بقلم عمر العمر
رئيس الوزراء قطع قول كلَ مشاءٍ بنميم حينما (دعا إلى الالتزام بإجراءات السلامة من المخاطر الاشعاعية). بهذا التحذير حسم كامل ادريس جدلاً مثاراً في شأن وجود آثار أسلحة كيمائية في الخرطوم. هو جدلٌ بدأ على خلفية تقارير دولية تثبت استخدام هذا السلاح إبان المعارك الأخيرة السابقة لمغادرة الجنجوجيد العاصمة. هي تقاريرٌ دفعت واشنطن للتلويح بفرض عقوبات على الجيش و سلطتة. رفض ادارة البرهان السماح لخبراءَ دوليين زيارة الخرطوم نقل التقارير الى مستوى اتهامات. ثم زاد المشهدَ تعقيدا تصريحُ الجنرال ابراهيم جابر باخلاء وسط العاصمة بغية (اعادة تخطيطها بصورة حضارية والشروع في بناء عاصمة ادارية حديدة).لمّا جاء اعلن الجنرال مباغتا خارج توقيت السودان الراهن فالمنطق يجعله محاولة للهروب من ملاحقة اتهامات السلاح الكيمائي. لكن رئيس الوزراء أزاح غشاوة الشك اذ جاء وسط تحريض رسمي إلى سكان الخرطوم بالعودة إلى المدينة!.
فمن غير الممكن ألا يكون كامل ادريس مطلعاً على خطوط الاشتباك بين الداخل والخارج في شأن مسألة على هذا السلاح الكيمائي.من ثم لايمكن استبعاد خطورة تحذيره المفتوح على الافق الإعلامي المحلي والخارجي.لو أن نداء رئيس الوزراء جاء على لسان أحد معاونيه مثل وزير الإعلام لاستوعبه الرأي العام كما يتناسب وشخصية الوزير . أو أمكن نفيه بغية درء توابعه السلبية. أكثر من ذلك تعزيزا للاتهامات فإن نداء رئيس الوزراء صدر غداة مشاركته في (نفرة) من أجل نظافة الخرطوم في اعقاب اول اجتماع وزاري فيها منذ انفجار الحرب. حال العاصمة لا يستوجب حملة نظافة لتنفيذ بغية إعادتها بيئة صالحة للسكن والعمل.بل مشروع متكامل يستدعي لإعادة إعمارها. فمشاركة بضعة قلة من سكان لا يملكون الحد الادنى من آليات ومعدات نظافة بلد تكابد حمولات آثار حرب محاولة حمقاء مثل حماقات رجال أشعلوا حربا لمّا يعرفو بعد متى وكيف يخمد أوارها.
فالثابت من تحذير كامل ادريس امتلاكه معلومات يقينية بوجود اشعاعات تستوجب اليقظة والحيطة من أجل السلامة.بما أن رئيس الوزراء لم يفصّل مصدر الاشعاعات فليس ثمة عنصر متاح غير الركون إلى تقارير السلاح الكيمائي.كلام الجنرال جابر يذهب أبعد من مجرد التحذير إلى قناعة بعدم صلاحية الخرطوم للإقامة والعمل. إذ مضى إلى تفريغ صحن المدينة من حواف النهر شمالا إلى خطا استوائها السكني جنوبا ومن شاطئها الغربي إلى حائط معسكرها شرقا. هذه المنطقة ليست فقط قلب المدينة بل هي مركز العاصمة السياسية و بؤرتها الاجتماعية.وفق المنظور التاريخي فإن ذلك الصحن هو ذاكرة وطنية رسمية اذ ظل يستوعب مؤسسات الدولة السودانية منذ التأسيس قبل الاستقلال. قيه منارت التعليم العالي ،رموز التسامح الديني العتيقة من مساجد وكنائس و موقع كنيس سابق.فيها بيوت التصاهر الاجتماعي الديني والاثني وبيوتات الرعيل الاول من الرأسمالية الوطنية. تفريغ هذه المساحة من المدينة لايشكل فقط اعتداءاً همجيا على كيان وطني شامخ، بل هو اعتداء على ذاكرة الشعب والوطن.
صحيح نقل العاصمة ليست بدعة سودانية فثم دول لم تنقل عواصمها بل بنت عواصم حديثة.لعل أقربها جارتنا مصر و أشهرها نيجيريا.وأقصاها ماليزيا وأكثرها جدلا ألمانيا.مع تباين الدوافع والغايات فربما يكون التكدس والزحام أحد الخطوط المشتركة في تلك التجارب . لعله العامل مبرر الجنرال جابر لنقل عاصمتنا فيما لو استبعدنا أخطار اشعاعات السلاح الكيمائي .أي قراءة لخارطة العاصمة السودانية توضح خطل نقل مؤسسات الدولة بغية تفكيك كتل التكدس ومسارات الزحام. بثقل التكدس على القاهرة أزمة خانقة بالفعل لكنه ليس ببعد أُحادي يبرر تحميل الشعب المصري أعباء الفاتورة الباهظة لكلفة انشاء (العاصمة الادارية). فهناك عناصر متعددة لا يتخطاها حتما البحث العميق مثل بعد روح الفرعون و بناء الاهرام حينما يستعرض التاريخ المصري المعاصر.
وراء الانتقال من لاغوس إلى أبوجا عناصر جغرافية ، ديموغرافية ،إثنية ودينية قبل التكدس السكاني .فلاغوس تقع على ساحل المحيط في مناخ استوائي رطب ،مما أفرز مع الزحام بيئة اشكالات عمرانية. غالبية التكدس البشري مسيحيون مما أضاف بيئة مشحونة بالصراعات صعّدت من معدلات الجريمة. فنقل العاصمة استهدف توسط خارطة الوطن في مناخ معتدل يرضي قبائل مسلمة ذات الثقل الديمغرافي . تنفيذ المشروع استغرق نحو خمسة عشر عاما في بلد نفطي.بوتراجايا لم تجرد كوالالمبور من كل ثقلها السياسي كما أضافت لذاتها بعدا سياحيا يفوق حال كونها مقرا للادارات الحكومية.توحيد المانيا فرض مركزة العاصمة السياسية للدولة .نقلها من بون إلى برلين كان قرارا صعبا تبناه البوندستاغ بفارق أصوات ضئيل .مع ذلك ظلت بون مقرا لأكثر من عشرين مؤسسة وادارة حكومية كما اصبحت المقر الثاني للمستشار الالماني.
أيما دراسة متأنية لحال الزحام في وسط الخرطوم لن تعزوه إلى وجود مقار مؤسسات الدولة.مع الاعتراف بثقل هذه المؤسسات فإن وراء ذلك الزحام اكتظاظ المنطقة باسواق غالبيتها عشوائية والبعض الآخر منها هامشية .كما توجد كثافة عالية من دور الخدمات الخاصة .فما يسمى بالسوق الافرنجي وهو لم يعد يحمل سمة من ملامحه القديمة بالإضافة إلى السوق العربي جعل المنطقة اشبه بميدان مولد دائم .في المساحة نفسها توجد ثمان مستشفيات خاصة وغابة من العيادات والمراكز الطبية وملحقاتها.هذه الشبكة الاجتماعية تجتذب على مدار النهار سيلا لا ينقطع من الباصات ، الحافلات والمركبات متباينة الاحجام.هذه الجلبة من الفوران البشري غير المنظم جعل وسط البلد منطقة جذب لاسراب من الباحثين عن الرزق الحلال والحرام .تجفيف برك هذه الخدمات وهي تعديات على قلب العاصمة أفضل حتما من الاعتداء. عليه.
لكن قرار الجنرال جابر و لجنته لم يتقص جذور الأزمة ،بل لعله لم يدرسها بقدر ما حاول استثمارها في التغطية على ما كشفه رئيس الوزراء في شأن مخاطر الاشعاع. هذه المكاشفة محمدة باهرة في رصيد كامل ادريس .هو يلامس قضية ترتبط بحياة الشعب وسط تحريض الدولة على العودة الى العاصمة من ملاذات النزوح و اللجوء.اكثر من التحريض رغبة السكان الجموح في الرجوع إلى البيوت في انتظار عودة الحياة إلى شبكات الخدمات الأساسية.لكن هذا رجوع لن يتم تحت رعب الاشعاع الكيمائي.لذلك فان الجيش مطالب بطمأنة أهل المدينة عن سلامة بيئة خالية من الأخطار .ذلك إجراء ينبغي الاستعانة فيه بخبراء وطنيين ودوليين. فكل الاخطار محتملة باستثناء مايهدد حياة البشر بل والشجر.!كما أن كامل ادريس مدعو بصفته رأس السلطة التنفيذية لاتخاذ الاجراءات العاجلة الملائمة لتأمين سلامة المواطن وبيئة العاصمة.
نقلا عن العربي الحديد
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم