محمد المهدي المجذوب: عكفت على كتابة الشعر دهراً طويلا وجعلته كل همي

محمد المهدي المجذوب: عكفت على كتابة الشعر دهراً طويلا وجعلته كل همي، ثم ثبت لي أنني أهملت أشياء أهم من الشعر، كالبحث عن مأوىً أبنيه وأسكن إليه
لقاء إذاعي في العام 1980م

تفريغ صوتي وتحرير طفيف: الوليد محمد الأمين

هذه المقابلة هي تفريغ صوتي مع طفيف تحرير، للقاء إذاعي مع الشاعر محمد المهدي المجذوب، أجري في الإذاعة السودانية في برنامج (صورة وإطار). أجرى اللقاء الأستاذ أحمد عبد المجيد، وذُكر بعد نهاية الحلقة بصوت مذيع آخر أنها سجلت في العام 1972، بينما في داخل الحلقة أشار الأستاذ أحمد عبد المجيد انها تسجل في بدايات العام 1980. وقد توفي الشاعر المجذوب في مارس من العام 1982م.
الحلقة الصوتية متوفرة على اليوتيوب تحت عنوان (صورة واطار مع الشاعر محمد المهدي المجذوب ١٩٧٢م)، في قناة (تسجيلات وبرامج إذاعية).
https://www.youtube.com/watch?v=ANGRVprzz9g

محمد المهدي مجذوب اسم في عالم الشعر له بريقه وله مكانته، فهو يحتل في خريطة الادب في هذا البلد مكانا ممتازا كما يحتل في قلوب محب الشعر مكانا اكثر امتيازا. ونحن نسعد بلقائه ونرحب به. مرحبا بك يا أستاذ محمد.

أهلا وسهلا، وأشكرك على هذه التحية الطيبة وعلى حسن ظنك بي.

الحقيقة (إن) الكلام عن الشعر هو حديث ذو شجون، والتساؤل الذي يطرأ على ذهن المستمع هو: أين محمد المهدي المجذوب الان؟

الحقيقة، لقد انقطعت عن الشعر زمنا ليس بالقصير. وقد شغلتني عنه المشاكل والتلاتل. وقد انقطع وارده- أو مدده، كما يقول سادتنا الصوفية. ولذلك أضربت عن كتابته وانصرفت إلى ما هو أجدى عليّ في العيش.

وهل يستطيع الشاعر أن يهجر الشعر؟

إن الشاعر قد يكتب عليه هجران الشعر. فالأصل في أمر الشعر أنه فن صعب ويحتاج إلى تفرغ كامل ومثابرة وقراءة وامتزاج بالناس، ثم يتلو ذلك خلوة نفسية يعبر فيها الشاعر عن كل ما شاهد في حياته. ويكون بذلك أمينا غاية الأمانة، بالغا قدرا ما من تجويد الفن، مجددا له، باحثا عن تعبير يطبعه بطابعه الشخصي. فإذا لم يُيسر له الاستمرار في هذا الفن الصعب، فإنه يكون صاحب بالين، وكما نقول في المثل “صاحب بالين كضاب”. ولا يستطيع الإنسان أن يضحي بعيشه من أجل الشعر. فظروفنا الاجتماعية هنا لا تجعل من الشعر وسيلة للعيش، وإنما هو شيء جانبي نتناوله كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

يقال إن الأستاذ محمد المهدي مجذوب يتكلم عن شعره الذي كتبه في دواوينه بشيء من الندم، ولا يريد- أو لا يحب، التحدث عن الشعر. نريد أن نعرف سبب ذلك. هل هذه القضية هي حقيقة أولا؟

هو صحيح. هنالك شيء من الأسف والندم. فقد عكفت على كتابة الشعر دهراً طويلا وجعلته كل همي. ثم ثبت لي أنني أهملت أشياء أهم من الشعر، كالبحث عن مأوىً أبنيه وأسكن إليه، ومثل هذه الاشياء التي أصبحت ضرورية جدا. ودار الزمن أو الدنيا حولي وأنا اكتب الشعر، والتفت ذات يوم فإذا الدنيا من حولي قد تغيرت وأنا في خلوتي مع الشعر. فندمت على هذا الوقت الطويل. ولو كنت استثمرت وقتي في أي عمل آخر لكان لي فيه غنى وبسطة في العيش.

لعل الأخوة المستمعين يستشعرون شيئا من الدهشة في هذه الإجابات من الأستاذ محمد المهدي مجذوب، ولكن هذا المدخل الغريب سيجعلنا نصر على الغوص في عالم الشعر. فقد كرّمت الدولة الأستاذ المجذوب بمنحه الجائزة التكريمية. ألا يرى في هذا التكريم نوعا من مدّ البساط أمام الشعراء والأدباء لكي يقدموا مزيدا من الإبداع؟

ما في ذلك شك. ولكنني كنت أود أن يُكرّم الشباب وهم مقدمون على العمل الأدبي. فالتكريم في هذه الحالة أعون لهم على الاستمرار. وأما أن يكرم الشاعر بعد أن يشيخ، وبعد أن تثقل عليه أعباء الحياة، فإن هذا لن يكون له فرق كبير. فهو قد همد فعلا
وكُرّم على أعمال سلف له أن قام بها.

السؤال هو: عملية التكريم في حد ذاتها، أليست هي دافع للمزيد من العطاء عند الشاعر الذي كما عبرت، همد، لكي يبعث من
جديد؟
والله أنا أعتقد أن الموهبة لها حدود. كثير من الناس يقولون- وهم لا يعلمون بالطبع، أن بؤس الشاعر قد يرهف من موهبته. ولكنني أشعر، أن المحن، خصوصا الضيق المادي، تقتل الموهبة. والذين يزعمون أن الفقر والعوز والضيق ترهف موهبة الشاعر إنما يعتبرونه كأنه ليس له احساس بالقلاقل التي تبهظه وتسحقه في نفس الوقت وتجرده من كل احساس آخر. وقد ذكرت في مقدمة ديواني “نار المجاذيب”، أن دم الشاعر عند بعض الناس من المشهيات. وهم يزعمون أنه يستمتع بهذا الفقر وبالاضطرابات النفسية الداخلية، وأنه يبدع في هذه الحالة. فهو كأنه عندهم مجال للتسلية. من غير أن ينظروا في حقيقة أمره. ولذلك أعيد القول بأن الشعر، وأن الموهبة، لا تنمو إطلاقا أو تستمر، أو يثابر صاحبها على تنميتها والبلوغ بها إلى الغاية، إلا إذا توفرت لها الظروف الملائمة، من تفرغ وقراءة واختلاط بالناس، وانصراف كامل إلى التعبير حتى يصل بها صاحبها إلى ما يرتجيه من امتياز.

يعني في رأيك أن الشاعر (ينبغي أن) يكون محترف شعر فقط؟

نعم. في البلاد المتقدمة تجد أن الشاعر يعيش من الشعر. غيره من أصحاب الصنائع يعيشون من صناعاتهم. أما هنا فإنك لن تستطيع أن تعتمد على الشعر في حياتك اطلاقا. وعليك أن تبحث عن عمل تأكل منه العيش أولا، ثم تنصرف إلى الشعر إذا وجدت له وقتا. وهذا بالطبع فيه إضعاف للشعر، لأنه أصبح هنا أمرا ثانويا، ليس شيئا يجب أن نأخذ أنفسنا به.

نقترب أكثر من الصورة من خلال شعر شاعرنا الكبير محمد المهدي مجذوب، ونقول إنه يمتاز، أي يمتاز قاموسه الشعري، بإشراق الديباجة، وحرارة اللفظ، والغوص في المعاني بعمق ينم عن أصالة في هذا المجال. لعل التربية السابقة للأستاذ المجذوب أثرت على نصوع هذا الشعر نحو الأفضل. نتكلم عن دور الخلوة في تكوين شخصية المجذوب.

من الملاحظ أن كل أدبائنا الذين بدأوا بالخلوة هم أقدر على البيان. لانهم يبدؤون هنالك بقراءة القرآن وحفظه وترتيله طوال يومهم في الصباح، يعرضون ألواحهم على الشيخ. وفي المساء يعيدون عليه ما حفظوا. وهكذا فإن موسيقى الكتاب الكريم والإعجاز في تعبيره تعطيهم ملكة البيان والبلاغة. والخلوة بهذا هي مفتاح الفصاحة، وهي لا تعطي القرآن فقط، وإنما تفسره وتردفه بشيء من العربية أو علوم العربية، لأنها مهمة جدا لفهم القرآن وللأساليب العربية في غير كتاب الله عز وجل، كالشعر مثلا في مختاراته العظمى من الشعر العربي أو من شعر المتصوفة. وشعر المتصوفة بالذات فيه أعماق وفيه ذوق رفيع. وكل من ينشأون أو كل من نشأوا على هذه التربية الفقهية الدينية العربية أكثرهم من المحسنين. وكنت أود أن يعود شبابنا- وهم لا شك افضل منا موهبة، والثقافة مبذولة لهم الآن (إلى ذلك). ولكنهم حينما يبدأون من نزار قباني أو نازك الملائكة أو بدر شاكر السياب، فهم في مثل هذه الحالة يكونون محدودون. بمعنى أنهم يقلدون هذه الضروب الجديدة من الشعر من غير أن يكون لهم نسب عريق في اللغة العربية. وذكرت قبل هذا أنني أعتبر هؤلاء مدرسة تقليدية ثانية، ولعل الذين سبقوهم من المشايخ وأجاد تقليد القصيدة العربية المقفاة أفضل منهم، على أنهم كانوا تقليديين. ونزار قباني وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وغيرهم من المجددين- صلاح عبد الصبور، لم يفترعوا هذه الأشكال الجديدة أو هذه المعاني الجديدة في شعرهم، إلا بعد أن تمكنوا فعلا من قراءة الشعر العربي المأثور قراءة عميقة مكنتهم من افترا ع هذه المشارب الجديدة والمذاهب المستحدثة في شعر العرب في أيامنا هذه. أضيف إلى ما ذكرته هو أننا قد تأثرنا شيئا ما في مطالعتنا في الآثار الغربية، ولم يكن لنا عنها محيص. ولم نقرأ هذه الآثار في المدرسة، لأن المدرسة ما كانت تهتم بتثقيف الطلاب، وإنما كانت تخرجهم ليعملوا في المكاتب. وقد كان تحصيلنا في هذه الناحية خاصا. وقد بُهرنا كثيرا جدا بالأدب الغربي. وأنا شخصيا قرأت (تشارلز) ديكنز في وقت مبكر وأعجبت به إعجابا شديدا. ومن القصص شيء كثير جدا قرأته. وأشعر أنه أثر فيّ إلى درجة ما. وقد شاركني في هذا أبناء جيلي الذين ظهروا في أواخر الثلاثينات والأربعينات إلى الستينات، وأحسبهم قد سكتوا بعد ذلك مثلي.

هذه الملامح عن تكوين شاعرنا محمد المهدي مجذوب تعطي دلالة حول التكوين الأولي لهذا الشاعر، فالخلوة بما تقدمه من أصالة متمثلة في القرآن الكريم والنماذج العليا من الشعر، ثم أضاف الى ذلك قراءة ديكنز وما يأتي من التيارات الغربية قراءة بفهم ووعي. كل هذا كوّن شخصية محمد المهدي مجذوب بتكوينه الشعري الناصع وديباجته المشرقة. نقترب أكثر من الصورة ونلمس قصيدة المولد، التي تعتبر شاهدا حيا على أصالة هذا الشاعر. فهذه القصيدة بما تحويه من لوحات مختلفة الألوان والظلال، جعلت المرء يستشعر فعلا وهو يستمع إلى هذه القصيدة، أنه يقف في ساحة المولد ويستمع ويلمس بيديه ويرى بعينيه كل ما يجري في ساحة المولد. نريد ظلالا حول هذه القصيدة.

الحقيقة (أن) للمولد في نفسي أثر قديم جدا. وكل الطبول التي أصفها والذكر، هو من طريقة القادرية، تلاميذ العارف بالله الشيخ الجعلي. نحن في الدامر أو المجاذيب طريقتنا شاذلية، وهي ذات أوراد وليس لها طبول أو ذكر بهذه الطريقة التي يشهدها الناس في المولد. فقد كنت صغيرا لا أجلس مع الساده الشاذلية لنقرأ المولد أو ننشد من شعر فقراء المجاذيب، وإنما كنت أميل الى
حلقة الذكر وأشاطر الناس في هذا الرقص العنيف منذ أن كنت صغيرا. ثم كتبت هذه القصيدة، وهي تصور مشاهد كبيرة من المولد. ولم اجد عسرا في كتابتها لأنها كانت مكنونة في نفسي، وقد جاءت بشكلها الذي سمعتموه. وقد كنت عرضتها أول الامر على شعراء كبار من أبناء جيلي- وكانت لي تلك عادة: أنني أعرض شعري على من يفهمون الشعر، ولأن نشر الشعر أمر ذو بال وذو خطر، ونوع من المجازفة يعني. ولذلك حينما عرضت عليهم هذه القصيدة عند نظمها استخفوا بها، وطلبوا إلي أن أعود وأكتبها مقفاة. فقلت لهم أنني لا أرى وجها لهذا، فالمشاهد والحركة التي في المولد ينبغي أن تكون بالشكل الذي كتبت عليه هذه القصيدة الطويلة. ثم تأثرت بنصحهم فكتمتها. وأثير كلام كثير عن الشكل الجديد، وما كنت أحسب أنها شكل جديد. ولكنني ذهبت ذات مرة إلى الندوة الأدبية التي كان يرأسها صديقنا الأديب الكبير عبد الله حامد الأمين، وكان هنالك شبان كثيرون فقرأت عليهم هذه القصيدة فاستحسنوها جدا. وكان الأخ الفنان الكابلي موجودا فلحّن جزءً منها. وظلت الإذاعة تذيعها دهرا طويلا، وأنا أحمد الله على أنني علمت أن هذه القصيدة جيدة وأن الناس استحسنوها.

قصيدة المولد كما كتبتها لُحنت وغنيت ولاقت استحسانا كما قلت. الأغنية في حد ذاتها، الأغنية السودانية: يقال أن هناك أزمة كلمة، فمستقبل القصيدة الشعرية كأغنية، كيف تراها؟

والله هذا سؤال مهم جدا. والحقيقة أنني أسمع كثيرا من الأغاني وليس لها أثر في نفسي، فكلها متشابهة. هنالك كثير من الشعر العربي يمكن أن يغنى، ولكنني أقول بصراحه شديدة، وإن كان الصراحة توصف أنها نمر- يعني يفترس صاحبه في الأغلب الأعم، إخواننا المطربون يعطون أنفسهم حق اختيار الأغاني، وأنا أظنهم ما وصلوا (بعد) للمستوى الثقافي الذي يمكنهم من اختيار الكلام الجيد. كذلك شعراء هذه الأغاني يتأثرون كثيرا بالأغنية المصرية في السينما ويأخذون منها السهل الميسور. ولذلك فأنا أنظر باحترام شديد للشعراء الكبار، كأستاذنا الشيخ ابراهيم العبادي، فهذا رجل مثقف ثقافة كبيرة، وقد قرأ في الشعر العربي قراءة جيدة، ولذلك جاءت أغانيه سليمة. وهذا ينطبق على الذين عاصروه من الشعراء. ولا عجب أن يعود الناس بذوقهم إلى الحقيبة وتجد هذا الإقبال أكثر مما تجده هذه الأغاني العابرة التي تنطفئ في حين قليل.

هذا عن الأغنية في شكل قصيدة. ألم ترد إلى كتابة المسرحية الشعرية في يوم من الأيام؟

والله كما ذكرت لك أنني لم أستطع الاستمرار في كتابة الشعر. ولا أحسب في سني هذه أنني صاحب استعداد لكتابة المسرحية الشعرية. قد أكون منيت نفسي أيام العافية والشباب أن أكتب مسرحية، ولكن وقت هذا قد فات الآن بكل تأكيد.

أنا ذكرت هذه الملاحظة على اعتبار أن شوقي الشاعر العظيم وباعث نهضة الشعر يقال أنه مسرحياته هي التي كرّست خلوده. باعتبار أن المسرحية كعمل درامي متعدد الجوانب، ويمتاز بالعمق في التناول يكون أكثر خلودا من الشعر. طالما منيّت نفسك فكانت الفكرة موجودة يعني!

كانت الفكرة موجودة ولكن وقتها قد فات. ولا يُنكر أن أحمد شوقي كما ذكرت قد فتح الباب للمسرحيات الشعرية، وقد تبعه كثيرون، وإن كان شوقي تعرض لنقد من أستاذنا العقاد، لكن هذا لم يقلل من قيمة الشاعر العظيم أحمد شوقي. وطبعا شوقي كان رجل صاحب ثقافة واسعة وصاحب قراءات في العربية متسعة جدا، وصاحب وقت. أي أنه كان يملك الوقت ولم يكن له عمل غير الشعر. ولذلك لا يمس هذا الضرب من الفن- المسرحية الشعرية، إلا من كان متفرغا للشعر، وصرفِه من باب إلى باب من ألوان الشعر.

نرجع قليلا للكلام حول شعر الأستاذ محمد المهدي مجذوب، ومن خلال هذا الشعر كما ذكرتُ آنفا، أنه يمتاز بديباجة مشرقة وعمق في التناول. عندما يقرأ الأستاذ محمد المهدي مجذوب أو يطلع على دواوينه، هل يقرأ هذه الدواوين قراءة ثانية بعين الشاعر أم بعين الناقد؟

والله، إنني في العادة لا أذكر ما كتبت من شعر في هذه الدواوين المنشورة. وسبب ذلك أنني لا أعود إليها، لاعتقادي أنني فرغت من أمر لا أرى ما يعيدني إليه بعد أن تخطيته. ثم حصل أمر غريب مؤخرا جدا، ذلك أنني صرت أشك فيما أكتب من شعر بعد هذه الدواوين، وأنظر إليه بعين الناقد. فما كنت في زمن الحماسة وفوران الشباب والانتشاء بالشعر ألتفت إلى نقدي. ولكن آفة النقد أو النظر أو إعادة النظر فيما أكتب من شعر أدركتني مؤخرا، وأحسبها من الأشياء التي عطلت انطلاقي وأصبحت كثير التردد والمعاودة للقصيدة. هنالك شيء غريب: إنك تكتب القصيدة، وهي بعد ذلك تحتاج إلى شيء من الصنعة. ولكن هذه الصنعة خطرة جدا إذا لم يتناولها الإنسان بحذر شديد. فكثرة المراجعة والنقد قد تملي عليك كلاما يغاير ما كتبت أول الأمر من شعر. ولذلك تضيع منك القصيدة في مثل هذه الحالة وتصبح دوامة لا تعرف لها أولا ولا آخر، وتضطر -أنا شخصيا وهذه تجربة شخصية، إلى تركها إطلاقا.

طيب من خلال إجابة الأستاذ محمد المهدي مجذوب أنه عند عندما تولد القصيدة -وهذا هو احساس الشاعر فعلا، أنه يفرز القصيدة ويترك رد الفعل للمتلقي. السؤال: هل النقد عموما في السودان أعطى محمد المهدي مجذوب حقه من التقدير؟ هل الدراسات التي تمت حول هذا الشعر هو يرضى عنها؟

والله يا أخي أنا شاكر لناس كثيرين جدا كتبوا عني. وبالطبع، في اعتقادي أنني حينما أكتب الشعر، لا أهتم لعواقبه. فقد كتبته وانتهى دوري عند هذا الحد. ومن حق النقّاد بعد ذلك أن يقولوا فيه ما يشاؤون ما دام قد خرج من يدي ونشر على الناس. من حق النقاد أن يتناولوه، وأنا أفتكر (أن) النقد دائما عمليه بناءة. وأي زول يشتغل بالمسائل التعبيرية هذه إذا وجد نقادا فلا شك أنهم يعملون على تبصيره بما قد يفوت عليه. وقد يؤدي ذلك إلى لفت نظره إلى عمل أكثر وتجويد لا بد منه في حالة النقد.

طيب هل تعتقد أن النقد مواكب لعملية الإبداع حاليا؟ هل الانتاج الشعري أو الأدبي عموما من حيث القصة والمسرحية يلقى النقد؟ هل الانتاج يسبق النقد أم النقد يسبق الإنتاج؟ في الواقع حاليا أعني. هل هناك مواكبة من النقد لما ينتج على الساحة الأدبية والفنية؟

في إحساسي أن النقد ضيقُ النطاق جدا، وليس هنالك تتبع للإنتاج الأدبي، مع إحساسي الأكيد بأن لدينا من الآثار الأدبية ما يستحق الإشادة به. لا أدري سببا لهذا. الصحافة مثلا، أنا كنت أتصور أن الصحافة يكون فيها أناس متخصصون يتابعون كل ما ينشر من الآثار الأدبية في كل الفنون التعبيرية. لكن الصحافة خالية إلا من صفحات أدبية ضيقة النطاق إلى حد بعيد. ومما
يستغرب له حقا أن تجد الكرة هذه الصفحات باستمرار يوميا تتحدث عن الكرة. وأنا شخصيا أفتكر أن الكرة هذه شيء ضروري، لأن الرياضة مطلوبة. لكن أن تصير عملا يوميا يصرفنا عما عداه، أنا أفتكر هذا غير صحيح.

لعل هذا الحديث المتدفق حماسا من الأستاذ المجذوب دافعه هو الغيرة على الأدب، باعتباره واحدا من عماليقه في هذا العصر بالنسبة للسودان والعالم العربي. هذه الغيرة تعطينا احساسا أن محب الأدب أو الغيور على هذا الأدب يريد أن يجد الساحات كلها تفتح أمامه وتفرد بغير حدود. دعنا نقترب أكثر لكي نستشعر أو نلمس رأي الاستاذ محمد المهدي مجذوب في الشعراء الشبان الذين ظهروا في السبعينات أو قبل ذلك بقليل، ليقدم لنا مسحا خفيفا لمكونات هذا الشعر، ورأيه في هذا الشعر، من حيث الرؤية الشعرية والتناول، ومن حيث الديباجة واستعمال اللفظ الموحي والظلال الأخرى، التي تعطي صورة للشعر حتى يطلق عليه شعرا.

لعلي ذكرت قبل هذا أن جيلنا الذي بدأ في أواخر الثلاثينات ثم استمر في الأربعينات، في الخمسينات، في الستينات: قد أدى ما عليه بقدر ما وسعته الطاقة وظروف الأحوال الاجتماعية وكذا. ثم جاء بعدنا جيل- أكرر وأؤكد، أفضل منا بكثير، ثقافة ومواهب. ولعلي أرى واجبا عليّ أن أذكر الدكتور محمد عبد الحي، محمد المكي، النور عثمان أبكر، صلاح أحمد إبراهيم، مصطفى سند، محي الدين فارس. ثم تلى هؤلاء شبان وأصحاب مواهب حقيقية فعلا، ولكنهم أقل من هؤلاء من ناحيه الأسلوب. فالذين ذكرتهم متمكنون جدا من التعبير وشعرهم كله في نظري جديد على اختلاف التعبير عند كل واحد من هؤلاء، واعتقادي هو أنهم بلغوا بالشعر السوداني مبلغا بعيدا من التجويد في المضمون والشكل إلى درجة لا توازيها الأشعار العربية الموجودة اليوم في العالم العربي. كذلك الانسان يشعر بأسف لأن هؤلاء الشعراء العظام الذين ذكرتهم قد لا يكونون معروفين معرفه تامة في بلادهم. وأنا أفتكر أن الواجب هو أن تتحدث الإذاعة عن هؤلاء، وأن تقرأ من أشعارهم. كل هذا خدمة للأدب الحقيقي وحرصا على الارتقاء بأذواق الجماهير من هذه الرتابة والتكرار الممل، الذي نقرأه في صفحات الرياضة، ومن الأغاني التي نسمعها من الإذاعة والتلفزيون كذلك.

الإذاعة بلا شك تفتح الأبواب- والتلفزيون أيضا- تفتح أبوابها دون تحفظ أمام كل المبدعين، بدليل أن طائفة كبيرة ممن ذكرهم الاستاذ المجذوب يتعاملون مع الإذاعة والبرامج الثقافية من آن الى اخر. نتكلم قليلا حول شعر الاستاذ محمد المهدي مجذوب فقد كتب في شتى أغراض الشعر سواء كان هذا الشعر دينيا أو عاطفيا أو وطنيا. التغني بالجمال في الطبيعة وفي الناس وفي كل مظاهر الحياة، كيف يرى الأستاذ المجذوب الجمال الآن؟

أنا كنت كثير الاختلاط بالناس. خصوصا الناس العاديين، وكنت أطيل صحبتهم وملاحظتهم وسماع أقوالهم والفرح العظيم بهم. فهم، وعلى أنهم في الأغلب الأعم من المساكين، ضائعون. ولكنهم أصحاب حكمة ونظر وفلسفة في الحياة. وقد استفدت كثيرا منهم. وانعكست ألوان من أحوالهم فيما كتبت من شعر، وهذا عندي جمال له تفرد خاص. هنالك جمال كنا نهتم به أول الصبا وهو جمال المرأة، بحسبان أنه لم يكن هنالك جمال غيره. لأن المرأة كما ذكرت قبل هذا، لم يكن لها وجود في المجتمع السوداني، وكانت حلما، وخصوصا وقد هتف بها شعراء الحقيبة وصنعوا لها تماثيل ضخمة جدا تخالف الواقع الآن، لأن المرأة قد تعلمت وخرجت. ولذلك خفت التذوق الحسي للجمال في شعر الشعراء الكبار الذين ذكرتهم قبل قليل، وأصبحوا يعبرون عن هذا الجمال بطرائق فيها الرمز، وأحيانا فيها الغموض ساحر. والواقع أنه ليس هنالك غموض في الشعر. قد أقرأ قصيده ثم قد لا أدرك ما يريد الشاعر، ولكن هذا لا يمنعني إطلاقا من جعل هذه القصيدة موسيقى مثلا. أو يعينني خيالي على أن أتصور فيها أشياء كثيرة جدا جميلة، وهذا طبعا من الجمال المعنوي أكثر من أن يكون جمالا حسيا كما كنا نتذوق الجمال في الزمن القديم. وهذا لا أشك في أنه رقي بعيد لتذوق الجمال في عصرنا الحديث.

باعتبارنا في سنة 1980، أو في بداية سنة 1980، نحب أن نلمس آمال وطموحات الأستاذ المجذوب تجاه الأدب الذي أحبه وأعطاه من عمره.

وأنا اشكرك جدا وأشكر الإذاعة (السودانية) لإتاحتها لي هذه الفرصة لأتحدث. والحقيقة أنا مستبشر جدا لأنه في السودان في هذا الوقت نهضة ثقافية ضخمة جدا، لكن أتمنى أنها تنال حظها من النشر على أوسع نطاق، لأنها هي أصل الاشياء في هذا البلد.

wmelamin@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان: بعد نحو ألف يوم من الحرب، السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الصحية في العالم

الأمم المتحدة: أجرى الحوار: عبد المنعم مكيمع اقتراب مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في …