تمر علينا في عام 2026 الذكرى الـ237 للثورة الفرنسية، ذلك الحدث الذي هزّ أركان الحكم المطلق في أوروبا، وأعلن في لحظة تأسيسية مبادئ الحرية والمساواة والأخوة. ورغم أن وقائع تلك الثورة تعود إلى زمن بعيد، فإن أسئلتها الكبرى ما زالت حية، لتجد صداها في أحياء الخرطوم وأم درمان والمدن السودانية الأخرى، حيث يحاول السودان اليوم الخروج من عنق الزجاجة الذي يطارد تجارب التحول الديمقراطي في العالم.
لم تكن الثورة الفرنسية مجرد انتفاضة عابرة، بل انفجارًا تراكميًا لأزمة مركبة: أزمة مالية خانقة، وجوع متفشٍ، وغياب العدالة الاجتماعية في ظل نظام ملكي عتيق. صورة تبدو مألوفة في السياق السوداني، حيث أدت عقود من التهميش والانفجار الاقتصادي والهشاشة السياسية إلى لحظة ديسمبر 2019، التي أطاحت بنظام دام ثلاثين عامًا. وما حدث بعد سقوط الباستيل، كما حدث بعد إسقاط نظام الإنقاذ، يؤكد حقيقة واحدة: الإطاحة بالحكم القائم ليست نهاية المعركة، بل بدايتها الأكثر تعقيدًا.
في فرنسا، سرعان ما انقلبت الثورة على نفسها في مشهد داخلي عنيف، بين صراعات الفصائل وخوف من الثورة المضادة، حتى أفضى الأمر إلى صعود نابليون بونابرت الذي أعاد صياغة السلطة بعباءة عسكرية مركزية. في السودان اليوم، تبدو ملامح هذه المرحلة حاضرة بقوة: فراغ دستوري، تعدد في مراكز القرار، مخاوف من الانزلاق نحو استبداد جديد أو تفكك كامل، في غياب مؤسسات قادرة على احتواء التحول. وهنا يكمن الدرس الأعمق الذي تقدمه الثورة الفرنسية، ليس كوصفة جاهزة، بل كتحذير من أن لحظة التغيير تحمل في طياتها أعظم الفرص وأخطر التهديدات.
ما يجعل تاريخ الثورات حيًا هو قدرته على أن يكون مرآة، لا نصًا مقدسًا. فالسودان اليوم ليس فرنسا الأمس، لكنه يواجه سؤالًا جوهريًا طرحته كل تجربة تحول كبرى: كيف نبني الدولة بعد أن تهدمت أسسها القديمة؟ ومَن يضمن ألا تتحول الثورة إلى طغيان جديد يحل محل القديم؟
قد تكون القيمة الحقيقية لاستذكار ثورة 1789 في السياق السوداني اليوم، ليست في المقارنات المباشرة، بل في استخلاص فكرة بسيطة لكنها صعبة التطبيق: إسقاط النظام يظل إنجازًا عظيمًا، لكن بناء مؤسسات وطنية شفافة وعادلة هو وحده الذي يحوِّل الانتفاضة إلى دولة، ويحوّل العنف المبرر إلى سلام دائم ومستدام.
muhammedbabiker@aol.co.uk
دكتور محمد عبدالله
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم