مداخلة حول: “كيزان السودان … إقصاء أرباب الإقصاء” – مكرر –
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
يُغلّب أستاذ علاء الإقصاء السياسي على المصالحة. ومع تقديري، في واقعنا الراهن، أرى إمكانية الجمع بينهما. وسأبين ذلك عند مناقشة ذات المحاور التي تناولها، ومنها تفكيك التمكين والعدالة الانتقالية، وصولًا إلى نتيجة تفتح الطريق أمام تحقيق السلام والاستقرار، وهو هدفنا المشترك.
هناك تداخل بين مفهومي الإقصاء السياسي وتفكيك التمكين، لذلك جمعتهما في المقال السابق تحت مسمى “إزالة الاستبداد” لارتباطهما الوثيق بمرحلة التحول من نظام استبدادي إلى ديمقراطي. فالإقصاء يعني عزل رموز الاستبداد عن العمل السياسي، بينما التفكيك يهدف إلى إنهاء بنيته المؤسسية عبر حل أذرعه السياسية والاقتصادية والأمنية، وإصلاح المؤسسات، ومحاكمة الفساد واسترداد الأموال. لذا، فالإقصاء خطوة أولية ضرورية، أما التفكيك فهو الضمانة الحقيقية لعدم عودة الاستبداد.
أما قول علاء إنّ الاستبداد لا يُهزَم بنصف ثورة أو بتسويات هشة، فلا خلاف، لكنّ الثورات السلمية بطبيعة حالها تحتاج إلى قوّة تنحاز إليها لحظة اقتراب النصر. ولسوء حظّ الثورة السودانية، انحاز إليها قادة الجيش، أعضاء اللجنة الأمنية للنظام السابق الذين شكّلوا المجلس العسكري الانتقالي، وسعوا للانفراد بالسلطة ودخلوا في مماحكات مع الثوّار. ونتيجة لذلك، لم يُطبَّق الإقصاء، بل بقي الجهاز التنفيذي والجهاز العدلي للإنقاذ بكبار رموزه، وقادة أجهزته الأمنية في مواقعهم بعد سقوط البشير وحتى تشكيل هياكل الحكم الانتقالي، لأكثر من ستة أشهر، مما أضعف المد الثوري نسبيًا.
وأكثر من ذلك، تحت ضغط الشارع، دخل المجلس العسكري في مفاوضات أفضت إلى الوثيقة الدستورية كحلّ لتقاسم السلطة، فأصبح طرفًا داخل مجلس السيادة مع المكوّن المدني. لكنه واصل عرقلة مسار الثورة خوفًا من مهامّ الانتقال التي نصّت عليها الوثيقة، فهو أبرز المتّهمين حال التحقيق في مجزرة الاعتصام، وأول المتضرّرين من تفكيك التمكين ومكافحة الفساد، بصفته الوجه الجديد للاستبداد.
وحتى الوثيقة لم تقنن للإقصاء السياسي. أما تفكيك التمكين الذي نصت عليه، فهي إجراءات تتعلق بالتفكيك البنيوي فقط. وكذلك حل الحزب إجراء استهدفه ككيان تنظيمي، وهذا ليس إقصاء سياسي. كما فاقم من حجم التحديات التي واجهت الثورة سوء تطبيق الوثيقة والممارسات غير الديمقراطية التي لازمت الفترة الانتقاليّة، وأضعفت المصداقية، وسنفصل ذلك لاحقًا.
لقد تناولتُ كل ذلك كسردٍ تاريخي يوضح المعوِّقات التي واجهت الثورة وحالت دون حمايتها، وللتأكيد على أن ملابسات الثورة السودانية تختلف عن تجارب الدول التي استشهد بها علاء. وإن الصفعات التي تلقتها الثورة من داخلها وخارجها كانت هي السبب في التسويات الهشة وعودة الاستبداد.
لكن كل هذا لا ينبغي أن يُضعف همتنا في البحث عن المخرج الآمن؛ فالثورة تستمد قوتها من كونها خيار الغالبية، ومن إصرار الشعب على استعادة مسارها لتحقق أهدافها التي تشكّل الحل الجذري لأزماتنا التاريخية.
ومن هنا، يقع على عاتق الجميع التجرد وإخلاص النية للوطن والسعي إلى حوار يقود إلى مصالحة وطنية حقيقية، ترتكز على عدالة انتقالية سودانية لا يفلِت فيها مذنب من العقاب، وتفتح في الوقت نفسه الطريق إلى الحوار والتعافي والمصالحة، حرصًا على سلامة الوطن ووحدته واستقراره، وجمع شتات أهله.
غير أن البداية الجادة تكمن في شجاعة الاعتراف المتبادل بالأخطاء، والمراجعة والاعتذار للشعب، والالتزام بتغليب مصلحة الوطن.
نواصل …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم