مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (3)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (3 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
ناقشنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، بدءاً بمؤتمر جوبا عام 1947. وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية ظلت تجادل أن ذلك المؤتمر كان أولَ منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب مطلب الفيدرالية.
بعد عامٍ من مؤتمر جوبا، تمت إثارة ذلك المطلب في عام 1948 في الجمعية التشريعية، وفي لجنة الدستور عام 1951. وقد تتبّعنا رفضَ القيادات السياسية الشمالية، خلال تلك الفترة، رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حقِّ تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطورات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953. وتابعنا صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأولِ دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
2
وقد تتابعت تلك التطوّرات بعقد الانتخابات في السودان، وإعلان نتيجتها في شهر ديسمبر عام 1954، وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان، والذي أصبح لديه 16 مقعداً من المقاعد التي تمّ تخصيصها لجنوب السودان والبالغة 22 مقعداً. وقد أعلن الحزب بوضوح أن برنامجه ومطلبه هو النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
أكّد الحزب ذلك البرنامج في مؤتمره العام الذي تم عقده في 18 أكتوبر عام 1954، وتمّ فيه التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت سبعةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي.
أوضحنا تجاهل الحكومة والأحزاب الشمالية التام للمؤتمر ولقراراته، التي قام الحزب الليبرالي بتوصيلها إلى كل الجهات السياسية في السودان، وإلى الهيئات الدولية، والحاكم العام، وإلى وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية المصري.
3
تابعنا بعد ذلك تطور الأحداث في الشمال التي قادت إلى تركيز السياسيين الشماليين على مسألة حق تقرير المصير في علاقة السودان مع مصر، وإعلان الاستقلال، وانشغالهم بالخلافات داخل الحكومة نفسها، والتنافس على الوزارات.
ولم يُعِرْ الساسة الشماليون أيّ اهتمامٍ للغبن المتزايد في جنوب البلاد جراء السياسات العرجاء التي كانت تنتهجها الحكومة في الخرطوم تجاه الجنوب، والاستخفاف وتجاهل المطالب، خصوصاً مطلب الفيدرالية.
تتبعنا بعد ذلك توالي الأحداث في الجنوب نفسه نتيجة كل تلك التراكمات، والتي أدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
وقد أشرنا في خاتمة المقال السابق أنه نتج عن أحداث توريت فصلٌ سياسيٌ دمويٌّ مؤلمٌ ومؤسفٌ في علاقة الشمال والجنوب، وفي تاريخ السودان ككل.
4
كما أوضحنا أعلاه، فقد توالت الأحداث في الجنوب نتيجة التراكمات التي أشرنا لها بالتفصيل في المقال السابق، وأدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان. وقد رفض القادة العسكريون الشماليون في توريت تحديد وتوضيح الفترة التي سيقضيها أفراد فرقة الإستوائية بالشمال.
اندلعت أعمال عنفٍ وإخلالٍ بالأمن أدّت إلى مقتل 336 شمالياً و75 جنوبياً، ونتج عن تلك الأحداث الدموية المؤلمة تعميقٌ كبير للهوّة بين الشمال والجنوب. وقد زرعت تلك الأحداث بذور الحرب الأهلية والانفصال في جنوب السودان. وقد أُغلقت الحكومة المدارس – على قلّتها – وأعلنت حالة الطوارئ في كل أرجاء الجنوب. وقد ظلّت المدارس مغلقةً لمدة عام، بينما ظلت حالة الطوارئ مُعلنةً لمدة نصف قرنٍ من الزمان، وتم رفعها بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.
5
ورغم أن الحكومة شكّلت لجنة برئاسة القاضي توفيق قطران للتحقيق في أحداث توريت، إلا أن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء استبق صدور تقرير اللجنة، وألقى باللائمة في بيانه أمام البرلمان في 26 أغسطس عام 1955 على المتمردين الجنوبيين، وحمّل الشرطة الجنوبية المسئولية.
وقد كرّر السيد رئيس الوزراء نفس الاتهامات في خطابه الثاني أمام البرلمان في 2 نوفمبر عام 1955 حيث أوضح أن إنذاراً قد صدر للسلاطين بتسليم المتمردين في مناطقهم وإلاّ فإنهم سيكونون أنفسهم قد شاركوا في التمرد، وسوف يدفعون ثمن ذلك.
6
اتسمت كلمتا السيد رئيس الوزراء بالتسرّع والتهوّر، واستبقت، كما ذكرنا أعلاه، تقرير لجنة القاضي قطران. وكما سنناقش بعد قليل، فقد أثبت تقرير القاضي قطران عدم صحة الكثير من ادعاءات السيد رئيس الوزراء، مثل تحميله الشرطة الجنوبية المسئولية في أحداث توريت.
كما ألقى التقرير بالمسئولية واللائمة على ما جرى في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955 على حكومة السيد الأزهري وحزبه، كما سنوضّح لاحقاً في هذا المقال.
7
جرت، بعد أعمال القتل الواسعة المؤسفة التي نتجت من التمرد في 18 أغسطس عام 1955، عملياتُ تفتيشٍ واعتقالاتٍ واسعة في كل أرجاء الجنوب، أعقبتها اعتقالاتٌ ومحاكماتٌ ميدانيةٌ عاجلة ترأس معظمها مفتشو المراكز أنفسهم.
وبمنتصف شهر سبتمبر عام 1955 استسلم 460 من الذين اشتركوا في التمرد، وهرب 140 إلى يوغندا، بينما اختفى من تبقّى من الفرقة الإستوائية وعددهم 780 جندي في أحراش وغابات المديرية الإستوائية.
8
وقد حكمت المحاكم العسكرية في عجلةٍ بالغةٍ بالإعدام على 147 جندي، تمّ تأييد الأحكام وتنفيذها في 121 منهم. وقد شملت الإعدامات الملازم رينالدو لويولا الذي كان متهماً بقيادة التمرّد، وكذلك وكيل بلك سترلينو أبويو أحد قادة التمرد.
نتج عن التمرد والمحاكمات وإغلاق المدارس هروب الآلاف إلى الأحراش ليكوّنوا نواة الحركة المسلحة الجنوبية الأولى، وليشعلوا بعد أشهرٍ قليلةٍ الحرب الأهلية في جنوب السودان التي تواصلت (بعد انقطاعٍ قصير) لمدة نصف قرنٍ من الزمان.
9
كما ذكرنا أعلاه، شكّلت حكومة السيد إسماعيل الأزهري لجنةً للتحقيق في أحداث توريت في 8 سبتمبر عام 1955 (بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الأحداث) برئاسة القاضي توفيق قطران، وعضوية السيد خليفة محجوب الذي كان مديراً لهيئة المشاريع بولاية الإستوائية، والسلطان لوليك لادو الذي كان أحد أبرز المشاركين في مؤتمر جوبا عام 1947.
طلبت اللجنة من السيد وزير الدفاع تعيين مستشارين لها في المسائل الحربية، وقد استجاب السيد وزير الدفاع للطلب وعيّن القائمقام محمد بك التيجاني، والبمباشي علي حسين شرفي عضوين في اللجنة..
ورغم أن التقرير قد صدر في فبراير عام 1956، (بعد خمسة أشهرٍ من تكوين اللجنة، وستة أشهرٍ من أحداث توريت)، فإنه لم يتمْ نشرُ التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثمانية أشهرٍ من صدوره، وبعد ثلاثة أشهرٍ من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري رئاسة الوزارة في يوليو عام 1956.
ويشير هذا التأخير إلى عدم رغبة السيد إسماعيل الأزهري وحكومته في نشر التقرير. فقد حمّل التقرير حكومة السيد إسماعيل الأزهري صراحةً مسئولية ما حدث في توريت في 18 أغسطس عام 1955. فقد أشار التقرير إلى الآتي:
10
“ولما كان الموقف على هذا الحال يبدو لنا أن أسلم شيء كان يجب عمله هو أن تُلغى أوامر سفر البُلك نمرة 2 (إلى الشمال) في الحال. إن المبرّرات التي قِيلتْ عن الحفاظ على هيبة الجيش وكرامته في الوقت الذي كان معروفاً أن حدوث التمرّد أمرٌ محتملٌ، إن لم يكن مؤكّداً، غير مقنعة. فإنّ هيبة الجيش والإدارة في (المديرية) الإستوائية أيضاً قد سبق أن تلاشت. وإنّ الإصرار على عدم تغيير الأوامر بدون أن تكون هناك خطط مضادة، أو أن توضع مثل هذه الخطط فإنما يدل على عدم اكتراث بأرواح وممتلكات المواطنين الآخرين. وإننا في الحقيقة نعتبر هذا خطأً عظيماً.”
(تقرير لجنة التحقيق في الاضطرابات التي حدثت بجنوب السودان في أغسطس سنة 1955، والذي صدر في أكتوبر عام 1956 (الطبعة الأولى)، صفحة 128.)
11
كما ذكرنا أعلاه، لم يتم نشر التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثلاثة أشهر من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري الوزارة في شهر يوليو عام 1956. وقد قامت حكومة التحالف بين حزبي الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (حكومة السيدين) التي ترأسها السيد عبد الله خليل، والتي خلفت حكومة السيد إسماعيل الأزهري ذلك الشهر، بنفض الغبار عن التقرير ونشره في شهر أكتوبر عام 1956، بعد أكثر من عام من حوادث توريت، وأكثر من ثمانية أشهر من اكتمال التقرير وتقديمه لرئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري.
كتب مقدمة التقرير السيد علي عبد الرحمن وزير الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل الائتلافية التي خلفت حكومة الأزهري. وقد شملت المقدمة الفقرة التالية:
12
“وقد رأت الحكومة أن الديمقراطية الصحيحة تقضي بنشر هذا التقرير باللغتين العربية والإنجليزية حتى يتمكن الشعب على اختلاف طبقاته من الاطلاع عليه ليدرك العوامل والأسباب وما تبع ذلك من تقصيرٍ وإهمال مما أدى بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشر إلى حدوث تلك الاضطرابات المؤسفة التي أودت بحياة عددٍ غير قليل من المواطنين والتي عطلت سير الأصلاح في المرافق العامة في ذلك الجزء من أرض الوطن.”
13
بات واضحاً أن حكومة السيد عبد الله خليل قد قبلت بدون أيّة تحفظاتٍ التقرير ونتائجه. وكان واضحاً أيضاً أن النشر والتوزيع الواسع للتقرير باللغتين العربية والإنجليزية هو محاولة من حزبي الشعب الديمقراطي والأمة إحراج السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته، وتحميلهم مسئولية ما حدث في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955.
وهكذا أصبح التقرير القضائي في أهمِّ وأصعبِ قضيةٍ تواجه السودان في ذلك الوقت مصدراً للمزايدة بين الأحزاب الشمالية ورؤسائها، بدلاً من دراسة التقرير والتعامل معه بجدية ومسئولية، وإحالة المسئولين الشماليين عن الأحداث للمساءلة.
14
أوضح تقرير لجنة القاضي قطران أن مديرية الإستوائية كانت الأكثر تأثّراً بالاضطرابات التي امتدت فيها لمدى أسبوعين، وأشار إلى أن هناك خلفيةً للتمرّد شملت قلّة القواسم المشتركة بين الشمال والجنوب، والتي زادت منها السياسة البريطانية للمناطق المقفولة حتى عام 1947، والفارق الكبير في التقدّم بين طرفي البلاد.
أوردت اللجنة عدّة أسباب للتمرد منها خيبة الأمل في نتائج السودنة التي لم تنتج عنها سوى ست وظائف للجنوبيين، وتدخّل الإداريين في المديرية الإستوائية في المسائل السياسية، وأوردت كمثالٍ لذلك الحيلولة دون انعقاد مؤتمر البرلمانيين الجنوبيين في مايو عام 1955.
15
أشارت اللجنة أيضاً إلى محاكمة النائب البرلماني ايليا كوزي في 25 يوليو عام 1955 بتهمة الإرهاب الجنائي لأنه اعترض على إرسال مساعد مفتش المركز برقية تأييدٍ للحكومة باعتبار أنه هو نائب الدائرة والمتحدّث بإسمها. وأوضحت أن الحكم عليه بعشرين عاما سجناً بواسطة محكمةٍ مشكوكٍ في نزاهتها كان من أسباب التمرد، رغم أن الحكم تمّ تخفيضه إلى عامين لاحقاً.
كما أشارت اللجنة إلى الأخطاء التي صاحبت محاولة مفتش مركز يامبيو معالجة إضراب مصنع النسيج والغزل في 26 يوليو عام 1955 والتي أدّت إلى إطلاق النار وقتل ستة من أبناء الزاندي في أنزارا.
واعتبرت اللجنة فصل 300 عامل من مشروع الزاندي بواسطة لجنة مشاريع الإستوائية في 20 يوليو عام 1955خطأً كبيراً، إذ أنه تمّ كنتيجةٍ للسودنة التي كان الجنوبيون يتوقعون مزيداً من الوظائف بموجبها، بدلاً عن فصلهم واستبدالهم بالشماليين.
16
وفيما يتعلق بالسودنة والإحباط الذي أصاب الجنوبيين فقد أشار تقرير القاضي قطران إلى أنه:
“قد أُرْسِلتْ خطاباتٌ كثيرة إلى أعضاء البرلمان الجنوبيين وإلى الحكومة نورد فيما يلي على سبيل المثال مقتطفات من تلك الخطابات
(لقد كانت نتائج السودنة مخيبةً للآمال بدرجةٍ عظيمة، أي أربعة مساعدي مفتش مركز ومأمورين. يبدو أن قصد زملائنا الشماليين هو أن يستعمرونا لمدة مائة عام أخرى.)”
17
كما أوضح التقرير مجموعةً من الأخطاء صاحبت قرار نقل كتيبة توريت إلى الشمال، وأوضح التقرير أنه كان يجب التعامل مع تلك الأخطاء والظروف، وإلغاء قرار النقل، بدلا من الإصرار عليه فقط لحفظ هيبة وكرامة القيادة العسكرية الشمالية للكتيبة، خصوصاً أن تلك القيادات كانت تعلم سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرّد ولن تنفذ قرار النقل (كما ورد في الاقتباس من التقرير في الجزء 10 أعلاه).
وقد قامت الإدارة العليا للقوات المسلحة في الجنوب، حسب تقرير القاضي قطران، بإجلاء عوائل الضباط الشماليين من توريت تحسّباً لعواقب قرار الكتيبة الجنوبية رفض قرار النقل، مما يؤكد علم القيادة سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرد.
18
أشار التقرير إلى الوعود الكثيرة للجنوبيين منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ثم بواسطة الحزب الوطني الاتحادي قبل وأثناء الانتخابات، ثم حكومة السيد إسماعيل الأزهري، وأنه لم يتم الوفاء بها، ووصفت تلك الوعود بالتهور وعدم المسئولية.
وقد شملت تلك الوعود وعوداً من الضابط المصري الصاغ صلاح سالم الذي كانت مهمته في السودان وقتها العمل على فوز الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات لضمان الوحدة مع مصر. وقد ورد في تقرير القاضي قطران الاتي:
“كما زار الصاغ صلاح سالم الجنوب في تلك الأيام….. ووعد بأنه:
“عند مغادرة البريطانيين فإن الأربعين وظيفة من مديري المديريات ومفتشي المراكز ومساعدي مفتشي المراكز في المديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى للجنوبيين. ولقد وعد بإسناد الوظائف الفنية الأخرى للجنوبيين.”
19
كما أورد التقرير الحادثة الآتية:
“في أحد الاجتماعات بجوبا سأل تمرجي (ممرض) صغير السن الصاغ صلاح سالم باللغة الإنجليزية:
سؤال: هل تعني أني عندما يغادر البريطانيون سأصبح باشمفتشاً طبياً للمديرية (مستعملاً الحروف الإنجليزية الأولى للكلمات باشمفتش طبي كاختصار)؟
جواب: (لم يعرف الصاغ صلاح سالم معنى ذلك الاختصار) نعم، نعم بالتأكيد.”
لا بد من التذكير برقصة الصاغ صلاح سالم العبثية المشهورة أثناء زيارته تلك لجنوب السودان ليحثّ الجنوبيين على التصويت للحزب الوطني الاتحادي وللوحدة مع مصر.
20
انتقد تقرير القاضي قطران سلوك التجار الشماليين وذكر أنهم يعتبرون الجنوبيين أقل مرتبةً من الشماليين ويسمونهم “عبيد” (يعتذر الكاتب عن إيراد هذه الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال. لكن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد الفقرة المُقتبسة كما هي). وأوضح التقرير أن استعمال ذلك اللفظ منتشر في المديريات الجنوبية، ويدل على الامتهان ويعيد إلى الأذهان حقبة تجارة الرقيق.
كما أشار التقرير إلى تدخّل التجار الشماليين في الإدارة، وإلى علاقاتهم الوطيدة مع الإداريين الشماليين التي أعطتهم حمايةً أكثر من الجنوبيين، ووصفت الإداريين الشماليين بالتعالي وأن مفتش المركز كان يُنظر إليه كإلهٍ صغير.
21
أشار التقرير أيضاً في هذا المجال إلى البرقية المنسوبة زوراً إلى السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء التي وجّه فيها الإداريين الشماليين: “لا تستمعوا إلى شكاوى الجنوبيين الصبيانية وضايقوهم وعاملوهم معاملة سيئة بناءً على تعليماتي. وكل إداري يفشل في تنفيذ أوامري سيكون عرضة للمحاكمة.” وقد ذكرت اللجنة أن البرقية نُسِختْ على ورقٍ حكومي وتمّ توزيعها على نطاقٍ واسع في الجنوب. وقد أبدت اللجنة اندهاشها أنه رغم انتشار البرقية فإن عدداً من الإداريين لم يسمعوا بها، وأن الذين سمعوا بها لم يتخذوا أيّة إجراءاتٍ لدحض مضمون البرقية.
22
عليه فقد أدان التقرير بصورةٍ واضحة الحكومة والحزب الحاكم، والإداريين والقيادات العسكرية والتجار الشماليين في الجنوب، وحمّلهم مسئولية تمردّ حامية توريت في 18 أغسطس عام 1955 وما نتج عنه من أحداث مؤسفة قادت إلى الحرب الأهلية هناك.
كما أن التقرير، خلافاً لبيانات السيد رئيس الوزراء، لم يحمّل البوليس الجنوبي أو السلاطين أي جزءٍ من المسئولية.
23
لا بد أن تكون الصورة قد اتضحت أمام القارئ عن لماذا لم تقمْ حكومةُ السيد إسماعيل الأزهري بنشر تقرير القاضي قطران عن أحداث توريت.
وتكون الصورة قد اتضحت أيضاً عن لماذا قامت حكومة السيد عبد الله خليل بنشر وتوزيع التقرير بصورةٍ واسعة، بواسطة وزير داخليتها السيد علي عبد الرحمن، الذي انشقَّ من الحزب الوطني الاتحادي بسبب التنافس، والذي أصبح عداءً، مع رئيس الحزب السيد إسماعيل الأزهري.
24
وكما ذكرنا أعلاه فقد قبلت حكومة السيد عبد الله خليل التقرير ونتائجه دون أيّة تحفظاتٍ أو ملاحظاتٍ. إضافةً إلى هذا فقد وعد السيد علي عبد الرحمن في المقدمة التي كتبها للتقرير بالآتي:
“والحكومة حينما تنشر هذا التقرير على الرأي العام تؤكد أنها بصدد اتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نُسِب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة سواء كانوا من رجال الإدارة أو البوليس أو الجيش أو غير هؤلاء من الموظفين ممن تضمنت محاضر لجنة التحقيق التي بنت عليها هذا التقرير اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية.”
لم يستطع الكاتب الحصول على أيّة وثائق أو مراجع تفيد بأن الحكومة قد نفذت هذا القرار الخاص باتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أي موظفٍ حكوميٍ ورد اسمه وتم اتهامه بالتقصير في تقرير القاضي قطران. غير أن الكاتب لا يعتقد أن أي مسئولٍ قد واجه أية إجراءاتٍ تأديبية.
25
عليه فقد قام تقرير القاضي قطران بتحميل السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته المسئولية عن أحداث توريت. لكن السيد الأزهري قام، لهذه الأسباب، بتعليق نشر التقرير. ولم يتم نشر التقرير إلا بعد أشهرٍ من سقوط حكومته، واستلام منافسه السيد علي عبد الرحمن مقاليد وزارة الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل.
26
وكما أوضحنا أعلاه فقد قامت تلك الحكومة بالتبنّي الكامل لحقائق ونتائج التحقيق، وقامت بنشره وتوزيعه باللغتين العربية والإنجليزية بصورةٍ واسعة لكي تحرج السيد الأزهري وحزبه.
وعلى الرغم من أن حكومة السيد عبد الله خليل قد وعدت باتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نسب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة ممن تضمّن تقرير القاضي قطران اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية، لكن لا يبدو أن ذلك قد حدث.
عليه فقد انتهت قضية حوادث توريت في الخرطوم بصدور ذلك التقرير، لكنها أشعلت نار الحرب الأهلية في جنوب البلاد.
27
بعد هذا السرد لأحداث توريت وتقرير القاضي قطران، سوف نواصل في المقال القادم سرد ونقاش الطريقة الاستخفافية التي واصلت الأحزاب الشمالية التعامل بها مع مطلب جنوب السودان للفيدرالية. وقد تواصل ذلك الاستخفاف في طريقة التعامل مع القرار الخاص باستقلال السودان من داخل البرلمان الذي تم نقاشه والاتفاق عليه في 19 ديسمبر عام 1955، والذي اشتمل على وعد الفيدرالية لجنوب السودان.
وكما سنوضح في ذلك المقال، فقد تم نقض ذلك الوعد باستخفافٍ واستهتارٍ كبيرين، زادا من إحباط وغضب الجنوبيين، ورفعا من سقف مطالبهم التي تمدّدت لتصلَ مطلب حقِّ تقرير المصير، والذي انتزعوه بقوة السلاح والمقدرات التفاوضية والدبلوماسية العالية، وقاد إلى كارثة انشطار الوطن، وإلى الأبد.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.

Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …