الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت يواجه فيه السودانيون انقطاعات متتالية للتيار الكهربائي، وصلت ليوم كامل في بعض المناطق، تظاهر مواطنون، في حي بري، شرق الخرطوم، أمس الثلاثاء، منددين بتردي خدمات هذا القطاع، الذي أعلن العاملون فيه، تعليق إضرابهم حتى إشعار آخر، بعد تلقيهم وعودا من السلطات، بتحسين الأجور. وقالت اللجنة المتحدثة باسم العاملين، أنها بعد التواصل مع المسؤولين توافقت معهم على حل مرضٍ بخصوص الأزمة، مشيرة إلى أنها ستظل تمسك المكتسبات والحقوق بيد بينما تحمل في اليد الأخرى، سلاح الدفاع عن القطاع، بالعودة إلى الإضراب.

مطالب مشروعة
وأضافت، في بيان، أن «العاملين في الكهرباء، لم يترددوا في الوقوف بصمود من أجل حقوقهم دون التفات للإشاعات» وما وصفتها بـ«أغراض المغرضين، الذين حاولوا إثناءهم عن المطالبة بحقوقهم» مؤكدة أن «مطالبهم واضحة ومشروعة وترتبط بشكل أساسي بقضية هيكل الأجور».
وأشارت إلى «إدراك العاملين في القطاع، لمعاناة المواطنين بسبب القطوعات والأعطال المتواصلة والمتراكمة» مشددة على أن «قضيتهم عادلة وصادقة، وليس القصد منها تحميل المواطن المسؤولية، وأن أساس عملهم خدمة المواطنين بالإضافة لسلامة العاملين واستقرار الشبكة».
وبدأ قطاع الكهرباء، إضرابا جزئيا عن الحالات الباردة التي لا تؤثر بشكل مباشر على إمداد الكهرباء، منذ نهاية شهر أغسطس/ آب الماضي، إلا أن لجنة الهيكل الراتبي للعاملين في الكهرباء، أعلنت لاحقا تصعيد الإضراب بسبب عدم استجابة السلطات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها العمال، مهددة بالإطفاء الكامل للكهرباء في البلاد. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت رفع الإضراب بعد قرارات حكومية بإجازة الهيكل الراتبي الجديد، قبل أن تعاود الأحد، الإضراب مرة أخرى، متهمة السلطات بعدم الايفاء بالوعود التي قطعتها بتحسين الأجور، لتعلن، أمس، أنها توافقت مع السلطات على حلول مرضية.
وتباينت مواقف رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين تأييد الإضراب، والضغط من أجل تحقيق مطالب العاملين، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد والغلاء المعيشي، وآخرين ناقمين بسبب مشكلات انقطاع الكهرباء، لساعات طويلة نتيجة البرمجة الحكومية والمشكلات الفنية.
وكان، وزير الطاقة والنفط، محمد عبد الله محمود، قد أقر بأن قطاع الكهرباء في السودان يعاني من أزمات عديدة، تتضمن مشكلات الوقود ونقص قطع الغيار، تأخرت عمليات الصيانة، مما أدت إلى تراجع القدرة التشغيلية لمحطات التوليد خلال السنوات الماضية. وفي ظل معاناة، المواطنين السودانيين، من مشكلات تردي خدمات الكهرباء، أعلنت السلطات مطلع العام الجاري، زيادة كبيرة في أسعار الكهرباء، في إطار خطة للرفع الكامل لدعم قطاع الكهرباء، خلال ثلاثة أعوام. واعتبرت أن من الصعب استمرار دعم قطاع الكهرباء، مشيرة إلى خفضه في المتوسط بنسبة 69٪، مع الإبقاء على معدلات دعم أعلى لفئات الاستهلاك الأقل، تستهدف القطاعات الفقيرة.
العاملون في القطاع يعلنون تعليق إضرابهم
ومنذ سبتمبر/ أيلول 2020، بدأت السلطات كذلك، برامج رفع الدعم عن الوقود والخبز والسلع والخدمات الاستهلاكية. وفي مقابل الزيادات العالية في أسعار السلع الأساسية، التي ترتبت على رفع الدعم، راوحت أجور الموظفين والعمال مكانها، الأمر الذي تسبب في موجة واسعة من الإضرابات.
ويشهد عدد من ولايات البلاد إضرابا شاملا لموظفي الخدمة المدنية، بسبب عدم تنفيذ السلطات الهياكل الجديدة للرواتب، كما تشهد الأسواق المحلية في عدد من المدن إغلاقا شاملا وإضرابا للتجار بسبب فرض السلطات زيادة في ضريبة الأعمال تصل إلى 1000٪.
وأشار وزير شؤون مجلس الوزراء السابق، خالد عمر، إلى أن الحكومة الانتقالية التي قوضها الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حققت اختراقات مهمة في قطاع الكهرباء، مشيرا إلى أنها في العام 2021، استطاعت توفير مبلغ 780 مليون دولار من البنك الدولي لتأهيل القطاع.
