مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (5)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (5 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تتبّعنا في المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.
أشرنا إلى تجاهل، ثم رفض، الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضمّن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جادّاً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
2
شرحنا ردة الفعل في اوساط القوى السياسية الجنوبية والتي تمثّلت في خيبة أملٍ كبيرة، وفي رفع سقف المطالب في أواساط الكثيرين منهم، وفي الوصول لقناعةٍ في أوساط آخرين أن الشمال قد أغلق باب التفاوض، وأن ما تبقى لهم هو الانضمام للحركات المسلحة الجنوبية التي كان أعداد محاربيها في تزايدٍ مستمر.
وقد كان الإغلاق لباب التفاوض قد تم ليس فقط لمطلب الفيدرالية، بل تعداه بدعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة، كما ذكرنا في المقال السابق، وكما سنتابع في هذا المقال. وسيناقش المقال ببعض التفصيل كيف تعامل الفريق عبود وصحبه مع مطلب النظام الفيدرالي، ومع قضية الجنوب ككل، وكيف أدّى حلُّ البندقية الذي تبنّوه إلى سقوطهم بعد ستة أعوامٍ من استلام السلطة.
3
استولى الفريق إبراهيم عبود ورفاقه العسكر على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958، بناءً على دعوة السيد رئيس الوزراء عبد الله خليل، كما أشرنا في المقال السابق. أذاع الفريق عبود بيانه الأول وأعلن فيه تعليق العمل بدستور السودان المؤقّت لعام 1956، وحلَّ البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية، ومصادرة ممتلكاتها، وفرض الأحكام العرفية في سائر أنحاء البلاد.
أوضح الفريق عبود أن أسباب قيام “ثورة 17 نوفمبر” هي الفساد وسوء الإدارة واستشراء شراء الذمم بين نواب البرلمان وما نتج عنه من عدم الاستقرار السياسي، والفشل في حلِّ مشكلةِ الجنوب.
4
أعلن الفريق عبود تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة من ثلاثة عشر ضابطاً من كبار العسكريين في الجيش السوداني، ومنحه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية العليا في البلاد. وقد تمّ إدخال عدّة تعديلات على عضوية المجلس خلال السنوات الأولى بعد الانقلاب بسبب الخلافات داخل قيادات الجيش، وبسبب محاولات الانقلاب المتكرّرة، بدءاً بمحاولة الأميرالاي عبد الرحيم محمد خير شنان، والأميرالاي محي الدين أحمد عبد الله في مارس عام 1959.
غير أن عضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة ظلّت حصراً على ضباط الجيش الشماليين، ولم يتشرّف بعضويته أيُّ ضابط جيشٍ جنوبي خلال كل فترة حكم الفريق عبود، رغم وجود عددٍ من الضباط الجنوبيين في الجيش.
5
ولم يختلف الأمر كثيرأ في مجلس الوزراء الذي تمّ تشكيله بعد يومٍ من نجاح الانقلاب. فقد شمل المجلس وزيراً جنوبياً واحداً وهو السيد سانتينو دينق الذي شغل وزارة الثروة الحيوانية. وكان السيد سانتينو دينق وزيراً لنفس الوزارة في حكومة السيد عبد الله خليل التي أطاح بها الانقلاب العسكري. ويبدو أن وزارة الثروة الحيوانية قد أصبحت بذاك الوقت حقّاً مكتسباً للجنوبيين لا ينافسهم فيها شماليٌ.
شمل مجلس الوزراء أربعة مدنيين شماليين هم السادة أحمد خير لوزارة الخارجية، وعبد الماجد أحمد لوزارة المالية، وزيادة أرباب للتعليم والعدل، والدكتور محمد أحمد علي لوزارة الصحة، وهيمن العسكر على بقية الوزارات.
وقد كان السيد زيادة أرباب وزيراً لنفس الوزارات في حكومة السيد عبد الله خليل، وأصبح هو والسيد سانتينو دينق الوزيرين الوحيدين في حكومة الفريق عبود اللذين واصلا من الوزارة السابقة.
6
كما ذكرنا من قبل، فقد كان استيلاء الفريق عبود على السلطة بناءً على توجيهات رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل نفسه، كما أكّد ذلك تقرير القاضي صلاح شبيكة عن انقلاب 17 نوفمبر عام 1958.
بعد يومين من الانقلاب أصدر السيد عبد الرحمن المهدي إمام طائفة الأنصار وراعي حزب الأمة بياناً أعلن فيه عن تأييده للانقلاب. أوضح البيان أن السياسيين من قادة الأحزاب قد فشلوا في إدارة البلاد، وأن الحكومات الأربعة التي حكمت البلاد قبل الثورة (الانقلاب) لم يواكبها النجاح. كما أشار البيان إلى أن قيادات الجيش التي أخذت الأمور في أيديها سوف لن تسمح بالتردّد والفساد والفوضى في البلاد.
وقد تبع ذلك البيان بيانٌ مماثل من السيد علي الميرغني إمام طائفة الختمية وراعي حزب الشعب الديمقراطي، يعلن فيه أيضاً تأييده للانقلاب ويسأل الله أن تؤدي تلك الخطوة إلى الازدهار والتقدم للبلاد.
فسّر المراقبون البيانين بتأييد السيدين التام للحلِّ العسكري لقضية الجنوب الذي تبنّاه البيان الأول للفريق عبود.
7
وقد اتّهم بعض القادة الجنوبيين السيد عبد الله خليل بتدبير الانقلاب حتى يتسنّى للجيش حسم الحرب الأهلية في جنوب السودان بالبندقية، وبدون تدخلٍ من المدنيين.
وكما ذكرنا في مقالٍ سابق، فقد شملت رسالة حزب سانو في 8 نوفمبر عام 1964 من منفاه في ليوبولدفيل في جمهورية الكونغو، إلى السيد رئيس وزراء حكومة ثورة أكتوبر الأولى، السيد سر الختم الخليفة، والتي اقترحت عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية جنوب السودان، (كما ناقشنا من قبل) الفقرة التالية:
“ومن المفهوم أن بعض الأحزاب تواطأت مع الجيش لاتمام الانقلاب حتى تتمكن من تصفية قضية الجنوب. لكن التجربة المرة كشفت الغشاوة عن أعين المخدوعين.”
8
وسواءٌ كان هذا فعلاً أحد أسباب دعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة ام لا، فقد كان ذاك هو تماماً ما قام به الفريق عبود وصحبه. فقد كان برنامجهم في الجنوب مبنيّاً على ركيزتين، هما: الحل العسكري لمشكلة التمرّد، وأسلمة وتعريب الجنوب كحلٍ متوازٍ ومكمّلٍ للحلّ العسكري بغرض دمج جنوب السودان ثقافياً مع شماله.
9
تسلّم الفريق عبود مهام وزارة الدفاع، بالإضافة إلى رئاسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء. وأعلنت الحكومة الجديدة بعد أسابيع قلائل من الانقلاب أن جنوب السودان في حالة تمرّد على القانون والنظام، وأن الردَّ الوحيد والمناسب لهذا التمرد هو الردُّ العسكري الحاسم.
تمّ تعيين حاكمٍ عسكريٍ لكلٍ من المديريات التسعة في السودان. لكن حكام المديريات الجنوبية الثلاثة مُنِحوا كافية الصلاحيات العسكرية التي يحتاجونها لدحر التمرد. بدأت مباشرةً بعد الانقلاب حملاتٌ عسكريةٌ مكثّفة في كل مناطق الجنوب التي يشتبه وجود متمردين فيها، وصاحبتها حملات اعتقالاتٍ واسعة شملت سياسيين وأكاديميين وطلاب مدارس وسلاطين. صاحبت تلك الحملات محاكماتٌ ايجازية أصدرت أحكاماً بالسجن لسنواتٍ طويلة لعددٍ كبيرٍ من المعتقلين بتهم التمرد على الدولة.
10
وتواصلت التصريحات النارية من قادة المجلس العسكري الجديد الحاكم في الخرطوم، متوعّدةً قيادات التمرد في الجنوب بالحريق والموت والدمار. فقد نُسِب إلى اللواء حسن بشير نصر، الرجل الأكثر قوّةً في نظام الفريق عبود، القول:
“إذا كان لا بُدَّ مما ليس منه بُدٌّ فستُضرم الحرائق في النبات والشجر والإنسان في الجنوب، ولن يبقى في تلك الأرجاء ديار، ولن تقوم بعدها لعقارب الأنانيا السامة قائمة.”
وقد كانت الحركات المسلحة في الجنوب قد أطلقت على نفسها اسم الأنانيا – أي العقارب السامة أو الأفعى السامة. وأصبحت تُعرفُ بذلك الإسم.
11
وقد سارت حكومة الفريق إبراهيم عبود في نفس نهج الأحزاب السياسية الشمالية في رفضها للنظام الفيدرالي لجنوب السودان. بل إن الحكومة الجديدة حذّرت ساسة وسلاطين وأبناء الجنوب من المطالبة بالنظام الفيدرالي، وقرّرت أن يكون ذلك النوع من المطالب السياسية جريمةً يعاقب عليها القانون. وتم بالفعل سنّ تلك القوانين الطائشة.
12
كما أن اللواء محمد طلعت فريد، عضو المجلس الأعلىى للقوات المسلحة، ووزير الاعلام والعمل، والناطق الرسمي بإسم حكومة الفريق إبراهيم عبود، أعلن صراحةً للصحف السودانية في 3 ديسمبر عام 1958:
“لن نعترف بالفيدريشن، ولا نعترف بأن أيّةَ منطقة هي ملكٌ لأبناء تلك المنطقة دون سواهم. إننا نؤمن بأن السودان كله، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بكامل حدوده الجغرافية، وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزّأ.”
وواصل اللواء محمد طلعت فريد “إن حكومة الثورة لن تتهاون مطلقاً مع كل من يحاول تمزيق وحدة البلاد وستضرب بشدّة على كل من تسوّل له نفسه أن يسعى لذلك.”
13
وقد انفتح باب العقاب للمطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان الذي وعد به اللواء طلعت فريد الجنوبيين واسعاً وعلى مصراعيه عندما أعلن الحاكم العسكري للمديرية الإستوائية في 8 فبراير عام 1959 عن تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة احد المواطنين، وهو سائق شاحنة جنوبي، بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان. وفي وقتٍ لاحق أعلن الحاكم العسكري أن المحكمة أدانت المتهم وحكمت عليه بالسجن خمس سنوات. وتواصل ذلك النوع من المحاكم العبثية.
وكان السياسي الجنوبي السيد أزبوني منديري وقتها في السجن أيضاً بعد إدانته بالمطالبة بالنظام الفيدرالي، وبقي بالسجن حتى قيام ثورة أكتوبر عام 1964.
14
ورغم أن حكومة الفريق عبود لم تتبنّى نظام الإسلام السياسي كفلسفةٍ لحكم البلاد، أو تصدر قوانين إسلامية، إلا أنها تحرّكت بسرعة في اتجاه أسلمة وتعريب جنوب السودان باعتبار أن المشكلة هي قضيةُ تكاملٍ ثقافيٍ بين شطري البلاد سوف يحلّها اعتناق الجنوبيين للديانة الإسلامية وتحدثهم اللغة العربية.
وقد قرّر النظام الجديد في الخرطوم فرض الاثنين – الإسلام واللغة العربية – بالقوة في جنوب البلاد كحلٍ طويل المدى لمشكلة الجنوب. من هنا أخذ الحل العسكري في الجنوب بُعداً إسلامياً عربياً حتى مع غياب أي ادعاء أو مناداةٍ بدولةٍ إسلاميةٍ في السودان. وكما ذكرنا أعلاه، فقد رأت حكومة الفريق عبود في فرض الهوية الشمالية في الجنوب وسيلةً للاندماج والتكامل بين شطري البلاد.
15
ولتطبيق هذا التوجّه فقد أصدرت الحكومة قراراً بأن تحلَّ اللغةُ العربية مكان اللغة الإنجليزية واللغات المحلية في الجنوب، وأن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس في المدارس ولغة التعامل في المكاتب. نتج عن هذا القرار إبعاد الموظفين والمدرسين الجنوبيين الذين لم يكونوا يتحدثون اللغة العربية، وإحلالهم بموظفين شماليين.
لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أنه تمّ إدخال اللغة العربية في الجنوب في عام 1949، بعد عامين من مؤتمر جوبا، وقد كانت تُدرّس جنباً إلى جنب مع اللغة الإنجليزية. ولكن أصبحت اللغة العربية في سنوات الفريق عبود هي اللغة الوحيدة المسموح تدريسها والعمل بها في مدارس ومكاتب الجنوب.
وقد كانت هناك تحفّظاتٌ من بعض القادة الجنوبيين لإدخال اللغة العربية في مدارس الجنوب عام 1949. فقد تخوّف هؤلاء القادة في أن يكون إدخال اللغة العربية هو حصان طروادة لفرض الإسلام في مدارس الجنوب، وهذا ما حدث فعلاً مع بداية حكم الفريق عبود.
16
لتطبيق برنامجها الإسلامي في الجنوب،فقد قامت الحكومة بطرد كل المنظمات الكنسية والتبشيرية والبالغ عددها أكثر من 300 منظمة من الجنوب، وإغلاق الكنائس والمدارس التابعة لها. وصدر في عام 1962 قانون الجمعيات التبشيرية والذي يتطلّب من كل جمعية الحصول على إذنٍ قبل ممارسة أي نوعٍ من النشاط في جنوب السودان. تحدثت الحكومة أيضاً عن “سودنة التبشير” في الجنوب، ولكن يبدو أن ذلك الحديث كان لامتصاص الغضب حول طرد المنظمات الكنسية الأجنبية من جنوب السودان.
17
وقد كانت نتيجة إغلاق المدارس التابعة للمنظمات الكنسية هي انضمام عددٍ كبيرٍ من طلاب هذه المدارس إلى الحركات المسلحة، بعد أن فشلت السلطات في استيعابهم في المدارس الحكومية. ويُعزى ذلك الفشل إلى قلّة المدارس في الجنوب، ومحدودية الأماكن لاستيعاب الطلاب فيها، وعدم رغبة الحكومة في التوسع في التعليم في الجنوب. غير أن حكومة الفريق عبود لم تتنبّه إلى ذلك الخطأ الكارثي إلّا بعد فوات الأوان.
18
وقد تقرّر أيضاً أن تكون عطلة نهاية الأسبوع هي يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد الذي كان العطلة منذ دخول الحكم الثنائي جنوب السودان.
كما بدأت الحكومة في مشروعٍ متكامل لإرغام الجنوبيين على تغيير أسمائهم المسيحية والمحلية بأسماء عربية إسلامية، وفي فتح المساجد (مع إغلاق الكنائس) وتدريس المواد الإسلامية. وقد تمّ تطبيق هذه الإجراءات العبثية الطائشة بقوة السلاح التي منحتها الحكومة بدون قيودٍ لحكام الجنوب العسكريين الجدد.
وهكذا تزامن التصعيد العسكري لهزيمة التمرد مع تصعيد برنامج التكامل الثقافي بفرض اللغة العربية والديانة الإسلامية في كل أنحاء جنوب السودان.
19
نتج عن تلك الإجراءات العسكرية القاسية وإجراءات دمج الجنوب ثقافياً مع الشمال هروب عشرات الآلاف من السودانيين الجنوبيين (الذين لم يتم اعتقالهم) إلى دول الجوار – كينيا ويوغندا وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير وقتها)، واكتظت معسكرات اللاجئين في هذه الدول بهؤلاء اللاجئين.
وقد أدّت هذه السياسات الطائشة الهوجاء إلى انخراط عشرات الآلاف من الشباب الجنوبيين في حركة المقاومة في الجنوب التي أطلقت على نفسها الأنيانيا، والتي واصلت الحكومة تسميتها بحركة التمرد والخوارج. وقد أشرنا إلى هذه المسألة في الجزء 17 أعلاه.
20
في تلك الأثناء قام القادة السياسيون الجنوبيون – السادة ويليام دينق وسترنينو لوهوري وجوزيف أدوهو – من منفاهم في شرق أفريقيا بإنشاء حزب الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني، أو ما عُرف بحزب سانو – وهي الكلمة التي تكوّنها الأحرف الأولى لإسم الحزب باللغة الإنجليزية:
Sudan African National Union (SANU).
تبنّى هذا الحزب مطلب النظام الفيدرالي الذي كان ينادي به الحزب الليبرالي الجنوبي في بداية الخمسينيات، رغم نمو وتصاعد النعرة الانفصالية في أوساط مقاتلي الأنيانيا والشباب في جنوب السودان، ووسط اللاجئين في الدول المجاورة للجنوب.
21
وقد مارست حكومةالفريق عبود ضغوطاً كبيرةً لإقناع الحكومةاليوغندية بتسليمها قيادات حزب سانو (باعتبار أن المطالبة بالفيدرالية جريمة بمقتضى القانون السوداني)، لكن الحكومة اليوغندية لم تذعن لتلك الضغوط، بل اندهشت في حقيقة الأمر لذلك الطلب المتغطرس الغريب.
كما أن العلاقات العرقية والثقافية وتداخل القبائل بين جنوب السودان ودول كينيا ويوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ساهمت كثيراً في نمو التعاطف مع قضية مواطني جنوب السودان، وقبولهم والسماح لهم بالإقامة والعمل والدراسة في تلك الدول.
22
وقد وضح تعاطف تلك الدول مع قضية مواطني جنوب السودان في حديث أحد نواب البرلمان اليوغندي في إحدى جلسات البرلمان عندما تحدث عن الحرب المدمرة في جنوب السودان، وتساءل: كيف نستطيع أن نتحدث عن جرائم حكومة جنوب أفريقيا وحكومة البرتقال (في انقولا وموزمبيق) في الوقت الذي يجري فيه ذبح المواطنين في بلدٍ مجاور لنا؟
23
غير أن كلّ تلك السياسات الهوجاء والإجراءات العسكرية القاسية من حكومة الفريق عبود لم تنجح في كبح جناح الحركات المسلحة في جنوب السودان، أو حتى وقف نموه. بل أدّت في حقيقة الأمر، إلى عكس ذلك تماماً بهروب عشرات الآلاف من شباب الجنوب وانضمامهم إلى الحركات المسلحة.
وظلّت القوات المسلحة تواجه الخسائر البشرية والمادية المتزايدة في أحراش وغابات جنوب السودان التي لم يكن لدى أفرادها أدنى تصوّر لطبيعتها القاسية ولوسائل التعايش معها. وتفشّت أمراض المناطق الإستوائية، خصوصاً مرض الملاريا والبلهارسيا، وسط الضباط والجنود، مما ساهم كثيراً في تردّي الحالة الصحية والروح المعنوية لهؤلاء الضباط والجنود.
24
بعد خمسة أعوامٍ من السياسات العسكرية الهوجاء الفاشلة، والخسائر البشرية والمادية المتواصلة للجيش السوداني في الجنوب، أحسّ الفريق إبراهيم عبود ورفقاؤه في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بضرورة مراجعة تلك السياسات والبحث عن حلول أخرى.
كوّن الفريق عبود في 20 أغسطس عام 1964 لجنةً من 27 شخص، 15 من الشماليين و12 من الجنوبيين للنظر في مشكلة الجنوب ودراسة أبعادها لإعادة الثقة بين شقي البلاد والمحافظة على وحدة القطر، والتقدّم بتوصياتٍ في هذا الشأن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
شملت اللجنة من الشماليين السادة سر الختم الخليفة، وأحمد محمد يس، وبشير محمد سعيد. وشملت من الجنوبيين السيد سرسيو ايرو العضو بمجلس السيادة الأول في السودان، والسلطان لوليك لادو الذي شارك في مؤتمر جوبا عام 1947، وفي لجنة القاضي قطران التي قامت بالتحرّي في أحداث توريت عام 1955.
25
غير أن الأمر بتشكيل اللجنة ومرجعيتها وضع المسئولية على الأوضاع في جنوب السودان “على عاتق تمرّد عام 1955 الذي أودى بحياة المئات من الشماليين الأبرياء،” “وعلى الاستعمار البريطاني الذي أغلق الجنوب أمام الشماليين ومنعهم من التداخل والتواصل مع إخوانهم في الجنوب.”
كما أوضح أمر تشكيل اللجنة أن الخلافات العرقية واللغوية والدينية والثقافية بين شطري البلاد لا يجب أن تكون سبباً للتمرد لأن هذه الخلافات تسود بين قبائل الجنوب الكثيرة نفسها.
يبدو أن من قاموا بكتابة مرجعية هذه اللجنة قد قرأوا تقرير القاضي قطران وتحميله حكومة السيد إسماعيل الأزهري مسئولية أحداث توريت عام 1955، فقرروا أن يغلقوا الطريق أمام اللجنة من السير في طريقه.
26
جاء تكوين اللجنة متأخراً كثيراً، وكانت صلاحياتها محدودةً، وفرضت عليها مرجعيتها الكثير من القيود. بل في حقيقة الأمر فإن تلك المرجعية وجّهت اللجنة بما يجب أن يشمله التقرير.
لكن قبل أن تنتهي اللجنة من أعمالها قام الشماليون الذين أرهقتهم الحرب وفقدوا فيها الكثير من أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم ومعارفهم بالثورة على النظام. تصاعدت الثورة التي اندلعت من جامعة الخرطوم وامتدت لكل أنحاء السودان في 21 أكتوبر عام 1964، أي بعد شهرين فقط من تكوين اللجنة.
كانت مشكلة جنوب السودان الوقود الذي غذّى الثورة، وكانت المطالبة بحلٍ سلميٍ لتلك المشكلة هي أهم وأعلى الشعارات والمطالب التي رفعها المتظاهرون.
بل إن ندوة جامعة الخرطوم التي أطلقت شرارة ثورة أكتوبر كانت عن قضية الجنوب. وقد طالب المتظاهرون أيضاً بعودة الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود، واستقلال القضاء والتعليم الجامعي.
27
بعد أيامٍ من المحاولات الفاشلة لإخماد المظاهرات بالعنف والاعتقالات قام الفريق إبراهيم عبود بحلّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء، وتسليم السلطة لجبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر والتي كانت تُمثّل الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات.
28
وإذا كان الحل العسكري لقضية الجنوب هو الذي قاد السيد عبد الله خليل لتوجيه الفريق عبود باستلام السلطة كما حدث في 17 نوفمبر عام 1958، فإن فشل ذلك الحل كان الوقود الذي أشعل وغذّى ثورة أكتوبر. وكان رفض مطلب الفيدرالية كامناً في قلب الحدثين.
29
ولقد تواصل ذلك الفشل في حلِّ قضية الجنوب بالرفض القاطع والإجماعي من الشمال لمطلب الفيدرالية المتواضع الذي واصلت القيادات الجنوبية إثارته. حدث ذلك خلال الفرصة التاريخية النادرة التي نتجت عن ثورة أكتوبر، وتمثّلت في مؤتمر المائدة المستديرة. وقد أهدر الشماليون تلك الفرصة في غطرسةٍ وعناد، كما سنناقش في المقال القادم (والسادس) في هذه السلسلة من المقالات.


*محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.

Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …