محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل (4 ب من 10)
قراءة نقدية في “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم”
عاطف عبدالله
الجزء الرابع / ب
التناقض بين استقلال الجبهات وتركيز السلطة في المجالس التي تنشئها
تؤكد الورقة أن العلاقات بين الجبهات القاعدية أفقية، وأنها تتمتع بالاستقلال، وأن التنسيق بينها وبين المستويات الأعلى لا ينبغي أن يتحول إلى إملاء. لكنها تنص أيضاً على أن السلطة في الفترة الانتقالية، إذا وصلت قوى الثورة إلى الحكم، تؤول إلى هذه الجبهات، وأن المجلس التشريعي القومي الذي تكوّنه هو الذي يعتمد أعضاء مجلسي السيادة والوزراء، ويجيز برنامج الحكومة، ويمتلك التشريع والرقابة وسحب الثقة.
هنا تبرز أسئلة دستورية وتنظيمية لا تحسمها الوثيقة:
كيف تُنتخب المجالس المحلية والإقليمية والقومية، وما الأساس القانوني لتمثيلها؟
كيف يضمن النظام تمثيل المواطنين النازحين واللاجئين والموجودين خارج مناطقهم الأصلية؟
كيف تُحل الخلافات بين الجبهات المحلية والمجالس الأعلى، إذا لم تكن العلاقة هرمية؟
ما الضمانات التي تمنع احتكار التمثيل من قبل التنظيمات الأكثر قدرة على الحشد والتنظيم؟
كيف تُحمى حقوق الأقليات السياسية والاجتماعية التي لا تتبنى برنامج الأغلبية داخل الجبهة؟
إن استبعاد المحاصصة الحزبية لا يكفي وحده لضمان الديمقراطية؛ فقد تنشأ أشكال أخرى من الاحتكار، إذا لم توجد قواعد واضحة للانتخاب، والتمثيل، والتنافس، والمساءلة.
كما أن انتخاب ممثلين على أساس جغرافي واجتماعي لا يلغي الحاجة إلى أحزاب سياسية تتنافس ببرامجها، ولا يبرر إضعاف التعددية الحزبية. فالأحزاب جزء من الحياة الديمقراطية، وليست بالضرورة نقيضاً للإرادة الشعبية.
إن الديمقراطية القاعدية لا تُقاس بمدى إبعاد الأحزاب عن المجالس، بل بمدى ضمان حق المواطنين في التنظيم والاختيار والتعبير والمحاسبة، ومنع أي جهة من احتكار التحدث باسمهم.
والتصور الذي يقدمه الخطيب يحتاج إلى صياغة دستورية أدق توضح العلاقة بين الجبهة الشعبية والأحزاب المنتخبة والسلطة التنفيذية والقضاء، وتحدد آليات فض النزاعات، وتحمي الحقوق والحريات في جميع الأحوال.
- مشكلة افتراض أن الجبهة ستستمر وتحافظ على تماسكها بعد الوصول إلى السلطة
تفترض الورقة أن الجبهات القاعدية ستواصل النضال والرقابة، سواء أفضت نهاية الحرب إلى تسوية سياسية أم وصلت قوى الثورة إلى الحكم. وهذا توجه إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يرفض تفويضاً شعبياً مفتوحاً لا يخضع للمساءلة.
لكن التجارب السياسية تشير إلى أن الانتقال من النضال المعارض إلى إدارة الدولة يخلق تناقضات جديدة: فالمطالب المحلية قد تتعارض مع الموارد المتاحة، والأولويات الاقتصادية قد تثير خلافات، وتوزيع المسؤوليات قد يعيد إنتاج التنافس على النفوذ، كما قد تختلف الجماهير حول السياسات التي تحقق مصالحها.
فكيف تتعامل الجبهة مع هذه الخلافات؟ وهل ستظل جميع القرارات خاضعة لمجالسها، أم ستتمتع الحكومة بهامش من الاستقلال التنفيذي؟ وما الحدود الفاصلة بين الرقابة الشعبية اليومية وبين تعطيل المؤسسات أو إضعاف مسؤوليتها؟
هذه ليست اعتراضات على المشاركة الشعبية، بل شروط لضمان نجاحها. فالديمقراطية تحتاج إلى تنظيمات مستقلة، ومؤسسات منتخبة، وسلطات محددة الاختصاصات، وإجراءات ملزمة لحسم الخلافات، لا إلى افتراض أن وحدة الهدف الثوري ستضمن تلقائياً وحدة الإرادة بعد الوصول إلى الحكم.