وقال، في بيان، إن الحكومة الانتقالية، خصصت لتأهيل المحطات الحرارية في مناطق بحري وقري وأم دباكر، مبلغ 150 مليون دولار من إجمالي مبلغ 500 مليون دولار، كانت قد تحصلت عليها كمنحة مالية من البنك الدولي، والتي كانت ستستلمها الحكومة في أول أسبوع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني (عطل ذلك الانقلاب) وخصصت بقية المبلغ للسماد والدواء.
وبيّن أنها، من مواردها الذاتية تكفلت بتوفير وقود الفيرنس للمحطات الحرارية، وسددت مبلغ 18 مليون دولار وهو المتبقي من مستحقات محطة قري 3 التي كان من المتوقع أن تولد حوالي 350 ميغاواط، والتي كان من المنتظر أن تساهم في سد الفجوة الموجودة. وأضاف أن الحكومة الانتقالية بدأت مفاوضات كادت أن تكلل بالنجاح لإيجاد صيغ تمويل لإكمال محطة بورتسودان الحرارية، التي كانت أيضا ستولد أكثر من 500 ميغاواط في فترة لا تتجاوز العام.
بجانب العمل على الطاقة الحرارية، أشار عمر، إلى أن وزارة الطاقة وقتها قامت بإكمال المتطلبات الفنية اللازمة لعقود توليد الطاقة المتجددة الخاصة، والتي بدأ فيها مشروع تجريبي لطاقة الرياح كان من المنتظر أن يصل توليده لحوالي 200 ميغاواط، مشيرا إلى أن هذه المشاريع لم تكن، ستكلف خزينة الدولة شيئا عند قيامها نسبة للصيغة التعاقدية التي تحكمها.
قطاع متهالك
ولفت إلى أن الحكومة الانتقالية، ورثت بالأساس قطاع كهرباء متهالكا، لم تقم حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، في سنواتها الأخيرة، بأي تحديث له أو إضافة لطاقته التوليدية، مشيرة إلى أن تلك الفترة شهدت هجرة مهولة للكوادر العاملة في مجال الكهرباء.
وقال إن مهمة الحكومة الانتقالية في الصدد كانت معقدة للغاية، مع شح الموارد وارتفاع تكلفة التوليد والدعم الحكومي الكبير للكهرباء المنتجة التي كانت تعرفتها عند قيام انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أقل من 10 ٪ من قيمة انتاجيتها. وأكد أن، الحكومة الانتقالية، رفضت زيادة التعرفة في سنتها الأخيرة رغم مطالب المؤسسات المالية الدولية بذلك، وربطت الخطوة بتحسين الخدمة أولا وتخفيض تكلفة الانتاج ومن ثم اللجوء لخيار مراجعة التعرفة تدريجيا، مشيرا إلى أنها التزمت بتوفير موارد تطوير القطاع وتسييره حتى يستطيع النهوض. وأشار إلى أن القطوعات المستمرة للكهرباء في البلاد، تعتبر إحدى علامات انهيار هذا القطاع الحيوي، ليس في بعده السكني فحسب، بل في جانبه الإنتاجي، مشددا على أن أي دولة لا يمكنها أن تنهض دون توفير الطاقة اللازمة للإنتاج، وعلى رأسها الكهرباء، بمختلف أشكال توليدها. ولفت إلى أن الانقلاب عصف بجهود واسعة كان يقوم بها السودانيون في الفترة الانتقالية والتي جاءت عقب الثورة الشعبية، مدفوعة بآمال الشعب في النهوض بالبلاد. وقال إن الانقلاب جاء بلا مشروع سوى إجهاض الأمل وإخماد النور الذي ظهر في آخر النفق، مشددا على أن الحكم المدني الديمقراطي، هو مدخل التنمية والسلام والاستقرار.
«آذان صماء»
وأضاف أن «الحكم المدني الديمقراطي، مصدر شرعيته الشعب، يستمع لمعاناته ويسهر على علاجها، مهما تطلب الأمر، بينما الحكم الشمولي له آذان صماء ومشاعر متبلدة، لا يحس بمعاناة ولا يهتم بها».
وتابع: أن «قادة الانقلاب، قرأوا التاريخ بشكل خاطئ، ويظنون بأن البندقية ستحمي عرش الدكتاتور. لا يتعلم الطغاة الكثير من دروس أسلافهم». وعقب موجة من الانفتاح الاقتصادي، أوقف المجتمع الدولي، جملة من المساعدات والمنح للسودان تقدر بنحو 4.5 مليار دولار، بعد انقلاب العسكر على الحكومة الانتقالية، تضمنت مساعدات لتخفيف آثار تطبيق سياسات رفع الدعم على المواطنين. وفي ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة، تشهد البلاد انسدادا سياسيا منذ نحو عام، بينما فشل العسكر في تعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة، وملء الفراغ الدستوري في البلاد. ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري في البلاد، والمطالبة بالحكم المدني الديمقراطي، وسط دعوات للإضراب العام والعصيان المدني. وراح ضحية قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات الرافضة للانقلاب 117 قتيلا معظمهم بالرصاص، وفق إحصاءات لجنة «أطباء السودان المركزية» بينما تجاوز عدد مصابي الاحتجاجات 6000 حسب منظمة «حاضرين» الناشطة في علاج مصابي الثورة السودانية.
/////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم