لم تكن سيدة أبو الحسن من بين شهود ليالي الشعر الكثيفة الحفية بنزار قباني في مدينة الخرطوم. فقد أسرت الشاعر كتل السودانيين التي تنادت ووصفهم بأنهم أكثر العرب ذائقة شعرية وأنهم خرجوا إليه من الغابات "يتدلون من غصون الأشجار مثل عناقيد العنب الأسود". ولو لم يسبق الموت إلى سيدة في 1969 لربما كانت تدلت كرزة في أحد تلك العناقيد النزارية. وكان ما أودى بها اعتناقها لوثيقة من شعر نزار بشرت بحساسية مبتكرة للقلب والعقل والجسد طابقت حالتها وأسبغت الشرعية على تمردها.
في عام 1969 تزوج بكري البلول للمرة الثالثة. ولم تقبل سيدة الحسن، زوجته الأولى في الغالب لأنهاابنة عمه، منه هذا الاسراف وصممت على الطلاق منه. وينتمي بكري وسيدة إلى زعامة جماعة عربية سودانية في ولاية كردفان بغربي السودان وفَّرت لهما تعليماً مكن لبكري من وظيفة حكومية وأهَّـل سيدة للعمل حين التمست ذلك .
جاءت سيدة مع زوجها لحاضرة المديرية، الأبيض، لمناسبة عائلية. ثم تخلفت عنه في العودة بذريعة العلاج . وأرادت ببقائها في المدينة وضع أهلها والوسطاء ، الذين حالوا دون طلاقها من بكري مراراً وتكراراً ، أمام الأمر الواقع . وأهم من ذلك كله أنها استعصمت بالأبيض لتقترن، متى حصلت على الطلاق، بحمدون تاج الدين الذي تعرفت عليه في زيارة سبقت للمدينة، وتحابا، وتواصيا على الزواج. واتصلت رسائل عالية في العشق والشوق بين سيدة وحمدون. وهي الرسائل التي نظر فيها مولانا عثمان الطيب، قاضي الإستئناف وقتها ورئيس القضاء في الثمانينات ، وبنى حكمه على ضوء لهبها العاشق النادر .
ظل بكري ، الزوج ، يُلاحق سيدة لتعود إلى مدينتهم الريفية الصغيرة . وقد أكلت الغيرة قلبه بخاصة حين عثر على بعض رسائل حمدون العاشق في حرز أمين لها بالبيت . فاستجوبها عن دلالة هذه الرسائل فردت عليه بأنها مما تبادلته مع حمدون حين كانت طالقاً
منه ، وهو طلاق لم يدم في نظر الزوج لأكثر من ساعتين وتدراكه الأهل .
ظل بكري يلحف عليها في العودة . وعاب عليها أن تشتغل بوظيفة بالأبيض بغير مشورته . فكتبت له مدافعة عن حقها في العمل الذي هو "حق وواجب شرف" . وصارحته بضيقها وقرارها النهائي بمغادرة بيت مزدحم بالزوجات . وعطفت على نص من نزار قباني تستشهد به في في حرب استبشاعها لحياته الركيكة ، و شرهه الجنسي الذي لا يقيم للوجدان اعتباراً. وواتها نزار:
متى يا سيدي تفهم
بأني لست واحدة من صديقاتك
ولا فتحاً نسائياً يضاف إلى فتوحاتك
أيا جملاً من الصحراء لم يلجم
(النص كما هو في حيثيات القاضي لا الديوان) .
. كانت سيدة قد وطنت نفسها على فراق بكري بغير رجعة وأن تضع الجميع أمام طلاق بالأمر الواقع وبـ "ورقة" (عقد الطلاق) من مأذون شاعر: نزار. ولتصميمها على هذا الطلاق وجهان : أولهما أنها كتبت لبدوي، وهما معاً في حاضرة الإقليم، أنها سمعت صغار الحي يتحدثون عن حبهما . وواصلت تقول إن ذلك لم يحرك فيها ساكناً لأن حبهما لا ريب فيه وأنه مما تحميه الشجاعة لا المداراة .وثانيهما أنها ألغت بكري بالكلية ، حتى في حضرته ، فهو كأن لم يكن . فقد لحق بها في المدينة يريد ارجاعها فاستعصمت منه بصمت عظيم حتى وهو يقودها ليستقيل نيابة عنها عند مخدمها . ولما عادا للبيت الذي يأويهما في المدينة جلست معه في غرفة واجمة لا تنبس ببنت شفة . وحين استيقن بكري أن سيدة لن تعود معه إلى البيت استيقظ الوحش في ذاته لا "الإنسان" كما طلبت منه سيدة بناءً على قصيدة نزار :
متى تفهم ؟
متى يستيقظ الإنسان في ذاتك ؟
فأخذ مديته وطعنها طعنة واحدة أودت بحياتها للتو ثم طعن نفسه غير أنه لم يمت .
قامت استراتيجية الدفاع عن بكري على دعوى اقترافة الجريمة تحت تأثير استفزاز شديد مفاجئ نجم عن اكتشافه للعلاقة العاطفية التي ربطتها ببدوي . وقد نقض مولانا عثمان الطيب هذا الدفع بقراءة ميسرة لمسلسل الرسائل بما فيها من وقائع وشعر . وانتهى إلى أن سلوك سيدة مما يستفز الشعور حقاً ولكنه استفزاز خلا من الشدة والمفاجأة وهما الركنان اللذان لا يستقيم دفع الدفاع إلا بهما . فقد صح عند المحكمة أن بكري قد قرأ طرفاً من الرسائل قبل أن يبلغ حاضرة الإقليم ، واستفسر عنها ، مما يحرمه من ذريعة عنصر الشدة والمفاجأة في الحكم. وأيد مولانا عثمان الطيب حكم الإعدام الذي قضت به محكمة الموضوع .
لم أملك إلا التوقف عند نقد عبد الله الغذامي لنزار بخاصة حين وجدته يرجع إلى نفس أبيات الشاعر من قصيدة نزار "الحب والبترول" التي استشهدت بها سيدة واستشهدت عند عتباتها المقفاة. فالغذامي لا ينكر على نزار فضاء الحرية الذي حلقت فيه سيدة بعزيمة من "الحب والبترول" فحسب بل يعده ممثلاً كامل الدسم لنسق الاستفحال العربي. فما أنكسر هذا النسق في شعر نازك الملائكة وشخصها في 1947 حتى انتخب ذلك النسق نزاراً ليعيد المرأة إلي بيت الطاعة: "متعيّة" عقلها مغيب وجسدها مستباح للفحل. وأعانه الجمهور الحاشد المصفق في حملته التأديبية دفاعاً عن الفحولة العربية. وجاء على ذكر ابيات "الحب والبترول" في نقده للشاعر وقال إنه مارس بها "الإيذاء الثقافي" تجاه الخليجين بخلطه بين نقد سياساتهم النفطية وبينهم هم كمجتمع وبشر. وتساءل الغذامي عن مبرر التهكم بالخليجي لركوبه الجمل : أيا جَمَلاً من الصحراءِ لم يُلجمْ.
ربما شهدت واقعة سيدة القتيلة بإيذاء واقع على المرأة العربية فات على الغذامي فظلم نزاراً. فقراءة سيدة ل "الحب والبترول" مثل فريد وتراجيدي على ما أذاعته مدرسة نقاد استجابة القاريء. فالقصيدة عندهم ليست موضوعاً ولا حقيقة إلا بعيش القاريء لها نشطاً في التاويل صانعاً مجتهداً للنص. وليس أدل على ذلك من "تطفلها (سيدة) الخلاق" حين جبهت زوجها بهذا البيت من نزار:
كهوف الليل في باريس قد قتلت مروءاتك
ولم يسعها هنا إلا التدخل بالطبع في النص لتستبدل "باريس" باسم المدينة الريفية الصغيرة التي عاشا فيها . وهذا استئثار بالنص بلغ غايته القصوى ذللته القارئة سيدة ليُعبِّر عن أوجاعها والحرائق.
ربما ظلمنا نزاراً بنقد النص لا بشهادة حرائق القارئة . . . واستشهادها.
* نص حيثيات القضية منشور في مجلة الأحكام القضائية السودانية لعام 1970. والأسماء لعناصر التراجيديا من وضعي.
IbrahimA@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم