مجاهدة النفس والعقل في غياب الذاكرة

مجاهدة النفس والعقل في غياب الذاكرة
غداً… يا ترى هل ننسى؟

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

كنت هناك، في الخرطوم، قبل سنوات ثلاث وشهرين من تاريخ اليوم . بصحبة ابننا “المهندس” خالد الطاهر عبدالمحمود، الذي أخذني مشكوراً في جولة للتغيير من الروتين اليومي. اعتبرتها ترفيهية، وسياحية في عدد من دور الثقافة والفنون على رأسها المركز الثقافي الفرنسي. كان الجو حاراً في الخارج، لكننا ما إن دخلنا في ختام الجولة غاليري “داون تاون” الأنيقة (لا تتجاوز ثلاثة أو اربعة في المدينة كلها) غمرتنا نشوة الاستقبال والاندهاش فنسينا تضجرنا المصاحب من وهج الشمس الحارقة.

اللوحات الفنية الجميلة معظمها متوسطة الحجم، كانت تزين الجدران بهدوء. كانت بالألوان الرائعة، الزاهية، وكأنها تحتضن حياة ترفض الرحيل. وقليل منها كان بالأبيض والأسود… كانت تلك القليل تنظر إلينا بصمت ثقيل، وكأنها ترى ما لم نره نحن بعد. كأنها ترسم ملامح غدٍ قادم بلا ألوان. كان الجو الداخلي يغمره الهدوء وحضور الذات، وكأنه دعوة ودية للعقل كي يتأمل في فحوى ذلك الكم المعتبر من المجهود والإبداع، الذي بُذل في مناخ يصعب فيه حتى العيش.

ورغم العنوان الفلسفي للمعرض “غياب الذاكرة”، وجدت نفسي في تلك اللحظة أستعيد فجأة ذاكرتي التي غابت عني منذ أن تركت المدرسة الثانوية. فتتبعت خطوات الفرشاة وهي تسير بالمتلقي بمهارة فائقة ومريحة إلى عوالم سرمدية في أعماق تخوم السماء.أدركت وقتها أن الذاكرة هي روح الحياة. لا نعيم في الحياة بدونها، ولا حب للوطن ولا انتماء لأرض الجدود يرتجى في غياب الذاكرة. وكطبيب، أعلم أن تشخيص غياب الذاكرة ليس مجرد كلمة يطلقها الناس (كوصف “خرف” جزافاً)، بل هو مسؤولية علمية وقانونية لا يقررها إلا الطبيب. في عياداتنا نواجه يومياً أسراً تخلط بين النسيان العادي والمرض، بين الشيخوخة الطبيعية والفقدان الحقيقي للذاكرة.

ثلاث سنوات وأشهر مرت على تلك الزيارة.

في كل صباح باكر، وقبل أن افتح عيناي على نور النهار الخافت البارد في هذه البلاد البعيدة، يكون قلبي قد سبقني بسرعة هدهد سليمان إلى هناك. إلي البيوت والشوارع وكل ربوع بلادنا الحبيبة. إلي عاصمتها عند ملتقى النيلين. أستيقظ أنهض متثاقلا من فراشي وكالعادة الحزن يغمرني وقلبي ينفطر. يحترق على جمر نار وطني الضائع. يحترق على ذكرياتنا وتراثنا وعواطفنا وممتلكاتنا وبيوتنا التي مُحيت من الوجود. استبيحت بأيدٍ قذرة، ونفوس شيطانية لم تعرف قلوبها رقة العاطفة والحب. لم تعرف نعمة التأمل العميق في كنه الحياة والوجود ونهاية رحلة الحياة. هذه الأيدي والعقول الشيطانيّة الظالمة والقلوب القاسية، ليتها أفاقت من غفوة جهلها بل غياب ذاكرتها الإنسانية وتوحش حيوانيتها. لا رحم الله كل نفس أمارة بالسوء بجميع ألوانه ونوعه وكميته وكيفيته.

مع كل هذا الدمار والنهب والسلب والقتل والفقر الذي لا تزال تعيشه الأقاليم البريئة بسبب هذه الحرب اللعينة، أيُّ حاضرٍ حلوٍ سينعم به السودان المكلوم الآن، وأيُّ غيبٍ أحلى لغد ينتظر؟

الفاتحة على كل روح فقدت، وعلى كل شيء، بل وطن بكامل موروثاته وتراثه التاريخي قد ضاع.
اللعنة على كل من تسبب وساهم في هذا الخراب والتشريد والموت والقهر وفقدان الغالي والنفيس.

وغداً يا خلي… نصحو نحن المشردين في بلاد تموت فيها الحيتان من الصقيع. نصحو وغيرنا النازحين لنجد حالنا لم يتغير، بل صار أسوأ، طالما لا بارقة أمل نراها، تحدونا بعودة السلام والأمن. الحرب للأسف الشديد قد تجاوزت عامها الثالث ولا زالت غصباً عنا مستمرة. صرنا نفتقد روعة أيام زياراتنا السنوية وحميميتها من أوروبا إلى الخرطوم وأقاليم الوطن الشاسعة وجميلة . فلكل زيارة ولقاءات مع الأهل والأصدقاء كانت النعم الأخرى وكثيرة وراحات النفسٍ تعمنا وتحتضننا، وحكايات جميلة ممتعة تجمعنا في حلقات أنس لا تعوض.

كانت في “المواسم” الأعياد وليالي رمضان العامرة تجمعنا بكل ما يطيب، من موائد وصلوات وذكر ومديح. وكان في لعب الأطفال من حولنا وضحكهم تلقائيات بريئة تحيا وتنتعش بروحها البيوت والحيشان، وكنا على محمل الصدق نظن أن للأبد نعيم الدنيا كله، سيظل عنواناً ساطعاً نباهي به نجوم سماء الخرطوم. لكن الريح العبوس هكذا عصفت بنا وبكل آمالنا التي كانت أكبر مساحة من عرض وطول الدنيا.
يا صحابي في الشتات، ويا صحابي واشقائي في الفردوس الأعلى، آه من جرح عميق لا يبرأ.

هل يارب… بعد كل هول المعاناة، ننسى؟
وهل لا نأسى على أمس تولى؟ أم أن غياب الذاكرة الذي تحدث عنه المعرض، هو نفسه ما ينتظرنا في غدٍ بلا وطن؟

هامش:
شكراً للأستاذ المصور – التشكيلي، عصام عبدالحفيظ، الذي سمح لي ولغيري بتلك الزيارة، وبأن أشارك لقطات مختارة من معرضه الرائع “غياب الذاكرة”، الذي زرته في يناير 2023 بغاليري “داون تاون” الأنيقة وقتئذ. لا أحد يدري ما ذا جرى لها بعد ذلك من خراب. رحم الله أياماً حلوة مضت، ووطناً جميلا كان. رحمة الله ومغفرته بفضل هذا الشهر الكريم على والدينا وكل أحبابنا الذين رحلوا.

Alarabi AA March 2026 © ،Sudanile

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …