ماما قالت ديل الناس الطيبين الحيمشو الجنة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

استحسنت وصف أحدهم لملاقاة الدولة لمصيبة السيول وخرائبها بالوجوم. فاستغربت مثلاً لغيبة القوات المسلحة عن مسرح الكارثة. ولكن أشد ما أحزنني أنني لم أسمع عن همة لديوان الزكاة في إسعاف من جعلتهم خسائر السيول في عداد الفقراء والمساكين. وما حزنت للديوان مثل حزني أنه لم يطرق أذني من افتقد ديوان الزكاة عن مشهد الكارثة. وهذا سوء ظن به يستوجب منه بذل جهد خارق لتغيير صورته عند الناس. فقد تكرر ذكره في تقرير المراجع العام حتى اضطر أمينه العام للقول إنه لا تخلو مؤسسة من فاسد ومفسدين ولسنا معصومين عن الخطأ (ليس في أداء شعيرة إسلامية، أليس ثمة من شيء مقدس؟). وكان حضور الديوان (ومن ورائه ترليون جنيه هي إيرداته لعام 2013 حتى تاريخه) سيسعف الوضع بأعظم مما فعلت “نفير” وغير نفير.
فلم أجد ذكراً للديوان ضمن من طافوا على المتأثرين بالكارثة. فحتى المجلس الوطني كان هناك بالموجود بنحو مائة ألف جنيه من رئيس المجلس أحمد إبراهيم الطاهر وزعيم كتلة نواب الوطني مهدي إبراهيم. وأقول استطراداً إن اعتذار مهدي للصحف بتواضع تبرعهم لم يكن موفقاً ولا ضرورياً. فقال إن المجلس جهاز رقابي تشريعي ولا يتصرف في مال. ولا يخفى على مهدي المفروض أن ميزانية الدولة كلها من ضمن التشريع وخاضعة لرقابة المجلس. وبوسعه أن ينعقد في أي وقت لإجازة ميزانية عجلى علاوة على أن يكف رموز التشريع والرقابة عن عادة التبرع الذميمة.
نعود لموضوعنا. لا أعتقد أنه حال دون الزكاة وضحايا المحنة حائل فقهي. فقد عودنا الديوان على أداء زكوي متقحم جريء. فصار يوزع معينات لإنجاح الموسم الزراعي، وإفطار الريان للشرطة الشعبية خلال الوردية، وإفطارات المرضى ومرافقيهم، وتمويل مشاريع استثمارية وتجارية وتكافلية، وتوزيع رؤوس أموال تجارية، وثلاجات، وأجهزة لشحن البطاريات، ومحاريث بلدية، وعربات كارو، وختان أطفال. وبلغت حميته للاستثمار حداً اضطر المجلس الوطني لاستبعاده من المساهمين في وكالة التمويل الأصغر لأنه، أي الديوان “ما يزال يعاني قصوراً في الايفاء بحقوق الفقراء وأصحاب الحاجة الشرعية لأموال الزكاة ولا داع لتجميد أموالهم في استثمار ومضاربات غير محسوبة”. وبالطبع ما أزال عند ملاحظتي أن الديوان استغراق في مشتروات من السوق استغراقاً جالباً للريبة لأنه ما اجتمع الأفندي (بمثل المال الذي تحت تصرف ديوان الزكاة) والتاجر إلا كانت العواقب غير حميدة.
كشفت الكارثة بيوت المساكين المتعففين. وزجت بهم في أوضاع لا يرضاها الشرع. قال أحدهم: “أصبحنا نقطن في العراء ووجود نساء معنا يجعل الأمر غير محتمل. لم تعد هناك حرمات بعد أن أنتُهكَت بفعل هذه السيول والأمطار”. وددت لو أسبل الديوان ستر الشرع على هؤلاء المسلمين المحرجين في دينهم. ووجوه المعينات في ذلك شتى. فقد قرأت تحقيقاً مميزاً لعائدة قسيس بهذه الجريدة (الخرطوم) عن انتعاش سوق الإيجارات وزيادات الإيجارة 3 أضعاف لمقابلة طلب مشردي السيول. فقال عقاري لها إنه يتلقى وحده 40 طلباً من راغبين لإيجار بيوت. وأخرج هذا الطلب الحثيث للمنازل (بما في ذلك مهاجرة من سوريا ومصر للأوضاع في بلادهم) محدودي الدخل من الإيجارة. ولو أعان الديوان الفقراء والمساكين بستر الدنيا لتبين وسترهم في الآخرة.
يحاول ديوان الزكاة أن يكون عقله في المحل الصحيح. فأنشأ بداخله معهداً لدراسات الزكاة. ثم عقد قبل شهور مؤتمراً في فندق كورال عن “الكفاءة التشغيلية” لمؤسسات الزكاة. كما تعاقد وجامعة القرآن الكريم من قبل أيام على إنشاء معهد عال لدراسات الزكاة. ولكنه نسي شيئاً واحداً بسيطاً هو أن يكون قلبه في المكان الصحيح. ولو صح قلبه لشمله المتأثرين في صالح الدعاء. فسأل صحفي طفلاً في خرائب أم درمان عن جماعة نفير فقال: “ماما قالت ديل الناس الطيبين الحيمشو الجنة”. 
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]//////////////

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً