طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com
علاقة كل من ريموند ارون و مارسيل غوشيه بمشروع عمانويل كانط النقدي علاقة لا تحتاج لدليل. ريموند ارون عندما ضاق بمنهج أستاذته في فرنسا و ركونهم الى أفكار الوضعية المنطقية في وثوقياتها و حتمياتها و يقينياتها في فكر كل ماركس و أوجس كونت وجد ملاذه الفكر الآمن في فكر الفلاسفة الألمان و خاصة عالم الإجتماع ماكس فيبر و إرتكازه على أفكار النيوكانطية أضف الى ذلك فكر كل من دلتاي و ادموند هوسرل و جورج زيمل.
للتوضيح إكتشاف ريموند ارون لفكر علماء الإجتماع الألمان لكي يتخلص من كساد الفكر الفرنسي الذي هيمنت على أفقه أفكار ماركس و أوجس كونت كان هذا قبل قرن من الزمان. حالة كساد الفكر في فرنسا قبل قرن من الزمن و هيمنة أفكار الوضعية المنطقية على أفقه تشبه حال خضوع أفق الفكر السوداني الى الثقافة العربية الإسلامية التقليدية الآن فهل من وجود لريموند ارون سوداني يكسر هذه الحلقة الشريرة و يشب عن طوقها؟ كما فعل ريموند ارون في فرنسا و إنتقد خنوع أساتذته و قدم فكر جديد قد أصبح يمثل آفاق فلسفة التاريخ الحديثة في فرنسا و أخرجت الفكر من دائرة اللف و الدوران في تاريخ الفلسفة الى آفاق فلسفة التاريخ.
أما مارسيل غوشيه فنجده في إعجابه بفكر ماكس فيبر إرتكز على فكرة زوال سحر العالم أي أن تاريخ الفكر الديني قد خرج و لم يعد له دور بنيوي على صعد الإجتماع و الإقتصاد و السياسة. لذلك يعتبر ماكس فيبر قاسم مشترك لكل من ريموند ارون و مارسيل غوشيه في تركيزه على تحليل ظاهرة المجتمع البشري و فيها يصبح الدين نفسه ظاهرة إجتماعية و منها يقدم مارسيل غوشيه التاريخ السياسي للدين الى أن أصبح الدين نفسه في مستوى دين الخروج من الدين كما يوضحه في تاريخ المسيحية و نصوصها. و يكشف مارسيل غوشيه كيف ظهرت الرأسمالية و الفكر الليبرالي و عنده أن الرأسمالية ليست أب التاريخ بل هي إبنة التاريخ و هنا يستفيد مارسيل غوشيه من أفكار ماكس فيبر فلسفته و حديثه عن عقلانية الرأسمالية.
عليه فقد أصبح عمانويل كانط المظلة التي يستظل تحتها ثلاثتهم أي ريموند ارون متأثرا بماكس فيبر المتأثر بأفكار النيوكانطية و كذلك مارسيل غوشيه و هنا تظهر أفكار كانط و إنتصاره للنزعة الإنسانية في سؤاله من الإنسان؟ و كذلك في إجابته على سؤال ما التنوير؟ و في إجابته على سؤال ما التنوير يؤكد لك عمانويل كانط على ما ينبغي أن تفعله أي أن تخرج من الأقلية التي تنتسب إليها و عندنا في السودان ما أكثر الإنتساب الى الأقليات مثل إنتساب النخب الى أقلية المرشد الكيزاني و أقلية الإمام الأنصاري و أقلية الختم و كذلك الإنتساب الى أقلية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني و هي تفكر بدلا عنك فهل حان في السودان زمن الخروج من الأقليات التي ينتسب إليها النخب السودانية مثل أحزاب وحل الفكر الديني و الإنتماء الى أقلية المركز و الهامش و غيرها من الأقليات التي تفكر بدلا عنك و تحجب عنك أفكار عقل الأنوار؟
لا شك في أن هذه اللحظات آتية لأن تاريخ البشرية قد أصبح تاريخ مشترك و تاريخ واحد للبشرية كافة بعد الثورة الصناعية لذلك من الأفضل للنخب السودانية أن تعجل بالخروج من الأقليات التي تنتسب إليها و يكون ذلك نتاج عمل واعي و هادف بدلا من أن يكون نتيجة تفرضها علينا حركة تقدم البشرية.
نرجع لمحمد أركون و علاقته بعمانويل كانط و تفكيره في فكر النزعة الإنسانية و لأسباب كثيرة نجد أن فكر محمد أركون رغم تقدمه على فكر محمد عابد الجابري إلا أن أغلب النخب السودانية كثيرة الإحالات لفكر محمد عابد الجابري و السبب أن قرب عقل النخب السودانية من الفكر الأصولي ما يجعلهم من محبي فكر محمد عابد الجابري ننبه لذلك لأن فكر محمد عابد الجابري ليس فكرا إنعتاقي كفكر محمد أركون و بالمناسبة ينبه هاشم صالح تلميذ محمد أركون دوما الى الفارق الهائل بين فكر محمد أركون و فكر محمد عابد الجابري.
لاحظ كثر أن كتاب محمد أركون نقد العقل الإسلامي فيه و من العنوان كأنه يحيلك الى كتاب كانط أي نقد العقل المحض و حديث محمد أركون عن الإسلاميات التطبيقية و تجاوز الإسلاميات الكلاسيكية إحالة الى أنثروبولوجيا كانط التطبيقية و فعل قطيعتها مع اللاهوت و الأنثروبولوجيا الكلاسيكية و فكرها السابق لأنثروبولوجيا كانط التطبيقية في تشيدها لفكر في حدود عقلنا البشري و بعيدا تهويمات رجال الدين و شطحاتهم. لذلك في إسلاميات محمد أركون التطبيقية نجد فكره تجسيد لكتاب عمانويل كانط الدين في حدود مجرد العقل. أهمية أفكار محمد أركون و إطلاعه على فكر كانط هي التي خلّصته من الترقيع و التوفيق الكاذب مثل ما نجده عند النخب السودانية و خاصة في فكر محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدنية و قد خرج منه بعلمانية محابية للأديان و هو يقلد أستاذه عبد الخالق محجوب في بحثة لدور للدين في السياسة السودانية و هنا أقارن عبد الخالق محجوب بمحمد أركون لأنهما أبناء جيل واحد فكيف طور محمد أركون منهجه و ذهب الى نزعة كانط الإنسانية و ظل عبد الخالق محجوب حبيس دين بشري متمثل في الشيوعية التي عافتها نفوس ورثة عقل الأنوار؟
المهم في الأمر و نحن وسط ركام فكر النخب السودانية عزاءنا رغم الإحباط نجده في جهود عبد الله النعيم الفكرية و دعوته للعلمانية و الفكر الليبرالي و سوف يكون فكره بذرة النزعة الإنسانية في السودان. بالمناسبة جهود عبد الله النعيم الفكرية التي تفتح على الليبرالية و العلمانية هي شبية بفكر محمد أركون و ليست شبيه بفكر محمد عابد الجابري و هذا للتوضيح إذا ما قارنا فكر محمد أركون بفكر محمد عابد الجابري.
نرجع لمارسيل غوشيه و تحليله و شرحه للفكر الليبرالي و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد فهو يؤكد بأن فكرة العقد الإجتماعي فيها إنتصار للفرد و تتجسد في علاقته بالدولة مباشرة و من هنا تتأتى فكرة العيش المشترك لمجتمع متقدم من أفراد.
و فكرة إنتصار العقد الإجتماعي للفرد فيها إنتصاره أي الفرد و خروجه من الأقلية التي ينتسب لها و هنا يلزمنا التنبيه و هو أن العقد الإجتماعي هو تحرير الفرد من إنتسابه لأقلية متوهمة مثل أقلية الغابة و أقلية الصحراء و أقلية الهامش و و أقلية المركز و غيرها من أوهام الهويات القاتلة و دخوله في حيز الحريات و مجد العقلانية و إبداع العقل البشري نتاج الفكر الليبرالي و عليه يجب الإهتمام بأدب الحريات الفردية و ليس أدب الهويات و الإنتماء الى الأقليات و هنا يصير أدب الحريات في الفكر الليبرالي و إنتصاره للفرد روح الديمقراطية التي قد أصبحت بديلا للفكر الديني.
و هنا ننبه الى أن مبادرة الرباعية لإيقاف الحرب العبثية في السودان و خاصة بعدها المتمثل في إبعاد الكيزان من المشهد السياسي السوداني يظهر فيه جهد أمريكا في فهمها للتحول الديمقراطي و هو فيه إنتصار للحريات الفردية التي تتأتى من التحول الديمقراطي في السودان و لولا ضغط أمريكا على مصر لما تركت مصر أي فرصة لكي تسد منافذ التحول الديمقراطي في السودان.
و ها هو التاريخ يطلعنا على هزيمة خطاب الإسلام السياسي في حماس و هي تجرد من سلاحها و تبعد من الفعل السياسي و كذلك حزب الله في لبنان أما إيران فقد رجعت لداخل إيران و هي تجر أذيال هزيمة الخطاب الديني و ببيان الرباعية التي تقف خلفه أمريكا ها هي الحركة الإسلامية السودانية تتجرع كأس السم بإبعادها من مستقبل الفعل السياسي في السودان كما أبعدت حماس من الفعل السياسي فيما يتعلق بالقضية الفلسلطينية.
أما السعودية فمنذ تولي ولي العهد السعودي فقد أبعد رجال الدين من دائرة الفعل الإجتماعي و قال أن مع رجال الدين بهم و فكرهم لا تكون هناك إمكانية تنمية إقتصادية و إزدهار مادي و لا يمكن أن تكون هناك حداثة و هذا يدل على أن عهد و زمن الخطاب الديني التقليدي قد ولى بلا رجعة و قد إنفتح الطريق الى ظهور الأنثروبولوجيا التطبيقية التي تعمل القطيعة مع التراث الديني التقليدي فأننا في زمن الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس كما يقول فولتير و عليه فقد إنفتح زمننا على ما بعد خطاب الصحوة الإسلامية و ما بعد فكر الإحياء الديني التقليدي و ها هو الطريق ينفتح على تاريخ الحريات التي يجسده الفكر الليبرالي و ليس تاريخ الهويات القاتلة.
و هنا وجب التنويه الى أن الكيزان السودانيين ملحاحين كالذباب و سوف يحاولون بألف حيلة و حيلة عرقلة التحول الذي يبعدهم من المشهد السياسي و عليهم أن يتذكروا بأن الكاثوليك كانوا مثلهم بفكرهم الأرثوذكسي يظنون أنهم يلعبون دور في التحول الفكري في فرنسا إلا أن التاريخ قال فيهم كلمته و مضوا في طي النسيان و بقى فكر توكفيل و هذا حدث قبل قرنين من الزمان.
لذلك لا تنخضعوا بأن هذه المجموعة من الإسلاميين قد إنتقدوا تجربة الحركة الإسلامية في السودان و الكل قد شاهد رجوعهم كيزان كاملي الدسم بعد إنقلاب البرهان و حربه العبثية و حتى المحبوب عبد السلام بعد بيان الرباعية و إبعاده للكيزان قد عاد الى لغة مدح التيار الإسلامي و أنه تيار لا يمكن تجاوزه رغم أنه يتظاهر بأنه إنتقد الحركة الإسلامية إلا أنه كان آخر مفكر إسلامي فرّغ لمدح كتاب الترابي الأخير رغم أن محمد أركون قد وصف الترابي بأنه إسلامي تقليدي و أن كتبه كتب تقليدية و ها هي الأيام و بيان الرباعية يثبتان صحة حكم محمد أركون في تقيمه للترابي و كتبه و من فرّغ لتسويقها كالمحبوب عبد السلام.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم