قرأت قديما واظنه في كتاب نائب في الارياف ان مجوعة من النساء في القرية كن يزغردن وهن يحملن جهاز تلفون ويطفن القرية . والنساء كن من اسرة العمدة الجديد . وكان جهاز التلفون يمثل رمز السلطة في القرية ويتواجد فقط في دوار العمدة . والعمدة يمثل الفرعون الجديد الذي يستلم من الفرعون القديم ويقوم بمسح اسمه ورموزه من المعمار والمعابد .
البارحة برأت المحكمة حسني مبارك وابنائه ووزير الداخلية حبيب العادلي . ولا اعرف ماذا حدث لاحمد عز والبقية.
في التسعينات قابلني الخال محجوب عثمان طيب الله ثراه في المطار واخذني الي شقته في العجوزة شارع ابو المعاطي رقم 64 الطابق الثاني ، خلف مسرح البالون مباشرة . وجلسنا للتسامر . وكان هنالك مجنون يطوف الحي ويصرخ بطريقة تؤكد ان حباله الصوتية من نوع فريد . ولان الشبابيك مفتوحة فكان من المستحيل حجب صوته القوي . ومع الفجر بدات ثلاثة جوامع متقاربة في رفع الآذان بمكبرات صوت قوية . وكأن بينهم تنافس .
بعد عدة ايام ونحن نشتري الجرائد من الكشك بالقرب من الفوال والصيدلية رايت رجلا غير حليق يبدو عليه الهدوء والدعة وهو يقرا الجرائد امام الكشك . وكان يرتدي بدلة كاملة وان كانت قد فارقها العز . واعلمني الخال محجوب عثمان ، بانه المجنون .
عندما فتك المهوسون الاسلاميون بالسياح في الاقصر ثار حسني مبارك وقال للالفي وزير الداخلية امام عدسات التلفزيون .. انت طلعت اي كلام … وبالرغم من هذا يصدع رأسنا المصريون بانهم بلد الموسسات . وان الله سبحانه وتعالي قد انعم علي مصر بالامن والسلام . وتجد الآية الكريمة … وادخلوا مصر ان شاء الله آمنين … صدق الله العظيم ، مكتوبة في كل مكان .
بلد المؤسسات لا يبهدل فيها وزير داخليتها امام الخلق ويطرد مثل تلميذ خائب . ولا يتم تعيين آخر من الرف بدون استشارة الجهاز التشريعي . الرئيس الامريكي لا يمكن ان يعين سفيرا بدون تمحيص الكونقرس . ولم يحاسب حسني مبارك نفسه فهو كبير العيلة ، كما كان يقول السادات …. ده انا كبير العيلة .
لقد قام المهووسون بذبح النساء العجايز بالسكاكين وطاردوهم لمدة 45 دقيقة . وهذا يعني شوطا كاملا لمباراة كره القدم . ولم يتوقفوا الا بعد ان بلغ منهم الاجهاد اقصاه . فعملية المطاردة والذبح مجهدة حتي لشباب مهووس . ولم يكن هنالك اي وجود للامن والجيش لحماية السواح الذين كانوا يمولون اهم وجوه الاقتصاد المصري .
قبل تلك الحادثة كنت في طريقي للمطار في الصباح الباكر ولاحظت ان هنالك رجل امن او جيش خلف كل شجرة في كل الطريق المؤدي الي المطار , فسألت السائق عن السر . فقال لي ان السبب هو ان الريس مسافر . وكان سفره في بداية المساء . فسألت لماذا هم هنالك منذ الصباح الباكر . وقال السائق انهم هكذا منذ الامس . ولم يتكرموا علي الاقصر بدستة رجال امن لحماية السواح المساكين . والمحزن هو كيف قدر اولائك الوحوش علي بقر بطون نساء عجائز بعضهن في الثمانينات من العمر؟واي قلوب تلك التي تقدرهم علي الفتك ببشر لم يعرفونهم .
بعد تسلم العدلي حدثت مسرحية غير مصدقة . فعندما حضرت في المساء كان شارع ابو المعاطي واغلب الحي مقفولا بحواجز حديدية ورجال امن يحملون الرشاشات وعصي مضيئة ويمنعون دخول السيارات ، ويحققون مع الداخل والخارج .
والعدلي كان يسكن في نفس المربوع . وعندما ذهبت لشراء الفراخ البلدي من صاحب الفراخ اللطيف الذي يجلس علي كرس متحرك وهو مقطوع الرجلين ويبدوا كأحد ضحايا الحرب ، كان المحل خاليا من البشر . وكان يشتكي من انقطاع الزباين . وكان الانسان ينتظر في محلات العربي للشواء لفترة طويلة . ولكن بعد تنصيب الباشا قل عدد الزبائن . وتأثر الفوال وصاحب السوبر ماركت والغسال والصيدلية . وكنت ا اتألم للجنود الذين يقفون في منتصف الطريق وهم يرتدون خوذات الحديد في صيف القاهرة الخانق . واختفي المجنون . وصارت الجوامع تهمس بالآذان . وتذكرت كيف كان المسلمون يؤذنون في جرة في بداية الاسلام
قبل ايام استمعت لمقدم برنامج تلفزيوني يتحدث مع حسني مبارك . وحسني مبارك يرد عليه بوضوح . وحسني مبارك كانوا يأتون به علي سرير للمحاكمة . وقبلها بايام كان الاعلام الحكومي يشيد بصحة الريس ويقولون ان صحته بمب . ولقد كتبت انا ان صحة حسني مبارك في المحاكمات ليست منهارة كما يزعمون . وان الامر هو تمثيلية .
لقد بصق النظام المصري في وجه القضاء . ولنا الحق ان نتسائل ماذا عن الفلوس التي ارجعتها زوجة حسني مبارك. هل سترد اليها . وهل سترد المنهوبات . وهل سيطالب حسني واولاده برد شرف وتعويضات . وهل سترد اموال احمد عز وبقية الحرامية ؟؟؟ وهل سيعوضون . وماذا عن الصحفيين والاعلاميين الذي هللوا لادانة العدلي والبقية ؟ هل سيدخلون السجون؟ ويحاربون في رزقهم . وماذا عن دماء الشهداء هل قتلتهم اسرائيل ؟؟ وهل كل ذالك الجهد والاعتصام والثورة الخالدة قد تبخرت . وسيعود الباشوات ؟؟
هل سيعود حسني وابنائه للقصور والخدم والحشم وادارة الشركات والتدخل في السياسة ؟
والاهم من كل هذا هل سيحاكم من سيأمر الآن بقتل المتظاهرين في الايام القادمة. وهل ستعود السرقات ويسمح للوزراء وازلامهم في السيطرة علي الاعلام والتجارة والسلطة . وماذا عن عودة الديمقراطية ؟؟ وكيف ستعامل المعارضة. ؟ وهل سيسمح للشباب من جديد في التعبير عن رأيهم وهم مستقبل مصر ؟ هل سيستمر البوليس المصري في التعامل مع الشعب بالكف والشلوت والاسائة والشتم ؟؟؟
بعد سنة من تعيين العدلي انتقل الي سكن فاخر يليق بالباشا الجديد . الا يحس هؤلاء البشر ان هذا حرام؟ از علي اقل تقدير غلط وعيب في حق شعب فقير ومطحون . ولكن بعض افراد اسرته استمروا في السكن في شقة العجوزة ولم تختفي الحواجز . لماذ يسمح العدلي لنفسه ان يركب علي اكتاف الشعب وهو وزيرهم الذي يجب ان يخدمهم ويسهر علي راحتهم . لماذا يعتبر المنصب فرصة للترف والثراء والاستمتاع والتسلط .
عندما سألت عن غرابة اسم الالفي الذي طرده حسني مبارك بدون اشهار الكرت الاصفر في البداية . عرفت ان جده من المماليك وكان وسيما دفعوا عليه الف جوال قمح . من هنالك اتي الاسم . هل نظام الممليك لا يزال يسيطر علي مصر ؟ هل سيظهر حسني مبارك الذي ذكر الناس بمومياء توت عنخ آمون في المحكمة ، ماشيا متحدثا من جديد ؟؟ وهذا ممكن فالشعب المصري متعود علي ان تمسح كل الاشياء بالاستيكة وتبدا صفحة جديدة لفرعون جديد .
shawgibadri@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم