محمد وردي: عندما أحضرت “أول غرام” للإذاعة من كتابتي وتلحيني وغنائي، محمد صالح فهمي قال لي يا حمار!

تفريغ صوتي وتحرير: الوليد محمد الأمين

هذه المقابلة هي تفريغ صوتي مع التحرير، لحوار سجل مع الفنان الأستاذ محمد وردي في واحد من أعياد الإذاعة بذكرى إنشائها كما يفهم من سياق اللقاء. اسم البرنامج “ذكرياتي مع الإذاعة”. الإعداد والتقديم معتصم فضل، والإخراج الطاهر حسن الطاهر. ولكن التاريخ غير محدد، ولا حتى السنة. شارك في الحلقة بالعزف على العود، وببعض المداخلات، الأستاذ عوض أحمودي. الحلقة موجودة على اليوتيوب على الرابط أدناه، تحت العنوان: “الأستاذ محمد وردي لقاء الذكريات”، واسم القناة هو ” Elzaeemezo”.
https://www.youtube.com/watch?v=lakvZZrJcnw&t=259s

• أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وكل عام وأنتم بخير. بمناسبة العيد السنوي للإذاعة نحييكم جميعا. ونحن نسعد كثيرا أن يكون معنا ضيفا في استديو الموسيقى بالإذاعة الفنان الأستاذ محمد وردي، والأخ العازف عوض أحمودي. أستاذ محمد وردي، مرحبا بك، وكل عام وأنتم بخير، وسعداء أن نلتقي بك في هذا اللقاء بمناسبة العيد السنوي للإذاعة.

  • شكرا جزيلا الأخ معتصم، وكل سنة وأنتم طيبون، وأنتم بخير، والإذاعة بخير وفي تقدم. وإن شاء الله في عهدك السعيد يعني نجد أكثر مما وجدناه بإذن الله تعالى. وأتمنى للإذاعة السودانية التقدم والازدهار باستمرار في هذا الزمن (الذي صار فيه) الإعلام ضرورة، ويجب أن تكون إذاعتنا من إذاعات العالم وتتابع العولمة.
    • إن شاء الله. شكرا جزيلا، ونرحب بك في هذا اللقاء، ونود أن نطوف معك خلال ساعة من الزمان في ذكريات ومواقف. ونبدأ بدايتنا أستاذ محمد وردي بالسؤال عن أول مرة أنت استمعت فيها للراديو أو الإذاعة، متى كانت على وجه التقريب؟ وأين كانت، وكيف كان شعورك وقتها؟
  • ذلك زمن بعيد جدا. أنا كنت في (السنة) الثالثة الابتدائية. وكان ناظرنا الشيخ، الله يرحمه، إبراهيم عمر النحاس، من ناس بحري. (وكان ذلك) في بلدة عبري في سكوت جنوب حلفا. وعدنا (الناظر إبراهيم النحاس) أنه سيتحدث مع وكيل البوسطة ليحضر لنا الراديو في الداخلية ويسمعنا الراديو. من حيث هو راديو، فنحن لا شفناه ولا عارفين عنه شيئا. وأذكر (أن) الوكيل ذاته كان من بلدنا- وكيل البوسطة، وكان اسمه محمد شريف شاطر. وهو رجل كان انسانا جيدا. فأحضروا لنا الراديو، وطبعا الكلام الصادر عن الراديو كان بالعربية، فنحن ما كنا نفهمه. فقط أنا استمعت إلى أول أغنية باللغة العربية بين الدارجة والفصحى، كانت هي أغنية الفنان عثمان حسين “كيف لا أعشق جمالك”. فكنا مذهولين، يعني لسنا مذهولين لسماعنا الغناء، ولكن لأسئلة مثل أين يُغنى هذا الغناء؟ وكيف يجيء؟ وما هو هذا الصندوق الماثل قدامنا؟ يعني كانت هناك دهشة كبيرة جدا.
    • وفي ذلك الوقت أنتم كنتم في الداخلية. يعني الناظر أحبّ أن يكرمكم ويحضر لكم الراديو!
  • نعم نعم، وكونه يجيء لنا بحضارة مثل هذه، فالناظر هذا كان متقدما جدا يعني. فصادف أن استمعت للأخ الزميل الكبير عثمان حسين.
    • طيب يعني ربما أمكننا القول بأن الراديو أصبح وجوده في الداخلية (معتادا بعد ذلك) بمرور الزمن؟
  • والله إلى حين خرجنا من الداخلية، وربما في بداية الخمسينات حتى بدأت الراديوهات (التي تعمل) بالحجر البطارية السائل أو غير السائل- بالانتشار. وأنا من أول مرتب لي كمعلم اشتريت راديو، فغير الاستماع فأنا أيضا كنت أتعلم (عزف) العود، فأقوم بوزنه (دوزنته) مع الغنا. والعود ذاته أنا اشتريته في حلفا، وما كنت شفته قبل ذلك، فأنا ما كنت شفت أي عود قبل ذلك.
    • يعني في الوقت ذاك بدأت بالغناء؟
  • أنا كنت أصلا أغني بالطنبور، يعني كنت طنباري معروف منذ صغري. ولكن اقتنيت العود واقتنيت الراديو، وصرت أقوم بدوزنة العود من الراديو.
    • في الفترة تلك، من الفنانين الذين تتذكرهم وقتها لما بدأت أنت بالعزف على العود والوعي بالفن عموما؟
  • والله الفنانين كانوا بالطبع كثر. يعني كان هناك أحمد المصطفى، الكاشف، حسن عطية، وعبد العزيز محمد داوود. لكن اللافت لنظري، والأسرني جدا، كانت هي الألحان خارج الألحان الموجودة عند الفنانين الكبار. يعني ألحان عبد الرحمن الريح لإبراهيم عوض الأولى، وألحان طاهر إبراهيم أكثر من ذلك. يعني ربما كان ذلك لافتا لنظري لأنه ربما أنا وقتها كنت شابا صغيرا، وأسمع سيرة إبراهيم عوض وأنه شاب صغير كذلك. كما أن هذه الأغاني كانت فعلا مختلفة عن النمط السائد من الأغاني وقتها.
    • وأنت كنت تعجب بها.
  • نعم، أعجب بها، وأتغنى بها كذلك.
    • جميل، طيب فلنسمع شيئا منها في بداية هذا اللقاء، ونعود بك لسنوات بعيدة، هل نقول إنها (سنة) 50 أم 51 تقريبا؟
  • لا، فإبراهيم عوض نفسه ابتدأ في 53 أو 54.
    • جميل، ربما أن بساطة اللحن والكلمات هي ما جذبتك لهذه الأغنية (حبيبي جنني)، بالإضافة لأداء الأستاذ الفنان إبراهيم عوض.
  • أي نعم، واللحن خاصة. فأنا أقول لك إن ذلك كان إيقاعا مستحدثا، نوع جديد من التلحين مختلف عن الأغاني النمطية الكنت أسمعها دائما في الراديو.
    • طيب، كنت أود أن أسأل عن الإذاعة كموجات، هل كانت واضحة بالنسبة لكم وأنتم هناك في عبري في أقصى شمال السودان؟
  • في الليل. في الليل كانت واضحة.
    • طيب، في المرحلة ما بعد ذلك، فهل أنت يعني سعيت للحضور للإذاعة وتقديم صوتك، أم كيف كان الأمر؟
  • والله يا أخي أنا مشكلتي كانت كبيرة. لأن المدرس في ذلك الوقت كان يسمى بالشيخ، (فأنا كنت) الشيخ محمد عثمان حسن وردي. يعني المدرس وقتها كان كل شيء، في القرية أو في أي مكان ينتقل إليه، يعني ذلك أنه كان قدوة في السلوك، وفي الالتزام بالمواعيد في صلاة الجمعة مثلا، وأحيانا (كان عليه أن) يصلي بالجنازة. يعني كانت علي التزامات كبيرة جدا لا تتفق مع الغناء. فأنا كنت في صراع رهيب جدا. وحتى في بلدي، في صواردة، لما كنت معلما، الناس ما كانوا راضين عني. وذات مرة قلت للناظر: تصور الشغلانة بتاعتكم دي أصلها لا في راسي ولا بتعجبني! فقال لي يعني ماذا تريد أن تصبح؟ فنان، أريد أن أصبح فنانا قلت له، فنان أغني في الإذاعة. فكان يستغرب جدا، (ويتساءل) أنت مجنون أم ماذا؟ ولكن بعدما أنا أصبحت مغني، وهو جاء هنا مرة، قال لي والله يا ابني أنت رجل صالح، فقد كنت تعرف ماذا ستصبح. فأنا كنت مولعا جدا يعني (بالغناء). ثم أنني كمغن محلي صرت معروفا من دنقلا إلى حلفا في الغناء بالرطانة.
    • يعني يا أستاذ وردي وجود الإذاعة والراديو دفعك إلى الوصول لقناعة أنك لابد أن تصل (إلى الإذاعة) وتغني.
  • هو بالطبع لا شك في ذلك. وكنا نحن، ناس السكوت والمحس وحلفا هؤلاء، يعني كان (تأثير) الإعلام المصري قويا علينا. يعني السينما التي ندخلها في حلفا كلها أفلام مصرية، القهاوي تشغل غناء أم كلثوم. والغريب أنه في فترة ظهوري في البلد كمغني في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، أن تزامن ذلك مع ظهور عبد الحليم حافظ. فكنا نحفظ غناه، وذلك كان كما يحدث هنا من فنانين أو ناس آخرين يحفظون غناء الآخرين، فنحن كنا نحفظ أغنيات عبد الحليم وأم كلثوم.
    • وهل كنت تغنيه أم فقط تحفظه؟
  • أحفظه مرات، وفي مرات أخرى كنت أغنيه، فأنا أستطيع أن أغنيه.
    • طيب، ننتقل الآن ونرى كيف وصلت إلى الإذاعة. فأنت كنت قلت إنك تمنيت الحضور للإذاعة، ولكن وكما ذكرت، فوضعك كمعلم قد يكون- لحد ما، يحول دونك وتحقيق هذه الأمنية. إذن كيف جئت للإذاعة هنا؟
  • أول شيء، أنا قبل ما أجيء إلى الإذاعة، فأنا أول مرة شفت الخرطوم كان في سنة 53، حيث جئتها مندوبا عن نقابة المعلمين من حلفا، وحضرت مؤتمر في شمبات.
    • يعني أنت من ذلك الوقت كنت متابعا للنقابات!
  • هههه، فسكنت وقتها في نمرة تلاتة في بيت جدي دياب أحمد بلال. وجنب البيت كان هناك (حفل) عرس. قيل أنه سيغني فيه أحمد المصطفى. فمشيت إلى هناك، ولكن ما قدرت أن أدخل البيت. ولكني وجدت عجلة (دراجة هوائية) مسنودة على الحائط، فصعدت عليها للفرجة. وأذكر أن العرس كان لضابط كبير اسمه عبد الحميد خير السيد. فمن هناك رأيت ناس موسى محمد إبراهيم، وعبد الله عربي، وعبد الفتاح الله جابه هؤلاء يعزفون وأحمد (المصطفى) يغني. وأنا كنت مندهشا، متشبثا بالحائط واقفا على الدراجة. ما حدث أن صاحب الدراجة حضر وسحب دراجته، وأنا وقعت وقعة كانت صعبة جدا. ورغم ذلك ما يئست، وبطريقة ما وجدت لي فتحة ودخلت. ثم في لحظة ما وجدت نفسي قريبا جدا من أحمد المصطفى وهو يغني. هذه المسألة أيضا زادت من طموحي وتطلعي في الحضور إلى الإذاعة والغناء فيها.
    كذلك أيضا خلال فترتي كمدرس في حلفا، وحلفا طبعا كمدينة، أقصد حلفا القديمة، فهي كانت مدينة متمدنة، يعني فهم الناس كان عاليا، فأنا لما كنت مدرسا في منطقة اسمها اشكيت، عاصرت معلمين وأناسا جيدين. فكنت أعمل لهم القعدات (الجلسات الفنية)، فهم أساسا من قالوا لي إن الطنبور لا يكفي ولن ينفع (معي)، وأنني لابد لي من شراء عود. يا جماعة أنا لا أعرف العود، ولا أعرف اين يكون، قلت لهم. ولكنهم اشتروا لي العود، لجنة المدرسة يا عوض (أحمودي) اشترت لي العود! وكان العود بجنيه، اشتروه من واحد كان اسمه عز الدين سمبسون في حلفا. أخذت العود وما كنت أعرف العزف عليه، ولكن بإصرار شديد جدا- وكنت اشتريت الراديو طبعا، (فأنا الآن) رجل يحصل على ماهية (مرتب). بدأت الدوزنة بالعود، وناس البلد كانوا زعلانين جدا.
    • من المدرس الشيخ الأصبح يعزف العود طبعا!
  • لا، ليس بسبب عزف العود. شنو أبو القدح (السلحفاة) الجابه ده؟ ما زمان كان يعزف لنا جيدا بالطنبور. كانوا يقولون. يعني هم ذاتهم كانوا مستائين من العود الذي لا يعرفونه. المهم، تعلمت العود. أها، قليلا قليلا قليلا، تعلمت الدوزنة، وتعلمت العزف.
    • يعني إذن الآن وكما يقولون فقد سلحت نفسك وأصبحت جاهزا للإذاعة. طيب، كيف جئت للإذاعة؟ هل كانت هناك نقابة أخرى أم ماذا؟
  • ههههه، لا هذه المرة أحضرني التدريس في شندي، إذ أنني نُقلت إلى شندي. وفي شندي كذلك التقيت بمجموعة ممتازة، الله يطراهم بالخير. يعني كانوا ناسا جيدين جدا. منهم كان عامر جمال الدين، الناظر إبراهيم حاج محمد، إبراهيم جميل، والدكتور أحمد حسن آدم من أولاد القطينة، كان الحكيم باشي. فأنا كنت مغنيهم الخاص. وكان الفنانون من الخرطوم يحضرون مرة مرة. يعني في مرة جاء رمضان حسن، وفي مرة جاء إبراهيم عوض، ومرة جاء أحمد المصطفى. فكل مرة عند حضورهم كنت أجد الفرصة (للغناء) في القعدة الخاصة بعد الحفل الرسمي. ففي مرة جاء المرحوم عثمان أمين، الضابط، وكان معه عبد الماجد أبو حسبو، فبعدما سمعاني، قالا لي يا أخي تعال إلى الخرطوم، مالك قاعد في البلد دي؟ يا أخي تعال ونحن سنساعدك. المهم، عندي قصة طويلة جدا مع إبراهيم عوض حكيتها كثيرا، فلا داع لذكرها الآن. المهم، جئت إلى الخرطوم.
    • حسنا، جئت الخرطوم، فكيف كانت مساعدتهم لك؟
  • والله كان هناك أخي ابن خالتي أحمد محمود في الإعلام، كان مديرا للتصوير الفوتوغرافي. فهو بطريقة ما كلم أصدقاءه في الإذاعة، في وزارة الإعلام، أو كان اسمها (وزارة) الاستعلامات والعمل. خلاص أحضره لنشوفه، قالوا له. وهكذا كانت هي القعدة الإياها!
    • طيب، فهكذا أنت دخلت الإذاعة إذن. أنا أعتقد أنني سمعت ذات مرة أنك دخلت (الإذاعة) عبر بوابة “ربوع السودان”.
  • أي نعم. سجلت في ربوع السودان. وأنا قبل أن يختبروني كنت قلت لهم أنا حضرت لتسجيل الغناء بالرطانة وأمشي بعدها، يعني في ربوع السودان، فمنحوني الفرصة.
    • طيب خلنا نستمع الآن إلى الرطانة الغنيتها يومها. وإن كنا لن نفهمها بالطبع لكن نستمع لها باعتبارها أول أغنية أدخلتك الإذاعة عبر (برنامج) ربوع السودان، أليس كذلك؟
  • ليست فقط أول ما غنيت، بل هي أول ما هيأت الأذهان لهذا الصوت الجديد، في سنة 57.
    • جميل، إذن فهذه الأغنية (أسمر لونا)، هي التي دخلت بها برنامج ربوع السودان. في ذلك الوقت هل تذكر من كان يقدمه يا أستاذ وردي؟
  • والله لا أذكر.
    • محمد خير عثمان ربما؟ فهو من أوائل من قدموا البرنامج حسب ما توفر لدينا من معلومات!
  • يبدو، يبدو ذلك، يبدو أنه محمد خير.
    • طيب، الأغنية هذه كانت مثل لقطة أنت قدمتها ولم تكن تحتاج لأن يكون صوتك مجازا أو كذا في برنامج ربوع السودان. بعد ذلك كيف أجزت صوتك؟ هل حضرت للإذاعة ودخلت الامتحان؟
  • والله أيضا- الله يرحمه، أحمد أخي هذا (أحمد محمود، في التصوير الفوتوغرافي)، وأنا أصلا كنت أسكن معه في بيته من وقت حضوري. (فعبره) حددوا لي أحد أيام الجمعة في رمضان لاختبار الصوت، وكان ذلك في الإذاعة القديمة. وأتذكر أنني حضرت إليهم في نحو الساعة 11 ونصف. وكان رمضان وكانوا صائمين، وأنا كذلك بالطبع. وجدت هناك خانجي- المرحوم خانجي، خاطر أبو بكر، علي شمو، متولي عيد- وهو كان مدير الإذاعة.
    • يعني كان هناك كل العقد الفريد!
  • نعم، العقد الفريد. وكان معهم كذلك أذكر الأخ حلمي إبراهيم، وأظن كذلك المرحوم النور موسى، وكان فنيا.
    أنا حضرت ووقفت أمام اللجنة، وعاملوني باحترام كبير جدا. تفضل أقعد، (طلبوا مني). (ثم سألوني): ماذا تغني؟ قلت لهم أنا أساسا أغني بالرطانة، وكذلك أغني للفنانين الآخرين. بالتحديد لمن تغني؟ قلت لهم والله أغني لإبراهيم عوض بالتحديد. ولغيره لا تغني؟ لا، قلت لهم أنا أغني لأي فنان: أحمد المصطفى، وحسن عطية، وإبراهيم الكاشف، والفلاتية، ومنى الخير كذلك. في الأول غنيت لهم أفتكر أغنية لحسن عطية، “حنين مجافي عنيد”. بعدها جزء من “هل تدري يا نعسان”. أها الصوت أعجبهم بقى. لا لا والله لسع لسع، لا نزال نريد أن نشوف منك المزيد.
    • ما أنت كنت قلت لهم بنفسك إنك تغني لهؤلاء الناس جميعا، لنحو ستة أو سبعة فنانين!
  • أي نعم، لكن كذلك يعني قلت حقهم أن يرحموني قليلا.
    • لو رحموك ما كنت صرت فنانا.
  • فأنا نفسي كانسان معلم وحضرت معاينات كثيرة، عرفت أن هؤلاء الناس قد ارتاحوا لي، فغنيت بمزاج (عال). وفي الآخر كلهم باركوا لي وقالوا لي أنني لابد أن أبقى وأغني. قلت لهم ولكن أنا مدرس في حلفا، بل ومدرس محلي. وأنا أصلا كنت حضرت إلى شندي لغرض نقلي من المحلي إلى المركزي، فكنت جئت واجتزت الامتحان. ولكن أنا كنت لا أزال مسجلا في حلفا. والمدرس المحلي يتنقل داخل مركزه.
    • طيب، نشوف قرارات اللجنة، قرارات وتوصيات اللجنة.
  • اللجنة كلفت علي (شمو).
    • (إذن) توصيات وقرارات اللجنة، أول شيء كان أنك تنقل وتجيء إلى الخرطوم، هذا كان القرار الأول. القرار الثاني (أن يجهزوا لك) ملحنا وشاعرا. وهكذا أظن أنهم هيأوا لك كل العناصر المطلوبة.
  • والله فعلا هيأوا لي. يعني لا أنسى أبدا أني ما لقيت أي معاكسة، ولا لقيت أي صعوبة. وحسسوني (بالتقدير)، فإصرارهم على أن أبقى وأن أغني، ذلك كان إطراء كبيرا جدا لواحد استمعوا له للمرة الأولى. فبعد نحو 10 إلى 15 يوما كان اللحن جاهزا. لحن (أغنية) “يا طير يا طاير”، ومعها كذلك “الليلة يا سمرا”.
    • (بهذه الذكريات) يا أستاذ وردي، نحن عشنا معك اللحظات أمام اللجنة، ونريد أن نرى هل تمكنت من العمل بتوصيات اللجنة؟ فدعنا نسمع شيء من بعد ما تعاملت في أول لحن من (الملحن) خليل أحمد والشاعر اسماعيل حسن. فماذا تقترح أن نسمع؟
  • نسمع جزء من الحب والورود، التي هي يا طير يا طاير.
  • وبهذه المناسبة، فأنا يعني لا يمكنني أن أنسى فضل هذا الملحن، خليل أحمد عليّ أبدا. فهو كان رجلا فاضلا، وكان يسعى لأن أكون مغنيا منافسا. للأسف يعني ما استمر معي طويلا. وضع لي اللحن الخفيف لأغنية الليلة يا سمرا. وهي في أصلها لحن نوبي، وخليل أحمد هو أيضا لديه عرق في النوبية، يعني ربما كان من الكنوز. لكن هذا اللحن أنا أحضرته من هناك، والكلمات وضعها إسماعيل حسن. وكذلك (أغنية) “يا سلام منك أنا آه”، أيضا اللحن نوبي، فمن الممكن أن نغني منها الآن جزء صغير.
    • يا سلام، يا سلام يا وردي. يا سلام عليك، هذه الأغنية أيضا خليل أحمد، مع أن اللحن أساسا نوبي. لكن اللحن فيه حنية عالية يا وردي. يعني أنتم النوبيين عندكم حنية زائدة، ما مصدرها يا وردي؟
  • أصلا هذه هي، الحضارة والأصالة.
    • هههه، جميل يعني هو اللحن أُستنبط من اللحن النوبي. خليل أحمد محطة مهمة جدا في حياتك، لأن خليل أحمد واسماعيل حسن، هما بناء على توصيات وقرارات اللجنة (تعاونوا معك).
  • نعم، اسماعيل طبعا رجل قريب من النوبيين. لأننا نحن (النوبيين) والشايقية نعتبر في وحدة جغرافية (واحدة) ومتداخلون. يعني طنبورنا هو طنبورهم، رقصنا قريب لرقصهم، والأغاني متداولة (بيننا وبينهم). لذلك اسماعيل وأنا كونا ثنائيا، وثنائيا ليس سهلا، بل ثنائي (تميز) بالعمق والمعرفة للمنطقة ولونيتها.
    • نعم، نعم، وكما ذكرت أنت كان هناك تقارب بينكما. في هذه النقطة عوض (أحمودي) لديه مداخلة (يا أستاذ وردي).
    • عوض أحمودي: بعد التحية … فيما يخص تجربة خليل أحمد وبعدها مباشرة (اتجاه) وردي (للتلحين)، يعني متى يمكننا القول إن مقدرة وردي على التلحين تفتقت؟
  • وأنا مع خليل، وعلى الرغم من أن هذه الألحان أعجبت الناس، فأنا يعني كنت أرى نفسي أغني غناء من الدرجة الثالثة. وفكرة التلحين أصلا كانت لدي، ولكن ما أحببت أن أتطاول من أول وهلة.
    • طيب يعني هذا (التعاون مع خليل أحمد) نتج من نصيحة اللجنة التي استمعت لك، وطلبت منك الاستعانة بخليل، أو نتج عن أن الأستاذ البروفيسور علي شمو رشح لك خليل أحمد واسماعيل حسن. وبعدها أنت أحضرت هذه الأعمال إلى الإذاعة وسجلتها.
  • أي نعم، فنحن مباشرة استعدينا بهذه الأغاني. إذ كان سيتم تقديمي كفنان. وقد كان، فسجلتها للإذاعة بالتحديد في 19 يوليو 1957. وكان لدي حسن حظ، لأن الفترة التي أتيحت لي، بعدها كانوا سيذيعون (نتيجة) امتحان الشهادة السودانية. فتخيل أن كل السودان كان مترقبا (لنتيجة الشهادة). وكان ذلك في الإذاعة القديمة. فأنا منحوني 10 دقائق، فغنيت قبل إذاعة النتائج بعشرة دقائق، وكل الناس في البلد، عندنا مثلا، والطلبة، كانوا منتظرين (نتيجة) الشهادة. ففي أي مكان كان هناك زول يقول لك والله أنا سمعت لي فنان جديد. فيعني فعلا هم منحوني فرصة في وقت الذروة.
    • وهذه كانت المرة الأولى التي تغني فيها في الإذاعة في غير ربوع السودان؟
  • لا، هذه كانت أول مرة أكون فيها واقفا قدام ميكرفون الإذاعة وأغني، ويشيرون لي بالنور الأخضر والأحمر ومثل تلك الإشارات.
    • وعلى الهواء مباشرة. ألم تخطيء (في شيء) أو مثل ذلك؟
  • والله ما أظن. لأنني أنا رجل مدرس وأواجه الطلبة.
    • وهل تذكر ما غنيته يومها يا أستاذ وردي؟
  • طبعا، أتذكر أني غنيت “يا طير يا طاير” هذه نفسها، وكذلك “الليلة يا سمرا”.
    • وكانت معك فرقة موسيقية أم كانت بالعود؟
  • أي طبعا، فرقة الإذاعة. وكانت قد أدت معي بروفة قبلها.
    • ومن تذكر من العازفين (معك في ذلك اليوم)؟
  • أي طبعا، من العازفين أتذكر علاء الدين حمزة، أتذكر خواض، أتذكر عبد الله عربي، يعني فرقة كانت ذات ظل. فرقة جيدة.
    • إذن هذه كانت هي البداية، فأنت غنيت في الإذاعة ذلك اليوم.
  • نعم، سُجلت كمغني. ولكن كما قلت لك فقد غنيت نحو ثلاث لأربع مرات، وكانوا يطلبونني (لبعض المناسبات)، فأول حفل غنيت فيه للاتحاد النسائي كان في استاد المريخ. لكن رغم ذلك ظللت أحس أن في داخلي أشياء لابد لها أن تخرج (للناس)، وأنني لا أزال وكأنني مغن من الدرجة الرابعة أو الثالثة وكذا. فقمت بتلحين أغنية “أول غرام”، وهي من كلماتي أنا كذلك. وهذه الأغنية لها قصة، فأنا كتبت (عليها) كلمات وألحان وغناء محمد عثمان وردي. وقتها محمد صالح فهمي طبعا كان هو اللجنة لوحده، لجنة النصوص.
    لما قدمت له الأغنية ناداني وقال لي: يا حمار، إيه (يعني) تلحن وتكتب كلمات وتغني؟ ليه مافيش تخصصات؟ وقال لا، أنا لا أقبل ذلك. فذهبت خارجا وكتبت في ورقة جديدة الأغنية ذاتها، أغنية أول غرام، وكتبت كلمات الشاعر علي ميرغني. وقدمتها له في نفس اليوم. هكذا نعم، قال لي، هكذا ممكن (أن تجاز). فبعد ذلك أخذت أغنية أول غرام بعدما لحنتها وذهبت إلى خليل، فهو طبعا ملحني (الأول)، فمن غير الممكن أعمل شيئا من وراءه. فذهبت إليه، وكان شغال وقتها، الله يرحمه، في الطرمبة التي في السجانة. مشيت له، ويا خليل يا أخي أنا حاولت والله يعني أُلحن. تلحن ماذا؟ قال لي. قلت له والله حاولت ألحن (بعض) الغنا. قال لي طيب، نجيء ونسمعك. فمشينا إلى بيت اسماعيل الحسن- وكان قريبا، وأنا حاملا عودي، وغنيت له أول غرام. الله يرحمه قال لي: ده كلام فارغ! وكان الفراق ما بيني وبين ملحني الأول الذي قدمني للبلد، للحياة الجديدة. ولكني أبدا ما أستئت منه، لأن أسلوبانا كانا يختلفان في التلحين. ولكن لما نجحت (بعد ذلك) فرح جدا وهنأني، وكان صديقي إلى أن مات. يعني أبدا ما حمل ضغينة أو مثل ذلك. وفي كل مرة كان يفرح لنجاحي. فهذه كانت أول أغنية أنا قمت بتلحينها، وكان ذلك في (سنة) 58.
    • وهذا كان في الإذاعة الجديدة؟
  • لا، كان في القديمة.
    • قدمتها في القديمة أول مرة على الهواء، ولكن بعدها سجلتها في الجديدة. أتذكر (يا وردي) أنك حكيت لي مرة أنك كنت تجيء 6 ونصف صباحا لتؤدوا الحفل الموسيقي. وهل كانت معكم الفرقة الموسيقية؟
  • أي والله 6 ونصف، كما بائع اللبن! لنقدم الحفل الموسيقي، ونعم، الفرقة الموسيقية كانت تكون جاهزة، فنحن كنا نشتغل بنظام الورديات يعني. وأنا والله يا أخي كنت في الدرجة الرابعة، فمرة في كل ثلاثة أشهر كنت أغني مرة، أيا كان اليوم المصادف لذلك.
    • طيب، بعدها انتقلتم للإذاعة الجديدة في نحو 57 أو 58، صحيح؟
  • يعني كان ذلك في منتصف 58. فأنا سجلت “أول غرام”، وسجلت “يا طير يا طاير”، و “يا سلام منك أنا آه”، و”الليلة يا سمرا”، وأيضا أغنية خفيفة اسمها “ليه نسيت أيامنا”.
    أحكي لكم الآن قصة أني بدأت بالدرجة الرابعة، فهذه الحكاية يبدو لي مهمة جدا. بعدما أجيز صوتي كمغني غنيت الحفل الأول وكان علي الانتظار لثلاثة أشهر لأغني الحفل الثاني. في هذه الأثناء أنا في الحقيقة اجتهدت وكنت نشطا وأحاول اللحاق (بالوسط الفني). يعني في سنة واحدة غنيت “يا طير يا طير”، “الليلة يا سمرا”، “ليه نسيت أيامنا”، “يا سلام منك أنا آه”، وبدأت في “أول غرام”. نادى علي السيد المدير (متولي عيد، مدير الإذاعة). قال لي والله يا ابني أنت ماش كويس. ورغم أنك فنان جديد، فالمستمعون (عبر برنامج) ما يطلبه المستمعون، دائما ما يطلبونك، وبكثرة. لا أعرف إن كان هؤلاء هم أهلك الحلفاويون أم حقيقة هم من المعجبين، المهم، سأمنحك فرصة أن أنقلك من الرابعة إلى الثالثة. فاذهب واجتهد، اجتهدت اجتهدت. ما اجتهدت، فما بينك وبين الرابعة (مسافة) قريبة يعني! فمن الممكن أن نرجعك إلى الرابعة. وسلمني ذلك في خطاب مكتوب- وما زلت أنا محتفظا بالجواب.
    ثلاثة شهور أخرى مرت، أنجزت فيها “جمال الدنيا”، و”بشوف في شخصك أحلامي”، وأغنية خفيفة لا أتذكرها الآن، وأغنية كبيرة اسمها قصة حب: “حِبي حُبك شاغلني”. (وأذكر مرة) وأنا أغنيها في الإذاعة القديمة، بعد ما انتهيت من غنائها، حضر إلي البروفيسور شمو وقال لي يا أخي هناك شخص مهم جدا يريد مقابلتك، وكان ذلك هو السيد خضر حمد، وزير المواصلات. سمع الأغنية في البيت، فركب عربته وحضر قبل خروجي من الإذاعة، وطلب مقابلة الفنان الذي غنى الأغنية. علي (شمو)- وكان منتظرا معي، قدمني إليه. سلّم عليّ وقال لي أنت فنان المستقبل لهذه البلاد. حافظ على نفسك. لقد كان انسانا مثقفا وواعيا وسياسي مخضرم ووطني معروف. علي شمو بعدها قال لي: بختك والله، تاني ما حتسلم علينا!
    مرة أخرى بعد بضعة أشهر، ناداني متولي: يا ولد- هكذا يقول لك: يا ولد، أنت مشيت كويس، ومعجبيك زادوا، وأصبحت تخرج في حفلات جيدة. فوالله يا أخي أنا مضطر أن أرفعك إلى الدرجة الثانية. ولكن وكما كلمتك قبلا: بين الثانية والرابعة كذلك فالمسافة قريبة. ومرة أخرى سلمني الجواب في يدي.
    بعدها فكرت من هم منافسي من جيلي. إبراهيم عوض، وضعته في بالي. لماذا لا أنافسه؟ فوضعت الأغاني الخفيفة: “ذات الشامة”، و”حرمت الحب والريدة”، و “يا ناسينا”، وهذه بالذات انتشرت كثيرا.
    بعد تمام السنة، أي في (سنة) 58، وبعد ما انتقل متولي والإدارة إلى الإذاعة الجديدة، طلبني يوما، فحضرت إليه كالتلميذ الخائف. وجدت معه حسن عطية، وعثمان حسين، وإبراهيم الكاشف، وأحمد المصطفى، حتى أنني قلت في نفسي هل هذه محكمة أم ماذا! المهم، جلست هناك. (متولي عيد) قال لهم: شوفوا، أنا سأدخل في تجربة، الولد هذا له الآن فقط سنة واحدة. لكن في هذه السنة عمل الكثير، وأصبح فنانا جماهيريا ينافس الفنانين القبله. فما عندي من طريقة إلا أن أضعه معكم في الدرجة الأولى وأضعه تحت التجربة. فهو من ناحية العمل يستحق، أما من ناحية العمر فلا يستحق، إذ له فقط سنة واحدة. فأنا أستشيركم أنتم كأساتذة كبار تدرجتم في الفن ووصلتم إلى هذه الدرجة الأولى هذه بعد مراحل. هنا عند هذه اللحظة، الكاشف قال له: أنا من أول يوم حضر فيه هذا الولد وضعته في الدرجة الأولى. الآخرين من يريد المصادقة والموافقة منهم فليفعل. وهكذا أصبحت في الدرجة الأولى بخطاب رسمي من مدير الإذاعة. وأيضا كتب لي. ولكن شفهيا قال لي: آأي، طبعا ركبت لك عربة ولبست لك بدلة، امش انشغل (بأمور أخرى) لترجع الرابعة.
    هذا الرجل (متولي عيد)، كان رجلا عظيما. أنا سنة 58 مشيت إلى كسلا. وكانت أول مرة لي. ومشيت رحلة في اليوم الثاني إلى تسني. ناس تسني هؤلاء كلهم اجتمعوا في الميدان لأغني لهم في الليل. وأنا ما كنت حضرت للغناء. فابتديت أغني لهم، فالناس أصبحوا يصفقون. أثناء ذلك عاينت بنظري بعيدا فلمحت (عربة) لاندروفر ومتوقفة، ومتولي عيد واقف عليها. جاءني بعدها وقال لي لو ما غنيت لهم أنا كنت سأزعل. فهذا الجمهور كان بانتظارك، فغن لهم. قلت له ولكن أنا ما عندي عود أو …، (فقاطعني): إن شاء الله بعود، بكبريتة، بأي شيء، الناس هؤلاء يريدونك أن تغني لهم. هذا الرجل (متولي)، كان يذهب ويتفقد المستمعين في البطانة، ويذهب خارج (الإذاعة) في طلعات ميدانية. يعني حقيقة هو كرجل كان شخصية منصفة، وكان إداريا جيد جدا. أذكر أيضا في مرة- وأنا وقتها كنت فنانا صغيرا، وكنت أقوم ببروفة لأول غرام، في الإذاعة القديمة، وطبعا العازفون كانوا يحتقرون الفنان الجديد، (أذكر أنني قابلت) خواض وقلت له يا أخي أنا داخل على الاستديو لأغني “أول غرام”. بلا أول غرام بلا إيه، تغني إيه أنت كمان؟ وجلس (خارجا). فأنا ذهبت ودخلت مع الناس الذين برّفوا معي. (بعدها) جاء داخلا الاستديو حاملا كمنجته. عبد الله عربي كان هو نائب رئيس الأوركسترا، لأن علاء الدين (حمزة) كان مسافرا. فقلت له: يا عربي، الأفندي الحامل لكمنجته هذا جاء ليعمل معي إيه؟ قال لي: جاء ليعزف يا محمد! قلت له (رادا عليه): أنا سأغني الأغنية العملت لها بروفة هسع، أول غرام، (فهل) هو حلم بها أم ماذا يعني؟ قال لي (يعني خواض): يعني أطلع (من الاستديو)؟ قلت له نعم اطلع، ماذا كنت ستفعل أصلا؟ فتصور (أن) متولي كان سامعا لذلك كله من الاستوديو (وهو في) مكتبه. فنادى على خواض وقال له أنت ارتكبت غلطة كبيرة جدا يا عازف يا كبير، وأنا من اليوم أوقفتك من هذه الإذاعة! فصرت أنا من يذهب إليه ويستعطف، قلت له يا أخي هذا عازف كبير، يعني في مرة لو غلط لا مشكلة. قال لي أنت بقى تسكت في هذه ولا تتكلم. أنت تصرفت تصرفك، وخلني أنا أتصرف. بعد ذلك ذهبت ووسطت (إبراهيم) الكاشف، وكذلك ذهبنا له، أشخاص كثيرون ذهبوا إليه، حتى أرجعه بعد ثلاثة أو أربعة أشهر.
    • هذه النقطة يا أستاذ وردي تقودنا إلى ذكر بعض الإذاعيين الذين التقيت بهم. أنت ذكرت في حديثك الآن متولي عيد، فمن هم الإذاعيون الآخرون الذين التقيت بهم؟
  • أنا التقيت بكل الإذاعيين الكبار، فأنا التقيت بخانجي، خاطر أبو بكر، أبو عاقلة يوسف، عبد الرحمن الياس، محمد صالح فهمي.
    • ومن معدي البرامج، هل تتذكر برامج تمت استضافتك فيها؟
  • أي نعم، أتذكر صديقي المرحوم أحمد، صاحب اشكال وألوان، أحمد الزبير. وكنت دائما ما أقدم أغانيّ الجديدة في برنامجه. لكن والله كل الاشتغلوا معنا كانوا أُناسا أمينين وجيدين جدا. يعني أنا لا أستطيع أن ألوم واحدا منهم في شيء ما. حتى من جاء بعدهم، جماعة صالحين وغيرهم. أنت طبعا عاصرت صالحين.
    • أي نعم، نحن كنا طلبة وقتها، ولكن كنا نحضر إلى الإذاعة. طيب، من البرامج الأنت اشتركت فيها، أنت ذكرت الآن أشكال وألوان، بالإضافة إلى ذلك، ماهي البرامج التي تتذكر أنك شاركت فيها؟
  • أنا قدمت “قلت أرحل” في برنامج جراب الحاوي لمحمد سليمان، محمد كذلك من أصدقائي. وكانت لدي كذلك صداقات في الجيل التالي لهم، مثلا أحمد الزبير، الأستاذ ذو النون بشرى، علم الدين حامد. وقدمنا برامج كثيرة مشتركة، وكذلك سجون مشتركة.
    • إذن هذه أيضا من ذكريات الإذاعة، فالإذاعة رفعتك إلى القمة، وذهبت بك كذلك إلى أماكن أخرى كذلك.
  • والله المكان الآخر ذاته قمة، بكل أمانة يعني. يعني غير أنها رفعتني إلى فوق، ما عملت لي شيئا.
    • طيب يا أستاذ وردي، أنا في الحقيقة أود لو تذكر لنا من تتذكرهم من الفنيين الذين سجلوا لك أغنياتك في الإذاعة، هل تتذكر بعضهم؟
  • أي نعم أتذكر، وكيف لا أتذكر؟ أتذكر المخضرم موسى إبراهيم، وأتذكر محمد عثمان إبراهيم، أتذكر علي توتي- المهندس علي عبد القادر، أتذكر رشيد أبو أحمد -رشيد أحمد فضل الله. وفعلا التسجيلات القديمة التي سجلناها في الإذاعة كانت تسجيلات جميلة جدا، يعني ربما لأنه وقتها كان هناك ضبط، الفنان منضبط، العازفين منضبطون، ويعرفون كيف يضبطون الآلات بطريقة صحيحة، والمهندس كان مهتما. وقبل دخول آلات الدوشة، أي قبل دخول الأورغ والبيز والجيتار والزحمة هذه، فقد كان التسجيل صافيا جدا.
    • أذكر كذلك أن الكثير من أغنياتك كان فيها آلة القانون.
  • نعم، فالقانون هذا بالذات كان هناك مصطفى كامل. ومما كان يفعله أنه كان يضبط الآلات ضبطا صحيحا، يعني ما كان يحدث أن يذهب هو لكل عازف، أو أن يحضر إليه العازف. فأنت من ناحية السماع، كنت تسمع مزيكة صحيحة من الفرقة. لهذا السبب جاءت التسجيلات القديمة جميلة. لكن الحكاية غير المقبولة الآن هي الصوت الاستعاري، أي أنك تبدل الموسيقى القديمة بصوتك الجديد، فهذا لا يصح في رأيي، وخطأ وتشويه للتاريخ، فكل مرحلة لديها صوت. فأنا أغني بصوتي الحالي وبموسيقاي الحالية.
    • طيب، ننتقل الآن للحفلات التي كانت تقيمها الإذاعة زمان. أنت متى اشتركت فيها للمرة الأولى؟
  • 59، وكانت هنا في فسحة كبيرة خلف هذه المباني. أول حفل كان في 59، وأنا أذكر أنني غنيت “الوصية”، للمرحوم برعي محمد دفع الله لحنا، وغنيت “يا ناسينا”، فكان هناك نجاح كبير للحفل. وهذه الليلة بالذات كانت أول مرة الكابلي يغني فيها “مروي” في حفل الإذاعة، بل وأول دخوله للإذاعة ذاتها. كذلك أنا أتذكر أن الإذاعة في بعض المرات كانت تعمل حفلات في الأعياد، نهارية. وأذكر أنني في سنة 73 غنيت أغنية “بناديها” لأول مرة في مسرح الإذاعة، وكانت معها أغنية “فرحي خلق الله واتني”.
    • وهذه كانت في المساء أم في النهار؟
  • في النهار كانت.
    • كذلك أنا أذكر يا وردي أن الإذاعة كانت تعمل حفلات في رمضان، وأنا أتذكر أنه في واحد من شهور رمضان كانت الإذاعة أقامت حفل مسائي ترفيهي مفتوح للمواطنين لثلاثين يوما، وكان يحضرها جمهور كبير جدا يعني، فلو تحدثنا عن ذكرياتك عن الحفلات الإذاعية.
  • لا، دعك من ذكرياتي، أنا أسألك سؤالا هنا، الآن لم لا تقام هذه الحفلات؟
    • كيف ذلك؟ فنحن في الأسبوعين الماضيين فقط أقمنا عددا من الحفلات.
  • ولماذا ما كلمتموني؟
    • نكلمك الآن تشترك معانا مباشرة إن شاء الله. طيب أنا في الحقيقة حقيقه يعني سعدت جدا بهذا اللقاء وبهذه الذكريات المنداحة، واللقاء استمر طويلا ونحن سعدنا كثيرا جدا بذكرياتك مع الإذاعة، (بما في ذلك) دخولك للإذاعة واللحظات الطيبة جدا الأنت قضيتها في الإذاعة، وتقديمك للإخوة المستمعين، وإثراءك لمكتبة الإذاعة، يعني بمراجعة مكتبة الإذاعة فأغانيك الموجودة فيها لا يقل عددها عن 100 أغنية إن لم يزد قليلا. بالإضافة إلى مشاركات كثيرة جدا في برامج الإذاعة المختلفة وفي حفلات الإذاعة المختلفة. فكما بدأنا بالتحية يعني نترك لك المقام (للختام).
  • والله يا السيد المدير، أنا كذلك شاكر ومقدر. وأنا أقدر كل الناس الذين استقبلوني في الإذاعة وأنا انسان مغمور وشجعوني. وأشكر من استمروا معي، وأشكر الإذاعة حاليا أيضا. وأنا (طوال) عمري ما تعاليت على الإذاعة، والإذاعة هي صاحبة الفضل الأولى في نشر الفن السوداني والفنانين السودانيين. كما أني حتى ولو أنا كنت ضد الحكومات، فأنا لا أكون ضد الإذاعة. يعني أنت شفت أنا من أمريكا كنت أرسل، وكنت أتكلم. من مصر، ومن أي مكان. نعم يعني أنا (دائما) أشارك وأرى أن الإذاعة كانت هي وسيلتنا الأولى للانتشار وكان لها الفضل العظيم قبل ظهور التلفزيون وقبل ظهور منتجي الكاسيت وكذا، لذلك هي الأم الرؤوم بالنسبة لنا وما زالت وستكون وستظل.
    • شكرا جزيلا، ونحن حقيقة نحيي فيك هذا الشعور الطيب، وهذا على الأكيد شعور ابن من أبناء الإذاعة. وتعتز الإذاعة كثيرا أنها قدمت للشعب السوداني محمد عثمان وردي منذ العام 1957. ونتمنى لك الصحة والعافية، ولعطاءك الثّر أن ينداح عبر موجات الاثير داخل وخارج السودان. ونقول لك أن الإذاعة أبوابها مفتوحة لك، ولتسجيلاتك وكل ما لديك من جديد أغنياتِ نقدمها للإخوة المستمعين. ونختم هذه الحلقة بواحدة من الأغنيات التي تقدمها للمستمعين في هذا اللقاء إن شاء الله.
  • والله أولا أنا من المفترض أن أشكر الأستاذ عوض (أحمودي) لأنه حضر- وكثر (الله) خيره، حضر وصاحبني في العزف، رغم أنه ليس من جيلي، ولكن لأنه فنان موهوب وحافظ الأغاني كلها.
  • شكرا جزيلا (على أغنية أماسي الغربة)، أستاذ محمد وردي، وحقيقة هذه حلقة مميزة جدا. وسعدت كثيرا أني صحبتك في هذه الذكريات العطرة عبر أكثر من 50 عاما مع الإذاعة السودانية.
  • هو في الحقيقة نحن الاثنان أصبحنا 50 عاما (أنا والإذاعة)، 50 عاما من الغناء.
  • وأشكرك على تلبيتك لدعوة الإذاعة والحضور إلى استديو الموسيقى لتسجيل هذه الحلقة.
  • والله لست مكرها، يعني أنا حضرت بالرغبة القوية في أن أساهم في هذا البرنامج العظيم لهذه الإذاعة العظيمة.
  • شكرا جزيلا. وللأمانة يعني فأنا أقول إن هذا البرنامج كان بمبادرة منك، وذلك في حواري معك حين كنا نتحدث عن الحفل الرائع الذي قدمته في المسرح القومي. فأذكر أنك قلت لي إن لديك ذكريات طيبة (مع الإذاعة). فهذه في الحقيقة ربما كانت هي مفتاحنا لهذا الحوار وهذا البرنامج. فيومها أنت تحدثت لي عن ذلك الحفل الذي تشرفت الإذاعة بنقله على الهواء، وتأثيره على المستمعين. وحقيقة وردتنا الكثير من الاتصالات عنه من مختلف المناطق.
  • وأنا كذلك وصلتني اتصالات كثيرة جدا من الخارج والداخل، قالوا لي الإذاعة ما لها؟ وماذا جرى لها فعادت ” زي زمان لذيذة “.

wmelamin@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

المتحدثة باسم اليونيسف تحذر من “ضياع جيل بأكمله” في السودان: 8 ملايين طفل خارج المدارس بعد ألف يوم من الحرب

الأمم المتحدة: حذرت منظمة اليونيسف من أن أكثر من 8 ملايين طفل حُرموا من حقهم …