مسامرة مع الكورنجية

مؤانسة رمضامية (21)
فيصل محمد صالح
أعترف ابتداءً بأن علاقتي بكرة القدم، والرياضة عموماً، ضعيفة. وحتى عندما لعبت لفريق الحي كنت لاعباً من الدرجة الثانية ولست من العناصر الرئيسية للفريق، رغم أنني أحرزت هدفاً في آخر مباراة بالمسابقة، وبسببه فاز فريقنا ببطولة الدوري. وما زالت ذكرى هذا الهدف الوحيد، الذي كتبت عنه أكثر من عشر مرات، تغيظ صديقي الدكتور عمر حموري.
ومع دخولي المرحلة الثانوية حاولت أن أتعلم كرة السلة مع صديقي عبد الوهاب علي الريح، لكنني لم أتجاوز الدرجة الثانية أيضاً. وحتى على مستوى المتابعة والتشجيع لم أكن متحمساً إلا لمتابعة فريقنا “الاستقلال” في رابطة البر الشرقي ببورتسودان، ومباريات الهلال العاصمي عبر الإذاعة ثم التلفزيون، وقليل من مباريات فريق الثغر في عصره الذهبي: قمر شنقراي، وشمس الدين، وجنقلي، وبافلي، وتاج، مع المعلم طاهر حسيب.
عندما انتقلت إلى العاصمة للعمل في الصحف، صرت مشجعاً لفريق حي العرب من باب الوفاء لبورتسودان، وليس لهلال الساحل. وأظنني ما زلت من الغاضبين لأن هذا الفريق هجر اسمه التاريخي المميز “الترسانة”، الذي يربطه بالميناء، ليأخذ اسم الهلال مع عشرات الفرق الأخرى. وليت أهل بورتسودان يعملون على إعادة الاسم القديم، وربط الفريق بالميناء وإمكاناته وجماهيره.
في الصحافة جرفتنا الأخبار السياسية والتحقيقات ومواد الخدمات، فلم أكن صاحب اهتمام بالصحافة الرياضية أو متابعتها، رغم أنني في بداية عملي الصحفي جاورت أساتذة كباراً من الصحافة الرياضية، وهم الأساتذة الراحلون أحمد محمد الحسن، وحسن عز الدين، ومحمد أحمد دسوقي وغيرهم، وكان مكتبهم مجاوراً لمكتبنا. ثم عمل معنا الأستاذ دسوقي في صحيفة الخرطوم بالقاهرة والخرطوم، وهو رجل لطيف وخفيف الظل، ومتعصب للهلال لا يرى غيره، وصاحب علاقات واسعة في الوسط الرياضي. وبالمعاشرة تكتشف أن عالم الصحافة الرياضية عالم عجيب وغريب، لن تعرفه جيداً إلا إذا احتككت به.
ذات مرة دخل دسوقي في جدال ونقاشات ساخنة مع عبد المنعم شجرابي، وكانت مراجعة صفحة الرياضة من مسؤوليتي. فوجدت في عمود الأستاذ دسوقي تعريضاً بشجرابي وعبارات اعتبرتها قاسية، فقمت بمراجعة المادة وتنظيفها بالحذف والتعديل. أول هاتف صباح اليوم التالي جاءني من شجرابي:
“يا أستاذ، ده شنو العملتوه؟”
اندهشت؛ فقد كنت أتوقع أن يشكرني على ما فعلته، لكنه فاجأني بالقول:
“دسوقي قرأ لي المادة بالتليفون قبل النشر، وجهزت ردي في نفس الليلة، لكن وجدت أن كل ما رددت عليه قد قمت بحذفه.”
دخلت على دسوقي في مكتبه فوجدته غاضباً، فأبلغته رسالة من الأستاذ فضل الله:
“يا جماعة، تهاذروا ما شئتم، لكن بعيداً عن الجريدة.”
حين توليت مسؤولية صحيفة “الأضواء” كان الجو العام هلالياً، خاصة في القسم الرياضي. في أول مباراة هلال–مريخ فاز المريخ على الهلال، فوجدت القسم الرياضي خالياً، ولا أحد منهم موجود في مكاتب الجريدة. سألت، فجاءني الرد أن فلاناً، وهو صحفي هلالابي، خرج “مدبرساً”، أي مكتئباً، من الاستاد إلى المنزل، وسيرسل المادة من هناك. رفضت الفكرة وطلبت حضوره، أو أن تنزل الجريدة في اليوم التالي من دون خبر المباراة في صفحة الرياضة، وسنكتفي بخبر في الصفحة الأولى.
بعد حضوره راجعت الصفحة فوجدت العنوان الرئيسي:الهلال يتواضع وينهزم من المريخ”.. حملت الصفحة وذهبت لمراجعته: يا أستاذ، هل الخبر أن المريخ فاز أم الخبر أن الهلال انهزم؟” أجابني وهو يكاد يبكي: والله يا أستاذ، لو بتعرف كورة فالخبر أن الهلال انهزم.” رددّت عليه بأنني “بعرف كورة”، وأن العنوان سيكون: المريخ يهزم الهلال”وقد كان.
كرة القدم لها سحر عجيب. حبها موجود داخل كل إنسان، سواء اكتشف ذلك أم لا، ويمكن لظرف ما أو موقف معين أن يحولك إلى كورنجي من الدرجة الأولى.
كنا مجموعة نشارك في مؤتمر للحركة العربية لحقوق الإنسان بالمغرب، معنا أستاذنا الراحل كمال الجزولي، وفيصل الباقر وآخرون. قبل أن نسافر بيوم نزلنا للإفطار، ففوجئنا بفريق الهلال ورئيسه صلاح إدريس معنا في نفس الفندق. المهم أن صلاح إدريس أخذ وقتاً طويلاً ليقنعنا بتأجيل سفرنا لنحضر مباراة الهلال مع الجيش المغربي. كان كمال الجزولي الأكثر رفضاً للفكرة:
“مالنا ومال الكورة؟ حنستفيد شنو؟ عندنا أشغال كتيرة راجيانا.”
يوم المباراة ركب صلاح إدريس في بص اللاعبين، وترك لنا سيارة التشريفة التي خصصها له الاتحاد المغربي. دخلت بنا السيارة إلى الاستاد وأنزلتنا أمام المقصورة. كان فريق الهلال يضم هيثم مصطفى، وقودوين، وكلاتشي، ويوسف محمد، وغيرهم من الأساطين.
بعد عشر دقائق كان كمال الجزولي واقفاً على طوله يصرخ ويشجع ويوجه اللاعبين والمدرب، ويطالب بعدم الرجوع للدفاع. المهم فاز الهلال وتأهل للمرحلة اللاحقة.
عند العودة للفندق كان كمال الجزولي متعجباً من صراخه وتشجيعه، وقال لي إن في كرة القدم سحراً ما، وإنه لو دخل مباراتين أخريين فسيصل إلى مرحلة حرق العمّة.
المهم أن كل الفرق التي أشجعها في المقدمة: الهلال السوداني، والزمالك المصري، وآرسنال الإنجليزي. أنا مطمئن لوضع الهلال، وأرجو ألا يخذلني الزمالك وآرسنال مثل كل عام.

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

رحيل “الأسطى”

مؤانسة رمضانية (17)فيصل محمد صالحالعمل الصحفي يبدو سهلا للناظر إليه من الخارج، لكنه عمل معقد …