستدعي تطوير ثقافة التفكير المستقبلي قبل أي إصلاح مؤسسي. والورقة تقترح كيفية هذا الإصلاح.
١. المقدمة
(ليست مشكلتنا فقط أننا نختلف حول الحلول، بل أننا في كثير من الأحيان لا نفكر بالطريقة التي تُنتج حلولاً أصلاً)
يعرف متابعو الشأن السوداني مشهدًا يتكرر في اللقاءات التلفزيونية والندوات السياسية: يُطرح سؤال على سياسي من نوع “ماذا لو حدث كذا؟”، فيرد عليه إما بالتهرب، أو بالقول إن السؤال “افتراضي” ولا يستحق النقاش، أو بتحويله إلى موضوع آخر.
مثل هذه المواقف ليست استثناء، بل تعكس ظاهرة أوسع: رفض العديد من الساسة السودانيين الإجابة على الأسئلة الافتراضية أو مناقشة السيناريوهات الافتراضية. يحدث هذا في النقاشات السياسية بين الناس كما يحدث في اللقاءات التلفزيونية. هذه الظاهرة ليست مسألة أسلوب في النقاش السياسي فقط، ولكنها قد تعكس مشكلة أكثر عمقًا تتعلق بطريقة التفكير نفسها والقدرة على التفكير المجرد.
٢. ما هو التفكير المجرد وعلاقته بالسيناريوهات الافتراضية؟
(السيناريوهات الافتراضية هي معمل ذهني لا يستطيع العمل فيه إلا من يمتلك تفكيرًا مجردًا متطورًا)
التفكير المجرد (Abstract Thinking) هو قدرة العقل على التعامل مع المفاهيم غير المحسوسة (كالعدالة) والأفكار الرمزية، والعلاقات المنطقية المستقلة عن الأشياء المادية الملموسة. يتجاوز التفكير المجرد ما هو مدرَك بالحواس مباشرةً إلى معانٍ وقوانين ومبادئ كلية وما هو معاش في أرض الواقع إلى فضاءات مستقبلية.
أما السيناريوهات الافتراضية (Hypothetical Scenarios) فهي تمثيلات ذهنية لمواقف لم تحدث بعد، أو قد لا تحدث أصلًا، يتم بناؤها عبر طرح أسئلة شرطية (ماذا لو…؟) بهدف استكشاف النتائج، اختبار الأفكار، اختبار القيم التي يؤمن بها المرء.
السيناريوهات الافتراضية هي تطبيق عملي للتفكير المجرد؛ فبناء سيناريو افتراضي يتطلب التعامل مع المجردات (متغيرات غير ملموسة كالثقة). كما يتطلب امتلاك المنطق الشرطي (إذا… فإن…)، كلعب الشطرنج الذي يقوم على توقع خطوات الخصم القادمة. أي أن هناك حاجة لاستحضار الزمن المستقبلي وكأنه حاضر يمكن تحليله.
باختصار، السيناريوهات الافتراضية هي معمل ذهني لا يستطيع العمل فيه إلا من يمتلك تفكيرًا مجردًا متطورًا، وهو ما يفسر كون هذه القدرة من أهم الفروق النوعية بين الإنسان والحيوانات الأخرى، كما أنها الركيزة الأساسية للعمل السياسي الرشيد والإدارة الاستراتيجية.
٣. التطور البشري ونشأة التفكير المجرد
أتى على الإنسان حين من الدهر كان يعيش فيه على جمع الثمار. لم يكن حينها يحتاج إلى تخطيط مستقبلي طويل المدى. كان أكثر حاجة للقدرة على التذكر.ثم مضى حين فصار الإنسان صيادًا للحيوانات. هذا التحول في النمط الغذائي فرض عليه تحديات أكبر من التذكر، كالتخطيط والتنسيق مع الآخرين.
غير أن التحول الجذري أتت به الثورة الزراعية قبل حوالي عشرة آلاف سنة. فرضت الزراعة على الإنسان التفكير والتخطيط لمستقبل لا يملك إلا تصور كيفيته. فتعلم أن الجهد المبذول اليوم قد لا يرى ثماره (حرفيًا) إلا بعد زمن قد يطول. هذا كان منشأ تطور قدرة البشر على التفكير المجرد والتخطيط المستقبلي طويل الأمد. وزادت الحاجة لهذا النوع من التفكير مع ظهور المدن والممالك. وببلوغنا الدولة الحديثة الأن نكون قد بلغنا قمة التجريد. فالدولة الحديثة هي في الأساس فكرة مجردة تقوم على كثير من المفاهيم المجردة مثل السيادة، الدستور، الضرائب.. الخ.
٤. الخلفية البيولوجية العصبية
الدماغ البشري تعلوه قشرة دماغية (cerebral cortex)، وفي مقدمتها منطقة تُسمى القشرة الجبهية الأمامية (pre-frontal cortex). هذه المنطقة هي المسؤولة عن التفكير المجرد، التخطيط طويل المدى، اتخاذ القرار، وكبح الانفعالات. حجمها عند البشر أكبر بكثير مما هي عليه عند أقرب الكائنات إلينا، وهذا ما يفسر قدرة الإنسان الفريدة على التفكير في المستقبل.
والمهم هنا أن هذه القشرة لا يكتمل نضجها إلا في منتصف العشرينات. وهناك اتجاهات مدعومة بالأبحاث العلمية لرفع سن المراهقة إلى ٢٥ عامًا في السياسات الصحية والتعليمية. وهذا يقودنا إلى ملاحظة تستحق البحث: ممارسة السياسة في السودان غالبًا ما تبدأ في الجامعات، قبل اكتمال النضج العقلي، حيث يدخل الطلاب السياسة عبر الانتماءات (القبيلة، الدين، التنظيمات الطلابية، الشعارات، أو الإحساس بالمظلومية). ينتج عن ذلك هوية سياسية وليس تفكيرًا سياسيًا نقديًا، حيث تصبح الولاء للجماعة أهم من النقد والتحليل (راجع مقالاتنا السابقة عن نظرية الهوية الاجتماعية). لا يعني ذلك أن السلوك السياسي تحدده البيولوجيا وحدها، ولكن النضج المعرفي والتربوي يلعبان دوراً مهماً في طريقة التفكير السياسي. هذا ليس تثبيطًا لاهتمام اليافعين بالسياسة، ولكن تنبيهًا للتبعات القاسية على الوطن إذا لم تتبع هذا الاهتمام خطوات مدروسة لتعليمهم أسس التفكير النقدي واكتساب المعرفة بجوانب السياسة المختلفة ومتطلبات الدولة الحديثة.
٥. التربية والتعليم ودورهما في القدرة على التفكير المجرد
الفضول والتساؤل صفات مغروسة في النفس البشرية، ويُرى ذلك عند الأطفال الذين يسألون بإصرار وإلحاح عن كل شيء. في السودان يُربى الأطفال على قمع التساؤلات، تارة بالـ”عيب” وأخرى بالـ”حرام”، وأحيانًا بحجة أن الكبار دائمًا على حق. وبهذا تُوضع البذرة الأولى لإجهاض التفكير المجرد والتفكير النقدي.
ثم يتبع ذلك التعليم في المدارس، والذي يقوم على الطاعة والانصياع، والتلقين والحفظ. وتقوم الامتحانات على أن هناك نتيجة واحدة فقط هي الصحيحة. بينما التعليم الحديث في المجتمعات المتقدمة يركز على النقاش المفتوح، حل المشكلات، المشاريع العملية، العمل الجماعي والتفكير النقدي.
يمكن استشفاف أهمية التربية والتعليم بربطها بموضوع اختبار الذكاء (IQ).
اختبارات الذكاء (IQ) هي في جوهرها اختبارات للتفكير المجرد، صُممت لقياس القدرة على التعامل مع الأنماط والعلاقات المنطقية والرموز التي لا ترتبط بسياق مادي أو معرفة مسبقة محددة. لذا فالقدرة على تحليل السيناريوهات الافتراضية تعتمد على نفس المهارات الذهنية التي تقيسها اختبارات الذكاء من خلال المصفوفات والمتسلسلات العددية. مع الوضع في الاعتبار أن الذكاء أوسع من ذلك؛ فهناك نظريات مثل نظرية الذكاء الثلاثي (Triarchic Theory) التي تضيف إليه القدرات الإبداعية (Creative) والعملية (Practical) (كالمهارات الاجتماعية وحل المشكلات اليومية)، والتي لا تقيسها اختبارات الذكاء التقليدية بنفس الدقة.
أظهرت اختبارات الذكاء وجود فروق بين المجتمعات في معدل الذكاء، ولكن هذه الفروق هي في الأساس فروق في الفرص والتربية والثقافة، وليست فروقًا في القدرات الفطرية أو فروق جينية. القدرة على التفكير المجرد هي مهارة قابلة للتعلم والتنمية، تمامًا مثل قراءة الكلمات. عندما تتغير البيئة والثقافة، تتغير هذه القدرة.
٦. العامل الثقافي والديني: عندما يُقدس رفض الافتراضي
إلى جانب العوامل التربوية والتعليمية، هناك عامل ثقافي عميق قد يلعب دورًا في إضعاف القدرة على التفكير المجرد في السودان، وهو البيئة الدينية التي نشأ فيها معظم السودانيين. كثيرًا ما يُحسم النقاش الذي تثار فيه السيناريوهات الافتراضية بعبارة: “لو تفتح عمل الشيطان”. هذه العبارة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعبير عن الورع، تصبح في الممارسة اليومية أداة لإغلاق أي تفكير في الاحتمالات، وأي نقاش حول “ماذا لو”.
المشكلة ليست في الدين، بل في فهم معين له. فالقرآن الكريم نفسه يعج بالصيغ الافتراضية والسيناريوهات التخيلية التي تهدف إلى استبصار العواقب واستخلاص العبر. تأمل قوله تعالى: “لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ” (الكهف: ١٠٩). هذا تخيل افتراضي لا يمكن تحققه في الواقع، لكنه يوصلك إلى حقيقة عظيمة. أو “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ” (الأعراف: ٩٦)، وهذا سيناريو افتراضي محض: ماذا لو آمنوا؟ ما النتائج؟، أو “وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ” (الأنعام: ٢٧) وهذا استدعاء لمشهدٍ مستقبلي لم يحدث بعد، بهدف التأمل والتغيير.
وهناك فرق جوهري بين الافتراضي التأملي والافتراضي التوهمي. الأول يهدف إلى فهم العلاقات واستشراف النتائج والتخطيط للمستقبل، وهو لا يتناقض مع الدين، بل هو منهج قرآني: كقوله تعالى “لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ” (الأنفال: ٦٣)، فهو سيناريو افتراضي مقصوده استخلاص سنة اجتماعية. أما الافتراضي التوهمي فهو ما ينشغل بالغيبيات التي لا يترتب عليها فعل دنيوي، أو ما يثير القلق دون غاية عملية. وهنا تكمن المفارقة: عندما يُقمع الافتراضي التأملي باسم الدين، فإننا لا نحمي العقيدة، بل نحرم أنفسنا من أداة أساسية للتفكير النقدي والتخطيط الاستباقي. ونتيجة ذلك مجتمعات تفكر بطريقة “رد الفعل” لا “التوقع”، وتنتظر الأزمات لتديرها بدل أن تستبقها.
في المجتمع التقليدي في السودان، يتربى أغلب الأطفال في أسر ممتدة رأسياً (أي في وجود الأجداد والجدات) وافقياً (أي في وجود العمات، الخالات، الأعمام و الخؤولة). تشير الدراسات الحديثة إلى أن تعدد الراشدين في الأسرة الممتدة يحمل وجهين: وجه إيجابي يتمثل في الدعم المعرفي والعاطفي (كما أشارت بعض الدراسات المحلية إلى الدور الإيجابي لوجود الجدات على عدة عوامل نفسية) ووجه سلبي يتمثل في تضارب السلطات التربوية وازدواجية التوجيه، خاصة في الأسر التي يعيش فيها الوالدان مع أقارب افقيين (كما في دراسات من لوس أنجلوس 2015، 2017). هذا التضارب في الطفولة قد ينعكس على السلوك السياسي في المستقبل. فالفرد الذي يعتاد على تعدد المرجعيات وتضارب الأوامر، يصبح عاجزًا عن اتخاذ قرار حاسم أو محاسبة من يتولى السلطة.”
٧. التفكير المجرد، السيناريوهات الافتراضية والسياسة
السياسة في جوهرها تفكير مجرد. فالعمل السياسي لا يقتصر على إدارة وقائع ملموسة، بل يقوم على مفاهيم مجردة: السيادة، العدالة، المصلحة الوطنية، الاستقرار الاستراتيجي. هذه المفاهيم لا تُرى بالعين، لكنها تشكل “عقل” السياسة. من يفتقر إلى التفكير المجرد لا يستطيع أن يصوغ رؤية أو يضع مبادئ حاكمة، ويظل أسيرًا للارتجال اليومي.
و السيناريوهات الافتراضية هي التي تؤدي في النهاية إلى إنتاج سياسات رشيدة، وذلك لأن القرار يمر بمرحلة من “التجريب الذهني”: ماذا لو تحالفت الدولة “س” مع الدولة “ص”؟ ماذا لو انهارت العملة بنسبة كذا؟ ماذا لو حصل فراغ دستوري؟
السيناريوهات الافتراضية تسمح للسياسي (أو صانع القرار) بأن يرى النتائج دون أن يدفع ثمنها الفعلي، وأن يجهز بدائل قبل وقوع الأزمة.
وهذه بالضبط هي القدرة التي تقيسها اختبارات الذكاء من خلال المصفوفات والسلاسل المنطقية، وهي نفسها التي تجعل السياسي استباقيًا بدل تفاعلي.
والفروق بين المجتمعات في التنمية والاستقرار قد تكون مرتبطة بالفروق بينها في القدرة على التفكير المجرد والتعامل مع السيناريوهات الافتراضية.
٨. السيناريوهات الافتراضية وتقييم المخاطر كأداة للفعل السياسي
أحد أهم التطبيقات العملية للسيناريوهات الافتراضية هو تقييم المخاطر. لا يكفي أن نمتلك رؤية سياسية “صحيحة” من حيث المبادئ؛ فغياب آليات التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر حول كيفية الوصول إلى هذه الرؤية، هو أحد أوجه الخلل العميقة التي ميزت النخبة السياسية السودانية. هنا يبرز دور مفهومين متداخلين غالبًا ما يكونان غائبين عن الفعل السياسي في سياقاتنا السودانية: السيناريوهات الافتراضية (Scenario Planning) وتقييم المخاطر (Risk Assessment).
تقييم المخاطر هو منهجية عقلانية تهدف إلى تحديد العوامل التي قد تعرقل تحقيق هدف معين، وتحليل احتمالية وقوعها، وتقدير حجم تأثيرها، ثم وضع خطط للتعامل معها، سواء بتجنبها، أو تخفيف آثارها، أو قبولها كخيار محسوب. في عالم السياسة، هذا يعني تحويل الإدارة السياسية من “ردود أفعال” متأخرة تجاه الأزمات إلى حالة من “الاستباق” المخطط له.
وتكمن أهمية هذه المنهجية في ثلاثة جوانب رئيسية: أولاً، أنها تكسر وهم السيطرة الكاملة على مجريات الأحداث، فكل فعل إيجابي نسعى لتحقيقه سيكون له مردود سلبي على طرف آخر لا نملك حيلة إزاء ردود فعله. ثانيًا، أنها تساعد في تحديد أولويات التهديدات، فبدلًا من الانشغال بكل متغير صغير، تركز الجهود على المخاطر الأكثر ترجيحًا والأعلى تأثيرًا. ثالثًا، أنها تخلق “ذاكرة مؤسسية” للتعامل مع الأزمات، بحيث لا تضطر القوى السياسية إلى إعادة اختراع الحلول في كل مرة تواجه فيها أزمة مشابهة.
ومثلما لا مناص من تقييم المخاطر في الفعل السياسي في الأوضاع المستقرة، فهناك كذلك حاجة لها في مرحلة النضال من أجل استعادة المسار الديمقراطي، وهي مرحلة تتسم بعدم اليقين الشديد كما هو الحال في السودان اليوم.
فرغم رغبة أغلبية السودانيين في تحقيق السلام والتحول إلى نظام ديمقراطي مستقر، فإننا لا نستطيع منع حدوث الاحتمالات التي لا نريدها. مع ذلك، علينا افتراض حدوثها وأن نضع خططًا توضح كيفية تعاملنا مع كل احتمال. فماذا لو استمرت الحرب لعقود قادمة؟ ماذا لو انتصر أحد الأطراف؟ وماذا لو توافقت الأطراف المتحاربة على وضع غير ديمقراطي؟
٩. الطريق إلى الأمام
(المعرفة لا تأتي صدفة، ولكن يجب التخطيط لاكتسابها)
الدول تبنى بالتخطيط السليم. لمعالجة هذه القضية موضوع النقاش، اقترح إجراءات محددة تشمل، ولا تقتصر على:
أولا: تدريب الأسر الجديدة على أساليب التربية الحديثة عبر كورسات في برامج الرعاية الصحية الأولية (للحوامل مثلًا)، ومتابعات الأطفال حديثي الولادة.
ثانياً: تغيير المناهج بحيث تستوعب حاجة العصر بطرق تعليم حديثة قائمة على التساؤل والنقاش.
ثالثاً: في الأسر الممتدة يجب أن يشمل الإرشاد جميع الأفراد الراشدين.
هذه الخطوات قد تساعد في إنتاج أجيال مسلحة بما هو مطلوب لمواجهة عالمها الذي ستجد نفسها فيه، ولكن سيظل هناك تحدياً عند الراشدين الآن ومنهم السياسيون المنوط بهم إنفاذ سياسات الإصلاح. هنا يمكننا تقديم عدة مقترحات:
- إنشاء “مركز السودان للدراسات المستقبلية” يكون مستقلاً عن الحكومة والأحزاب، مهمته نشر ثقافة السيناريوهات، وإعداد تقارير دورية عن المخاطر والفرص المستقبلية، وتدريب الكوادر السياسية والإدارية على تحليل السيناريوهات. ويمكن أن يكون هذا المركز ضمن معهد مستقل للديمقراطية.
- تضمين مناهج التربية الوطنية في المراحل الثانوية والجامعية وحدات إجبارية عن التفكير المجرد وتحليل السيناريوهات، بحيث يصبح التعامل مع “ماذا لو” مهارة أساسية وليس رفاهية فكرية.
- في إطار إصلاح الكائن السياسي الذي تناولته في مقال سابق (“في إصلاح الكائن السياسي”)، أقترح إضافة كورسات أو ورش عمل في التفكير المجرد والسيناريوهات الافتراضية ضمن البرامج التأهيلية للقيادات السياسية والإدارية.
- وربما جاز اتخاذ أساليب مثل استهجان عدم قدرة السياسي على الإجابة عن السيناريوهات الافتراضية، واعتبار ذلك نقصًا في قدرته على أداء مهام قيادية في المستقبل.
- الدعوة إلى أن يكون اجتياز برنامج معتمد في التفكير النقدي وتحليل السيناريوهات أحد معايير شغل المناصب القيادية العليا (كالوزراء والوكلاء والمحافظين)، أسوة ببرامج التأهيل القيادي المعمول بها في العديد من الدول.
١٠. خاتمة
(تنهار الدول ليس فقط حين تنضب مواردها، بل حين تنضب قدرتها على تخيل مستقبلها).
ربما لا تكمن مشكلة السياسة في السودان في الأيديولوجيات، ولا في الأحزاب، ولا حتى في الأشخاص، بل في طريقة التفكير نفسها. فالدولة الحديثة ليست مجرد أرض وشعب وحكومة، بل هي في جوهرها فكرة مجردة، ونظام ذهني، وقدرة على تخيل المستقبل قبل أن يحدث.
المجتمعات التي تبني دولاً مستقرة ليست بالضرورة أكثر أخلاقاً أو أكثر وطنية، لكنها غالباً أكثر قدرة على التفكير والتخطيط للمستقبل، وعلى طرح أسئلة من نوع: ماذا لو؟ الحضارة الإنسانية نفسها يمكن فهمها على أنها انتقال الإنسان من العيش في رد الفعل إلى العيش في التوقع، ومن التفكير في اليوم إلى التفكير في العقود والأجيال، ومن إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.
إن معركة بناء الدولة ليست فقط معركة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، بل هي في المقام الأول معركة عقل: هل نستطيع أن نتخيل المستقبل قبل أن نصل إليه؟ وهل نستطيع أن نتفق أو نختلف حول أفكار وسيناريوهات، لا حول هويات وجماعات؟
تنهار الدول ليس فقط حين تنضب مواردها، بل حين تنضب قدرتها على تخيل مستقبلها.
aymen.b.ahmed@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم