الكتاب الوحيد الّذي فتحتُ عيني عليه، في دارنا في محطّ الحصيرة الخلوية الواقعة على سكك حديد السودان، هو القرآن الكريم. وكان مصحفاً قديماً، صغير الحجم، دقيق الحروف، حال لون أوراقه، وخلت حواشي بعض صفحاته من كل رسم، ووشت حواشي بعضها الآخر زخارف تنسدل على جانبي السورة كضفيرتين خضراوين يحزم كلّ منهما انشوطة فاقعة الصفرة، وبعضها الثالث محروس المتون بمثلّثات كُحْلِيّة الصبغة، متلاحمة القواعد، تبدو كسلك شائك يحرس السُوَر، وبعضها الرابع كان عبارة عن خطوط متموّجة تتراى كقباب متجاورة تخفي تحتها عوالم تفيض بالألوان، زاخرة بالزنابق والاشكال
الغريبة، وبعضها الخامس محاط بسلسلة من التيجان الملكية، وفي بعضها الأخير ينحسر المتن متضائلاً من شكل هندسي رباعي الأضلاع مهيمّن على الصفحة بأسرها إلي دائرة محاصرة، أو إلي شكل غير محدّد أقرب إلى صورة فتحة المفتاح في القفل وهي مكبّرة، أو إلي شكل بيضاوي مذهّب يسبح في بحر من اللون البني الداكن، أو إلي شكل ثماني الأضلاع.
من ذلك المصحف كان يتلو أبي وهو جالس على فروة الصلاة ، بينما ظِلُ الحائط الذي اعتاد الصلاة بجواره يكبر أثناء التلاوة، بين صلاتي العصر والمغرب، غامراً فناء البيت، ناشراً فيه البرودة.
يهزّ أبي رأسه كلما توغَّل في المصحف، منحنياً فوقه ببشرته الغامقة السمرة، وأنفه المستقيم، وشاربه الكثّ، وشعره السبط الداكن السواد، وعينيه اللتين لاتبصران من الكون في تلك الساعة غير المصحف الكريم. يكمل ابي تلاوته، ثم يرفع كفّيه مغمغماً بالدعاء وهو مغمض العينين، ثم يمسح الوجه بالكفَّين، ثم ينهض من
الفروة، ليعيد المصحف إلى بيته المصنوع من الجلد بعد أن يلثمه بخشوع، ويغلق عليه بإحكام لئلا ينفذ إليه الغبار والحشَرات. ثم يرفعه إلى مقام عالٍ تشرف منه صحائفه المعظَّمة على دارنا، لتبعد عنها الشرور، وتستمطر لها اليُمْن والأمن والخيرات والبركات
عثمان محمد صالح،
تلبرح، هولندا
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم