مرج البحرين يلتقيان… وقد اختفى البرزخ: الجيش والكيزان توأم سيامي يستحيل فصلهما جراحياً

الصادق حمدين

كشفت مصادر صحفية عن دعوات مشتركة من المملكة العربية السعودية ومصر إلى رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان لاتخاذ خطوات عملية عقب قرار الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية. وبحسب ما نشرته صحيفة الراكوبة، فقد طالبت الرياض والقاهرة البرهان بإجراءات واضحة تشمل إعلان حل الحركة الإسلامية وتقليص نفوذ الكتائب المرتبطة بالإسلاميين داخل الجيش، وصولاً إلى فك ارتباط المؤسسة العسكرية بالجماعات المتطرفة.

هذه الدعوات لا تفتح باب السياسة فحسب، بل تفتح باب الحقيقة التي ظل البرهان ينكرها بإصرار. فعندما تطلب دولتان حليفتان بحجم السعودية ومصر تفكيك نفوذ الحركة الإسلامية داخل الجيش السوداني، فإنهما لا تتحدثان عن احتمال نظري أو شبهة عابرة، بل عن واقع تدركانه جيداً. وهذا بحد ذاته نسفٌ للرواية الرسمية التي ظل البرهان يرددها ساخراً: “أين الكيزان؟ وهل ترون كوزاً هنا؟”.

السؤال الحقيقي لم يعد عن وجود الكيزان، بل عن مصداقية من ظلوا ينفون هذا الوجود ويدافعون عن المؤسسة العسكرية باعتبارها بريئة من تأثير الإسلاميين، ويصنفون كل من يشير إلى ذلك ضمن ما سموه “الكيزانوفوبيا”. فإذا كانت الدول الحليفة نفسها ترى أن المدخل لأي معالجة هو تفكيك هذا النفوذ، فبأي منطق يستمر إنكاره من رأس السلطة العسكرية؟

الحقيقة التي يعرفها السودانيون، وإن حاول الخطاب الرسمي تجاهلها، أن العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية ليست علاقة عابرة يمكن إنهاؤها بقرار إداري أو بيان سياسي. إنها علاقة تشكلت عبر عقود من التداخل السياسي والأمني والعقائدي منذ انقلاب 1989، حتى أصبحت أقرب إلى ما يسميه الطب بالتوأم السيامي الملتصق: جسدان تشكلا معاً إلى درجة يصبح فيها الفصل بينهما عملية قد تهدد بقاء أحدهما أو كليهما.

ولهذا يبدو الطلب الموجَّه إلى البرهان بفك هذا الارتباط أشبه بمطالبة رجل بأن يقطع جزءاً من جسده بيده. فالأمر لا يتعلق بنفوذ سياسي طارئ يمكن عزله، بل بشبكة عميقة من الولاءات والبُنى التي تغلغلت داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

ويكتسب هذا الواقع مزيداً من الوضوح إذا استُحضر تصريح الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف حين قال إن “الكيزان موجودون داخل مكتب البرهان”. لم يكن ذلك مجرد تعليق عابر، بل إقراراً صريحاً بعمق حضور الحركة الإسلامية داخل دوائر القرار العسكري، وإشارة إلى أن الحديث عن نفوذهم ليس اتهاماً سياسياً بقدر ما هو وصف لواقع قائم.

الأخطر أن مثل هذه التصريحات تحمل في طياتها رسائل مبطنة مفادها أن هذا النفوذ ليس هامشياً، وأن من يقفون خلفه ليسوا خارج السلطة بل في قلبها. ولذلك فإن مطالبة البرهان اليوم بحل الحركة الإسلامية أو تفكيك نفوذها داخل الجيش تبدو أقرب إلى مطالبة بالمستحيل السياسي؛ ليس فقط لغياب الإرادة، بل لأن القدرة على التنفيذ نفسها محل شك عميق.

ومن هنا ينبغي توجيه رسالة واضحة إلى الدول الحليفة التي تعرف تعقيدات المشهد السوداني أكثر من غيرها: إن الأزمات لا تُحل بطلبات تتجاهل طبيعة الواقع. فالمشكلة في السودان ليست مجرد قرار سياسي مؤجل، بل بنية سلطوية تشكلت عبر عقود من التداخل بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية.

ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل صراع على هوية الدولة نفسها، وهوية مؤسساتها التي تغلغل فيها تنظيم الكيزان حتى تلاشت الحدود بين التنظيم والمؤسسة. وفي مثل هذا الواقع، لا تكفي البيانات الدبلوماسية ولا المناشدات الناعمة لتفكيك علاقة ترسخت لعقود.

فالحقائق، مهما طال إنكارها، لا تختفي. وقد ظهرت هذه المرة على لسان الحلفاء أنفسهم: حلفاء يحاربون الإخوان المسلمين في بلدانهم ويصنفونهم تنظيماً إرهابياً، بينما ظلوا يدعمون وجودهم في السودان ما دامت مصالحهم محفوظة. لكن عندما رفعت واشنطن عصا التصنيف الإرهابي، تنصل حلفاء الأمس، وطالبوا الجيش بفك ارتباط يعرفون جيداً أنه بات جزءاً من بنيته.

لقد التبس الجيش بالحركة الإسلامية حتى تلاشى البرزخ بينهما. وعندما يختفي البرزخ… يصبح الفصل مجرد أمنية سياسية، لا مشروعاً قابلاً للتنفيذ.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

السيكوباتية السياسية لتنظيم جماعة الإخوان: من علل النفس إلى هندسة الخراب

الصادق حمدين في علم النفس الجنائي، تُوصَف الشخصية المعادية للمجتمع بأنها تلك التي لا ترى …