مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (11)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج (11 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تابعنا في المقالات العشرة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى.
وقد ناقشنا بالتفصيل انعقاد وقرارات مؤتمر المائة المستديرة، وتوصيات لجنة الاثني عشر والفشل التام في التوصل لاتفاقٍ حولها بين الأحزاب الشمالية وممثلي الجنوب.
2
تطرقنا بعد ذلك إلى انقلاب العقيد جعفر نميري وإعلان 9 يونيو 1969، ومن بعده التوصل إلى اتفاقية أديس أبابا في 3 مارس عام 1972. ناقشنا بقدرٍ من التفصيل بنود وملاحق الاتفاقية وبداية تطبيقها، واتفاق حكومة النميري مع الأحزاب الشمالية الدينية الثلاثة (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية) التي تحالفت تحت مسمى الجبهة الوطنية. وناقشنا كيف نتج عن هذا الاتفاق بداية الاهتزاز والتراجع عن اتفاقية أديس أبابا، كما سنواصل سرده ونقاشه في هذا المقال.
3
كما ذكرنا في خاتمة المقال السابق، فبعد أشهرٍ قليلةٍ من المصالحة الوطنية مع الأحزاب الدينية الثلاثة، وبضع سنواتٍ من اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، قرّر الرئيس جعفر نميري ألّا يكون استثناءً لمن سبقه من السياسيين الشماليين – مدنيين كانوا أم عسكريين –، وأن ينقض اتفاقه وعهوده لجنوب السودان، ويهدر في غطرسةٍ وعنجهيةٍ وإصرار إنجازه الذي كان سيميّزه إلى الأبد عن بقية السياسيين الشماليين.
4
بدأ الرئيس نميري نقض اتفاقية أديس أبابا بالتدخّلِ بصورةٍ سافرة في أعمال مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي العالي في الإقليم الجنوبي. أمر العقيد نميري السيد أبيل ألير عام 1978 بسحب ترشيحه لرئاسة المجلس التنفيذي ليحلّ محله السيد جوزيف لاقو، وتمّ له ذلك على مضضٍ من السيد أبيل ألير وأنصاره.
واصل الرئيس نميري تدخله وأبعد السيد كلمنت أمبورو من رئاسة مجلس الشعب الإقليمي، ثم قام فجأةً في أكتوبر عام 1980 بحلّ مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي، واستبدل السيد جوزيف لاقو بالسيد قسم الله رصاص.
السيد قسم الله جنوبيٌ عاش معظم حياته في شمال السودان وقد ظن الكثيرون من الجنوبيين أنه شماليٌ بسبب اسمه العربي الإسلامي. كما قام الرئيس نميري أيضاً بتعيين أعضاء المجلس التنفيذي وحكام المديريات الثلاثة بالإقليم الجنوبي.
كان هذا خرقاً واضحاً لاتفاقية أديس أبابا التي قضت بأن يكون تعيين رئيس المجلس التنفيذي وعزله من اختصاصات رئيس الجمهورية، ولكن بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي.
5
أوضح الرئيس نميري أن تعيينه بنفسه أعضاء المجلس التنفيذي وحكام المديريات كان الغرض منه تهيئة المناخ السياسي لتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم.
وهكذا دوت قنبلةٌ هائلةُ في ساحة اتفاقية أديس أبابا، وفي مجمل العلاقات بين الشمال والجنوب.
6
بدأت فكرة إعادة تقسيم الإقليم الجنوبي إلى أقاليم ثلاث متطابقة جغرافياً مع مديريات أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية بعد أعوام قلائل من اتفاقية أديس أبابا. كان رأي بعض الساسة الجنوبيين من غير أبناء الدينكا أن هذا التقسيم سيقلّل من نفوذ أبناء الدينكا ويفتح الباب لأبناء القبائل الأخرى، خاصةً الصغيرة منها، للمشاركة في إدارة كلٍ من هذه الأقاليم الثلاث.
فقبيلة الدينكا هي أكبر القبائل عدداً، وأكثرها ثراءً ونفوذاً في جنوب السودان وينتمي إليها عددٌ كبيرٌ من قيادات العمل السياسي والمهني والأكاديمي في الجنوب. وقد أعطاها كبر حجمها العددي والمادي نفوذاً كبيرا في معظم أنحاء الجنوب، وهذا ما أدّى إلى الكثير من الاستياء والاحتجاجات من أبناء القبائل الأخرى خاصةً قبيلتي النوير والشلك.
7
قاد فكرة تقسيم الإقليم الجنوبي السيد جوزيف لاقو بنفسه، فهو ينتمي إلى قبيلة المادي الصغيرة العدد. من الناحية الأخرى رأى الرئيس نميري أن تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم سيعطيه فرصةً أكبر للسيطرة على الجنوب، وهو رأيٌ شاركه فيه حلفاؤه الجدد في الجبهة الوطنية بأحزابها الثلاثة. فقد كان هذا رأيهم الذي أصروا عليه في لجنة الاثني عشر.
ورغم أن القيادات السياسية الجنوبية التي رفضت تقسيم الجنوب فازت في الانتخابات التي تمّت في بداية عام 1982، فقد تجاهل الرئيس نميري نتيجة الانتخابات تلك، وواصل مخططه، وكبت صوت تلك القوى.
8
تمّت اعتقالات لمعارضي التقسيم شملت رئيس مجلس الشعب الإقليمي السيد ماثيو ابور، ونائب رئيس المجلس التنفيذي السيد دول اشويل.
أرسلت تلك التطورات، خصوصاً الاعتقالات، رسالةً واضحة إلى القادة السياسيين والشعب في جنوب السودان مفادها أن رئيس الجمهورية مصمّمٌ على التدخّل في اختصاصات المؤسسات الدستورية الجنوبية، وعلى تقسيم الجنوب، ولا تهمه اتفاقية أديس أبابا ونصوصها وضوابطها.
فقد نصّت الاتفاقية، كما ناقشنا من قبل، على أن مديريات بحر الغزال وأعالي النيل والإستوائية منطقة حكم ذاتي تعرف بالإقليم الجنوبي، ونصّت أيضاً أنه لا يجوز تعديل الاتفاقية إلا بأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب وموافقة ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان في استفتاءٍ عام يجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة.
9
رغم وضوح هذا النص فقد قام رئيس الجمهورية المشير جعفر نميري في 5 يونيو عام 1983 بإصدار الأمر الجمهوري رقم 1 لعام 1983 بإنشاء ثلاثة أقاليم في جنوب السودان تتطابق مع مديرياته الثلاثة، بدلاً عن الإقليم الواحد المُنشأ بموجب اتفاقية أديس أبابا لعام 1972. شمل الأمر الجمهوري أيضاً نصوصاً تقضي بتحويل بعض الصلاحيات الممنوحة للسلطات الإقليمية، مثل تلك الخاصة بالتخطيط الاقتصادي والمالي إلى الحكومة المركزية في الخرطوم.
من سخرية القدر فقد تمّ إصدار ذلك القرار في نفس الشهر الذي صدر فيه بيان 9 يونيو عام 1969 بواسطة حكومة العقيد نميري، والذي اشتمل على خارطة الطريق لحلّ مشكلة الجنوب.
10
كانت هناك تطوراتٌ أخرى هامةٌ سبقت تدخّل رئيس الجمهورية في مسائل هي من صميم اختصاصات حكومة الجنوب مُمثّلةً في مجلس الشعب الإقليمي والمجلس التنفيذي الانتقالي، وذلك قبل إصدار الأمر الجمهوري رقم 1 الخاص بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم.
فقد اعلنت شركة شيفرون الأمريكية عن اكتشاف كميات كبيرة من النفط عام 1978 في جنوب السودان. قرّرت الحكومة المركزية في البدء بناء مصفاة في مدينة بانتيو في الجنوب. لكن الحكومة عادت في بداية الثمانينيات وعدّلت عن موقفها، وأعلنت أن المصفاة سوف يتمّ بناؤها في مدينة كوستي في شمال السودان بدلاً عن مدينة بانتيو، وأن التخطيط قد تمّ لبناء خط أنابيب لنقل النفط إلى ميناء بورتسودان.
11
إضافةً إلى هذا فإن الحكومة لم تتحدّث عن أيّة نسبةٍ من عائد النفط يتم تخصيصها لجنوب السودان. أغضبت هذه القرارات السياسيين وشعب جنوب السودان الذين رأوا أن نفطهم سوف يتمّ تصفيته في شمال السودان، لاستعماله هناك، وسوف يتم تصديره عن طريق الشمال دون أن يكون هناك أي عائدٍ ماديٍ أو عينيٍ لهم، ودون حتى مشاركة الحكومة الإقليمية في النفط المكتشف في أراضيهم.
12
وكأن هذه التطورات لم تكن كافيةً لإثارة القلاقل في الجنوب، فقد بدأت الحكومة السودانية والحكومة المصرية في بناء قناة جونقلي لتجفيف أجزاء من مستنقعات جنوب السودان وإضافة مياهها للنيل الأبيض لاستخدامات السودان ومصر، حسب اتفاق إنشاء القناة (رغم أن السودان لم يكن في احتياجٍ لأي مياهٍ إضافية لأنه لم يكن يستخدم كل نصيبه بمقتضى اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وقد تواصل هذا الوضع إلى اليوم).
تعود فكرة قناة جونقلي لبداية القرن العشرين عندما صدر تقرير المهندس البريطاني ويليام غارستين عن النيل الأبيض عام 1904، متضمّناً مقترح بناء القناة لزيادة مياه النيل الأبيض بغرض التوسّع الزراعي في مصر.
لكن موضوع القناة ظل حبراً على ورق في عددٍ كبيرٍ من التقارير التي تلت تقرير المهندس غارستين حتى تمّ توقيع اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان عام 1959. تضمّنت الاتفاقية نصوصاً لبناء قنواتٍ لتجفيف مستنقعات جنوب السودان، وإضافة مياهها إلى النيل الأبيض لاستخدامها مناصفةً بين مصر والسودان، مع تحمّل التكلفة بينهما بنفس النسبة.
13
لم تشمل اتفاقية عام 1959 أيَّ نصوصٍ عن تعويضات المجموعات القبلية في جنوب السودان عن الأضرار التي ستلحق بها وبماشيتها بسبب تجفيف المستنقعات، مع إن تعويضات أهالي وادي حلفا الذين ستغمر مياه السد العالي أراضيهم كانت العقبة الكؤود في وجه إكمال مفاوضات مياه النيل في الفترة من 1954 وحتى عام 1959. وقد اتفق الطرفان، بعد عدّة جولاتٍ من التفاوض، على أن تدفع مصر للسودان مبلغ 15 مليون جنيه مصري كتعويضاتٍ لأهالي حلفا. وقد قاربت التكلفة النهائية المباشرة للتهجير أربعين مليون جنيه.
لكن رغم توقيع الاتفاقية عام 1959 لم تستطع الحكومتان المصرية والسودانية البدء في بناء أيّةٍ من القنوات المقترحة بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان.
14
بدأت مصر والسودان في التخطيط لبناء قناة جونقلي مباشرةً بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، وعودة السلام والأمن في جنوب السودان. أوضحت الدراسات والاتفاقية أن القناة سوف تضيف حوالي خمس مليارات متر مكعب من المياه إلى النيل الأبيض لاستعمالات مصر والسودان مناصفةً.
وقّع البلدان على اتفاقية إنشاء القناة في عام 1976، ووقع اختيارهما على الشركة الفرنسية العالمية للبناء المعروفة اختصاراً بـ ” سي سي آي”، وتم توقيع العقد معها في عام 1978. طول القناة المقترحة حوالي 360 كيلومتر تبدأ من مدينة بور إلى قرب ملتقى النيل الأبيض ونهر السوباط على بعد عدة كيلومترات من مدينة ملكال.
15
غير أن مشروع قناة جونقلي واجهته معارضةٌ كبيرة من المواطنين في الجنوب، وخرجت مظاهرات طلابية تندّد بالمشروع تصدّى لها البوليس بعنف وقُتِل عدّة أشخاص. وتمّ اعتقال عددٍ من المتظاهرين من بينهم أعضاء في مجلس الشعب الإقليمي.
بنى المتظاهرون اعتراضهم على أن المشروع سيضرّ بالمجتمعات المحلية بحرمانها من مناطق رعيٍ تعتمد على مياه المستنقعات التي سيتم تجفيفها، وستكون القناة حاجزاً لتحركات السكان وماشيتهم بين ضفة النيل الشرقية والغربية. جادل المعارضون أن القناة ستضرّ بالبيئة في الجنوب وتقلّل من الأمطار.
كان الاحتجاج الأكبر هو على نقل مياه الجنوب إلى مصر وشمال السودان. فقد تمت مقارنته بنقل نفط الجنوب إلى الشمال، كما ذكرنا أعلاه. كما سرت إشاعة عن أن مصر تنوي توطين مئات الآلف من المزارعين المصريين في منطقة القناة مما زاد في حجم المعارضة للقناة.
16
هدأت الأحوال بعض الشيء بعد إعلان الحكومة المركزية أن حفر القناة سوف تصحبه عدّة مشاريع تتنمية للمنطقة، تشمل عدة نقاط عبور بعرض القناة لتسهّل الربط بين منطقة شرق وغرب القناة للمجموعات المحلية وماشيتها، ومشروع ري زراعي للمواطنين المتأثرين، ومستشفيات ومدارس في المنطقة، إضافةً إلى طريقٍ بريٍ يربط ملكال بمدينة بور، ويتواصل مستقبلاً إلى جوبا.
بدأ العمل في القناة عام 1979، وفي منتصف عام 1983 اكتمل حوالي 270 كيلومتر من الطول الكلّي للقناة البالغ 360 كيلومتر. وكان الجزء المتبقّي هو الأقل صعوبةً من ناحية التضاريس والتربة. غير أن مشاريع التنمية التي وعدت بها الحكومة المركزية المجموعات المحلية لم يُنفّذ أيٌ منها في ذاك الوقت.
وقد أثار نقض العهود هذا الكثير من الاستياء في أوساط الجنوبيين، خصوصاً أولئك الذين أيدوا القناة بناءً على وعود المشاريع التنموية التي انضمّت إلى الوعود المنقوضة الأخرى.
17
برزت أيضاً فجأةً مشاكل نزاعات الحدود بين شمال وجنوب السودان. كما ذكرنا سابقاً فقد عرّفت اتفاقية أديس أبابا الإقليم الجنوبي بأنه يشمل مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية)، وأيّة مناطق أخرى تعتبر ثقافياً وجغرافياً جزءاً من الكيان الجنوبي على نحو ما قد يتقرر عن طريق الاستفتاء.
وقد كان مفهوماً للجانبين أن هذه المناطق الأخرى تشمل منطقة أبيي المتنازع عليها ليس فقط بين الشمال والجنوب، بل أيضاً بين قبيلة المسيرية الشمالية وقبيلة دينكا نقوك الجنوبية.
لم يحدث أي تحرّك في هذه المسألة حتى أكتوبر عام 1974 عندما صدر قرار جمهوري يضع إدارة منطقة أبيي تحت رئاسة الجمهورية. غير أنه لم تُتّخذ أيّة إجراءات عملية لتنفيذ هذا القرار أو بدء وضع الاستفتاء المشار إليه في اتفاقية أديس أبابا موضع التنفيذ.
18
إضافةً إلى هذا فقد زعم الساسة الجنوبيون أن منطقة حفرة النحاس الواقعة في مديرية دارفور هي أراضي جنوبية، تمّ ضمّها للشمال خلال فترة حكم الفريق إبراهيم عبود، وطالبوا بإعادتها للجنوب. وكان هناك اعتقادٌ بأن سبب ضمِّ المنطقة للشمال هو أنها غنيةٌ بالنحاس ومعادن أخرى.
ونشب نزاعٌ حول الأراضي الزراعية في منطقة الرنك وجودة، وكذلك حول مناطق البترول في منطقة بانتيو، واتهم الجنوبُ الشمالَ بالاستيلاء على هذه المناطق وضمّها للشمال.
كما أنه لم يتم الاتفاق رسمياً على الحدود بين الشمال والجنوب والتي تمتد لمسافة ألفي كيلومتر. ورفض مجلس الشعب الإقليمي خريطة السودان التي توضّح الحدود بين الشمال والجنوب والتي كان قد اعتمدها مجلس الشعب القومي.
19
وكأن تلك المشاكل لا تكفي، فقد واجهت مسألة استيعاب جنود حركة تحرير جنوب السودان في الجيش السوداني متاعب جمّة. فقد ادّعى عددٌ كبيرٌ من الضباط والجنود الجنوبيين أنهم لم يُمنحوا الرُتب التي يستحقونها، أو وُعِدوا بها، وأن معاملة رؤسائهم الشماليين فيها الكثير من الخشونة والاستعلاء وعدم الاحترام.
20
ثم قامت حكومة الرئيس نميري بخرق اتفاقية أديس أبابا في مسألة استيعاب مقاتلي حركة تحرير جنوب السودان وبدأت في نقل أعدادٍ كبيرة من الجنود الجنوبيين إلى الشمال رغم أن الاتفاقية تقضي بعملهم في الجنوب.
هذا وقد قامت كتيبة أوكوبو بالتمرّد في مارس عام 1975، وقتل سبعة ضباط وجنود شماليين وعشرة جنوبيين وجرح العشرات.
كما تمرّد عددٌ كبيرٌ من كتيبة واو في فبراير 1976 ودخلوا الغابة، وقد تبعهم عددٌ من الجنود ليكوّنوا نواة التمرد الجديد تحت مسمى أنيانيا 2.
وكانت عمليات النقل هذه هي القشّة التي قصمت ظهر بعير اتفاقية أديس أبابا، وقادت إلى تمرد الفرقة 105 في بور في عام 1983، مثلما حدث في توريت عام 1955، كما ناقشنا من قبل. أعاد هذا التطور إلى الأذهان أحداث توريت عام 1955. كان واضحاً أن متخذي القرار في الخرطوم عام 1983 لم يستوعبوا على الإطلاق درس توريت 1955.
21
بعد إصداره الأمر الجمهوري رقم 1 في 5 يونيو عام 1983 والقاضي بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، أصدر الرئيس جعفر نميري عدّة قرارات شملت حلَّ مجلس الشعب الإقليمي، والمجلس التنفيذي العالي، بغرض التحضير لمؤسسات منفصلة في كل إقليم.
كما ناقشنا أعلاه فقد بدأ الرئيس نميري في خرق اتفاقية أديس أبابا منذ السنوات الأولى التي تلت توقيعها من خلال التدخّل السافر في تعيينات وفصل أعضاء الجهازين التنفيذي والتشريعي في جنوب السودان.
22
ثم دوت قنبلةٌ هائلة في الساحة السيايبة السودانية عندما أعلن الرئيس نميري في شهر سبتمبر عام 1983 صدور وبداية تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية التي عٌرفت بقوانين سبتمبر. أكد ذلك التطور الخطير بوضوح قبضة الجبهة القومية الإسلامية على نظام نميري، وقبول نميري لذلك الوضع من أجل حماية نظامه المحاصر بالمعارضة الداخلية والتطورات في جنوب السودان.
كات تلك رسالة واضحة للحركات والأحزاب السياسة الجنوبية بنهاية اتفاقية أديس أبابا وحلم الحكم الذاتي الإقليمي الذي انبنت عليه الاتفاقية. وقد شملت الأحكام القاسية التي بدأ النظام في تطبيقها قدراً كبيراً من أبناء الجنوب.
23
وهكذا بدأ الرئيس جعفر نميري الذي قال عنه الدكتور دانستن واي أنه الرجل الذي برهن أنه يحترم وعوده وكلمته بتوقيعه اتفاقية أديس أبابا، في دقِّ المسامير الأخيرة على نعش الاتفاقية، بعد حوالي عشر سنوات من ميلادها.
24
كان العقيد جون قرنق ضابطاً بحركة الأنيانيا، وتمّ استيعابه بموجب اتفاقية أديس أبابا في الجيش السوداني. وقد ذكر السيد جوزيف لاقو أن العقيد جون قرنق كان ضدّ فكرة دمج ضباط وجنود حركة تحرير جنوب السودان في الجيش السوداني، ورأى أن تظل هذه القوات منفصلةً. وأضاف السيد لاقو أنه لهذ السبب قام بابتعاث العقيد جون قرنق إلى الولايات المتحدة الامريكية للتحضير لدرجة الدكتوراه ليكون بعيداً عن السودان أثناء إكمال عملية الاستيعاب. وكان العقيد جون قرنق قد حصل على درجة البكالريوس في الاقتصاد من كلية قرينيل في ولاية أيوا الأمريكية عام 1969.
25
أكمل العقيد قرنق درجة الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة “ولاية أيوا” بمدينة “ايمز” في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981. كان بحثه بعنوان “تحديد واختيار وتنفيذ سياسات التنمية الريفية من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية في منطقة مشروع جونقلي في جنوب السودان.” وقد نال البحث درجةً أكاديميةً مميزةً.
من سخرية القدر أنه في الوقت الذي كان العقيد قرنق يعدّ رسالة الدكتوراه عن تنمية منطقة جونقلي كان العمل يجري على قدمٍ وساق في حفر قناة جونقلي بواسطة الشركة الفرنسية سي سي آي.
26
عاد الدكتور قرنق إلى السودان وتمّ تعيينه رئيساً لإدارة البحوث بالقوات المسلحة. لكنه ترك موقعه وانضم إلى الكتيبة 105 المتمرّدة في مدينة بور في جنوب السودان في شهر مايو عام 1983 عندما كان في زيارة للمنطقة في إجازته السنوية.
كان تمرد كتيبة بور الذي اشتعل في شهر مارس 1983 امتداداً لتمرد كتائب أخرى كما ناقشنا أعلاه. تداول مجلس الأمن القومي في الخرطوم في مسألة تمرد كتيبة بور وقرّر إصدار أوامر للجيش السوداني في 16 مايو عام 1983 بمهاجمة الكتيبة المتمردة. كان ذلك المجلس يضم مدنيين من أحزاب الجبهة الوطنية من بينهم الدكتور حسن الترابي من جبهة الميثاق الإسلامي.
نجح الهجوم في تشتيت أفراد الكتيبة المتمرّدة، ولكن هؤلاء الأفراد نجحوا في إعادة التجمّع قرب الحدود الإثيوبية. وابتدأت مجموعاتٌ من الكتائب الأخرى هجر مواقعها والانضمام لهذه المجموعة، والتي بدأت أعدادها في التزايد.
27
بعد شهرين من النزاعات الداخلية بين الحركات المسلّحة الجديدة أعلن العقيد جون قرنق في 23 يوليو عام 1983 ميلاد الجيش الشعبي لتحرير السودان، مع جناحه السياسي الحركة الشعبية لتحرير السودان، تحت قيادته.
كان ذلك الإعلان إيذاناً ببدء فجرٍ جديدٍ في السودان، مختلفٍ تمام الاختلاف عما سبقه، وفتحِ صفحةٍ جديدة في غاية التعقيد في العلاقات بين شمال وجنوب السودان.
28
فقد أعلن ميثاق الحركة (الذي سُمّي مانيفستو) أن المشكلة التي تواججها البلاد ليست مشكلة جنوب السودان بل مشكلة كل السودان، وأن هدف الحركة الشعبية هو ليس تحرير الجنوب بل تحرير كل السودان تحت مُسمى “السودان الجديد.”
أوضح الجزء الثالث من الفقرة الثالثة من الميثاق، تحت عنوان “الوحدة الطوعية”، أن السودان الجديد مشروطٌ بإنشاء قواسم اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة تجمع كل السودانيين كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، وأن علينا جميعاً أن ننأى بأنفسنا عن السودان القديم القائم على العنصرية والتعصّب الديني وقصر النظر التاريخي، وما نتج عنه من انهيارٍ اقتصادي وعدم استقرارٍ سياسي وحروب طاحنة.
29
وأعلن الجزء الرابع من هذه الفقرة أن هناك خيارين فقط: إما أن ينقسم السودان إلى عدّة دويلات، أو أن نتفق على إقامة السودان الجديد الذي يجمع الجميع تحت مظلة المساواة في حقوق وواجبات المواطنة، في نظامٍ ديمقراطي مبنيٍ على العدالة والحكم الرشيد، بغض النظر عن العرق والدين والقبيلة واللون.
30
انتقد الميثاق بشدّة الأحزاب السياسية الشمالية معلناً أن الأزمة التي ظلّ السودان مُبتلياً بها منذ الاستقلال هي أزمة قيادة تتمثّل في ضعف القاعدة الاجتماعية للنخب الحاكمة، وضيق الأفق الفكري، وتخلّف القيم السياسية، وفقر الخيال وانعزال هذه النخب من عامة الشعب وازدرائها للقيم الإنسانية.
لهذه الأسباب فقد فشلت هذه النخب في قيادة البلاد وتنميتها، لذا لجأت إلى السياسات التقسيمية واستعمال سلطة وإمكانيات الدولة لنشر وترسيخ العروبة والإسلام والتي نتج عنها أزمة الهوية التي يعاني منها السودان.
وقد برزت الأزمة هذه في فشل النخب في الاعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية التي تجعل من السودان دولةً. عليه فإن المشكلة لم تعد في نظر الحركة الشعبية لتحرير السودان مشكلة جنوب السودان، بل هي مشكلة السودان ككل.
31
عليه فقد نبذت الحركة الشعبية لتحرير السودان سياسات وطموحات وبرامج كل الأحزاب والحركات المسلّحة الجنوبية التي سبقتها، منذ عام 1947، وتبنّت الحركة عام 1983 منهجاً وطنياً وحدويّاً يخصُّ كل السودان.
32
وهكذا انبثق فجرٌ جديدٌ في السودان، كل السودان – شماله وجنوبه – وانتهى عهد المطالبة بالفيدرالية والحكم الذاتي الإقليمي، وانطوت صفحته تلك، وإلى الأبد، كما سنناقش في المقال القادم والأخير في هذه السلسلة من المقالات.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
    Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (8)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (8 – 12)د. …