مشروع الجزيرة: من ثروة وطنية إلى فوضى مهدَّمة

muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد عبدالله
يحتل مشروع الجزيرة موقعًا فريدًا في الذاكرة الاقتصادية السودانية، لا بوصفه مجرد مساحة زراعية بين النيلين الأزرق والأبيض، بل باعتباره أحد أعمدة تشكّل الدولة الوطنية الحديثة. فعلى امتداد عقود، لم يكن المشروع حقل إنتاج فحسب، بل منظومة متكاملة: رافعة للاقتصاد، وحاضنة اجتماعية لمئات الآلاف من الأسر، وتجسيدًا عمليًا لفكرة الدولة المنتجة. ومن ثم، فإن استدعاء تاريخه اليوم لا ينطلق من حنين رومانسي إلى الماضي، بل من ضرورة فهم مسار صعوده وانحداره، بوصفه مرآة لعلاقة الدولة السودانية بمواردها ومواطنيها.

تأسس المشروع في عشرينيات القرن الماضي في سياق الاستعمار البريطاني، لتأمين القطن طويل التيلة لصناعة النسيج في بريطانيا. ومع مرور الزمن، تمددت مساحته إلى ما يقارب مليوني فدان، مدعومة بشبكة ري تُعد من أكثر الشبكات تعقيدًا وانضباطًا في أفريقيا، تعتمد على خزان سنار ونظام دقيق لتوزيع المياه عبر القنوات والترع. وعند الاستقلال، ورث السودان مشروعًا مكتمل البنية التحتية، لكنه ورث معه أيضًا نمط إدارة مركزيًا صارمًا، كان يمكن تطويره ليصبح نموذجًا وطنيًا رشيدًا، لولا أن أُخضع لاحقًا لمنطق الصراع السياسي والزبائنية.

في ذروة عطائه، خاصة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، شكّل مشروع الجزيرة العمود الفقري للصادرات الزراعية السودانية. فرغم محدودية مساحته مقارنة بالرقعة الزراعية الشاسعة للبلاد، كان ينتج غالبية القطن السوداني، ويسهم بنسب معتبرة في إنتاج القمح والفول السوداني والذرة. وفي مواسم بعينها، مثل موسم 1983–1984، مثّل قطن الجزيرة المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي، وسندًا حاسمًا للميزان التجاري. ولم يكن المشروع مجرد نشاط زراعي، بل منظومة إنتاج متكاملة تضم سكة حديد داخلية، ومحالج، وورشًا هندسية، ومراكز بحوث، ومجتمعًا ريفيًا مستقرًا نسبيًا، أسهم في نشوء طبقة وسطى زراعية نادرة في السياق السوداني.

غير أن مؤشرات التراجع بدأت في وقت مبكر. فمنذ ستينيات القرن الماضي، فشلت الحكومات الوطنية المتعاقبة في تحديث نموذج إدارة المشروع بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتعاملت معه كجهاز بيروقراطي ثقيل أكثر من كونه استثمارًا استراتيجيًا. وفي عهد جعفر نميري، حافظ المشروع في سنواته الأولى على قدر من الاستقرار، لكن السياسات اللاحقة، المرتبطة بإعادة هيكلة الاقتصاد، وتراجع الإنفاق على الصيانة والبحث الزراعي، جعلته عرضة للتآكل التدريجي، خاصة مع تحويله إلى مورد لسد عجز الدولة المالي.

أما الانهيار الأكبر، فجاء في عهد نظام الإنقاذ بعد عام 1989. فبدل معالجة اختلالات المشروع، جرى تفكيكه تحت شعارات “التحرير الاقتصادي” و“تمكين المزارع”، بينما كانت النتيجة الفعلية إضعاف الدولة لمصلحة شبكات حزبية وأمنية. شكّل قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 نقطة مفصلية، إذ ألغى الإدارة المركزية، وترك المزارعين في مواجهة السوق دون حماية أو تمويل أو بنية داعمة، ما أدى إلى انهيار الدورة الزراعية. تزامن ذلك مع بيع أو تصفية أصول استراتيجية، من سكك حديد ومحالج وورش ومؤسسات بحثية، وتشريد آلاف العمال والفنيين، وتحويل ثروة عامة تراكمت عبر عقود إلى مكاسب خاصة لدوائر محدودة من النفوذ.

رافق هذا المسار تدميرٌ واسع للصناعات المرتبطة بالمشروع في مدني والمناقل وغيرها، من غزل ونسيج ومصانع زيوت، فانقطعت الصلة بين الزراعة والتصنيع، وتحوّل المشروع من محرّك تنمية إلى عبء ثقيل على مزارعين أثقلتهم الديون وارتفاع كلفة المدخلات. وبمرور الوقت، تقلصت المساحات المزروعة، وتدهورت إنتاجية القمح والقطن، وأصبح السودان يستورد جزءًا كبيرًا من غذائه، في مفارقة صارخة لبلد يمتلك واحدًا من أضخم المشاريع المروية في القارة.

بعد ثورة ديسمبر 2019، عاد مشروع الجزيرة إلى الواجهة بوصفه رمزًا للنهب وسوء الإدارة، لكن من دون رؤية متكاملة لإعادة بنائه. وفي ظل هشاشة السلطة السياسية، وتصاعد الصراع المسلح، وتعدد مراكز القرار، تحوّل المشروع مجددًا إلى ساحة تنافس ونفوذ، بدل أن يكون أداة للإنقاذ الاقتصادي. واليوم، تزداد المخاوف من أن يصبح ما تبقى منه هدفًا لقوى مسلحة أو تحالفات مصلحية، تبحث عن “الذهب الأخضر” في فراغ الدولة.

إن السؤال الحقيقي لا يقتصر على كيفية تدمير مشروع الجزيرة، بل يمتد إلى ما كان يمكن أن يمثله لو استمر قويًا حتى اليوم. فمشروعٌ بهذا الحجم كان قادرًا على توفير قدر معتبر من الأمن الغذائي، وضمان مورد مستدام للنقد الأجنبي، وخلق ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، والحد من الهجرة الداخلية، وبناء توازن اقتصادي بين الريف والمركز. غير أن ما حدث يشي بحقيقة أعمق: أن انهيار المشروع كان نتيجة مباشرة لانهيار فكرة الدولة الحارسة للمصلحة العامة.

فالمشاريع الكبرى لا تنهار بفعل الزمن وحده، بل حين تُفكك المؤسسات، ويُستبدل معيار الكفاءة بالولاء، وتتحول التنمية إلى غنيمة. إن إعادة إحياء مشروع الجزيرة، إن قُدّر لها أن تبدأ يومًا، لن تكون مجرد عملية فنية لإصلاح الترع أو إعادة تشغيل المحالج، بل مسارًا سياسيًا ومؤسسيًا لإعادة تعريف علاقة الدولة بمواردها ومواطنيها.

ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر دولة مدنية عادلة، تنظر إلى الزراعة بوصفها ركيزة استراتيجية لا موردًا للنهب، وتعيد بناء مؤسسات مستقلة وقادرة لإدارة الثروات العامة، وتضمن توزيعًا منصفًا للسلطة والثروة. فالتدخلات الخارجية وشبكات الفساد لا تزدهر إلا في البيئات الهشة، أما الدولة القوية بحق، فهي تلك التي تحسن إدارة أرضها، وتحمي منتجيها، وتصنع أمنها الغذائي والاقتصادي بإرادتها لا بشعاراتها.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

هل يعني تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً نهاية نفوذها؟

دكتور محمد عبدالله يثير الحديث المتزايد في واشنطن عن تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً …