تأمُلات
كمال الهِدَي
قبل بدء مباريات كأس العالم الحالية، عبرت عن أمنية بأن يستمتع الناس بكرة القدم الجميلة، وألا يكثر البعض من ضجيج تشجيع المنتخبات بحسب الرقعة الجغرافية أو الانتماء إلى أفريقيا أو المنطقة العربية؛ فكرة القدم لعبة للمتعة، ولا علاقة لها بمشكلاتنا ونواقصنا حتى نستخدمها كرافعة للشعور القومي المتدني أو لتعويض الصدق المفقود.
وبالطبع، ليس من حق أي منا أن يحدد للناس خياراتهم في التشجيع أو غيره، ولابد من توضيح حقيقة أنني لا أقصد بهذا المقال الناس العاديين، بل أعني المحللين والمعلقين الرياضيين.
فقد صدعنا العديد من محللي ومعلقي قنوات بي إن سبورتس بالحديث المتكرر عن الوقوف مع المنتخبات العربية والأفريقية، ناسين أنهم محترفون ويعملون في قناة يحصل الناس على خدمتها مقابل أموالهم، ومن حق المشتركين عليهم أن يقدموا لهم عملاً احترافياً بعيداً عن أي انتماءات.
فنحن نتحدث عن كرة قدم، لا عن سياسة ولا عن معارك دائرة بين الأمة العربية وغيرها من الأمم.
وما أستغربه تماماً هو كيف تسمح إدارة القناة لهؤلاء المحللين والمعلقين بعكس هذه الصورة الصبيانية عن قناة محترفة تبيع خدمتها للمهتمين مقابل مبالغ مقدرة.
فالأمر ليس مجرد إزعاج وكلام ممل يتكرر كلما لعب منتخب عربي أو أفريقي، بل هناك تأثير كبير في كثير من مشجعي الكرة العاطفيين، حيث يدفعهم هؤلاء المحللون والمعلقون إلى معاداة بعضهم بعضاً لمجرد أن فئة تميل إلى تشجيع منتخب أجنبي، بينما تساير فئة أخرى عصام الشوالي وخليل البلوشي وغيرهما في الافتراض الخاطئ بأن الانتماء للعروبة يحتم علينا الوقوف مع المنتخبات العربية، أياً كان منافسوها.
فللإعلام أثر بالغ في الناس، يا إدارة بي إن، ومن الخطأ أن يحول بعض منتسبيكم القناة إلى منبر سياسي أو ساحة معارك، بينما الأمر مجرد لعبة يُفترض أن يستمتع بها المشتركون، لا أن يتعاركوا حولها.
أزعجنا الشوالي كثيراً كلما لعبت تونس أو مصر أو المغرب أو السعودية، أما خليل البلوشي فقد أفرط في التطبيل لمصر ومنتخبها مع بدء مباراتها الأخيرة، إلى درجة دفعتني إلى التحول إلى المعلق الآخر، المصري علي محمد علي؛ لأنني بطبعي أكره التطبيل وأعتبره نوعاً من النفاق. وقد كان تعليق محمد علي، رغم جنسيته المصرية، أرحم بكثير من تعليق البلوشي.
والأمر لا علاقة له بكراهية هذا البلد، أو بعدم الفرح لانتصارات ذاك، كما يتوهم بعض الكتاب السودانيين الذين يدافعون عن مصر أكثر من دفاعهم عن بلدهم، ويكتب الواحد منهم عناوين مثل: “إلى الذين يكرهون مصر”، وغيرها. أعلم أنهم يريدون توسيع شعبيتهم وسط المصريين بمثل هذه الكتابات، لكنهم يدفعون السودانيين إلى كراهية كل ما هو مصري بهذا الفعل، وليس العكس، لو كانوا يعلمون.
أدرك أن العديد من الإعلاميين والمثقفين السودانيين يعانون من عقدة الدونية عندما يتعلق الأمر بمصر، وأنهم يرون أن موالاة مصر، بحق أو بباطل، تفتح لهم أبواباً أوسع، لكن ما يدهشني حقيقة هو أن يوجد محلل أو معلق في إحدى أكبر القنوات الرياضية، مثل بي إن سبورتس، ورغم ذلك لا ينفك ينافق المصريين.
وليعلم الكثيرون أننا لا نكتب ما نكتبه بسبب الموقف من مصر وتعاملها مع ملف السودان، فذاك شأن آخر عبّرنا عن رأينا فيه بكل وضوح، وإنما نعني أن يحترم البعض الاحترافية وأن يكونوا موضوعيين، وألا يقحموا الرياضة في أمور أخرى.
والغريب أن بعض المحللين المصريين، مثل أبو تريكة، الذي اختلفت مع بعض آرائه سابقاً، قدموا تحليلاً عملياً ومحترماً، حتى فيما يتصل بمنتخب مصر وتقدمه غير المسبوق إلى دور الـ16، ثم خروجه بعد ذلك، دون أن يحتاجوا إلى التطبيل أو التدليس، فلماذا ينافق الآخرون؟
kamalalhidai@hotmail.com
