مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (8)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (8 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تابعنا في المقالات السبعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروزَ مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب الجنوبية وقادتها. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية. حدث نفس الشيء خلال فترة الحكم العسكري الأولى، والتي أدار دفّة الحكم فيها في الخرطوم، وصعّد الحرب خلالها في الجنوب، الفريق إبراهيم عبود ورصحبه في المجلس العسكري الحاكم.
تابعنا في المقال السابق فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، وأوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية وجبهة الهيئات، وناقشنا تحوّلَ المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر التي لم تتعامل معها الحكومة أو أيُّ حزبٍ شمالي بأي قدرٍ من الجديّة.
سوف نواصل في هذا المقال نقاش الخلافات داخل لجنة الاثني عشر وفي مؤتمر الأحزاب، وانتهاء حلم مؤتمر المائدة المستديرة في حلِّ سلميٍّ لقضية الجنوب.
2
كما ذكرنا في المقال السابق، جرت الانتخابات في الشمال في موعدها وانتهى التصويت وبدأت النتائج في الظهور في 30 أبريل عام 1965. ولم تُعقد الانتخابات في الجنوب حتى مارس عام 1967، أي بعد عامين من إجراء الانتخابات في الشمال.
وقد دار جدلٌ قانونيٌ عن دستورية الجمعية التأسيسية المُنتخبة بدون ممثلين للجنوب، وإن كان بإمكانها قانونياً وضع دستورٍ دائمٍ للسودان. وتواصل بلا نتيجة ذلك الجدل.
حصل حزب الأمة على 92 مقعداً وحصل الحزب الوطني الاتحادي على 73 مقعداً من مجموع المقاعد المخصصة للشمال والبالغة 233 مقعداً، بينما نال الحزب الشيوعي السوداني 11 مقعداً، والجبهة الإسلامية سبعة مقاعد. وقد قاطع حزب الشعب الديمقراطي العملية الانتخابية، بل وقاومها.
3
سعد حزبا الأمة والوطني الاتحادي بنتيجة الانتخابات كثيراً، فقد أعطتهما مجتمعين 165 مقعداً، من مجموع 233 مقعداً. وأصبح واضحاً أن قادة الحزبين الكبيرين كان لديهم برنامجٌ متكاملٌ لتوظيف هذه الأغلبية لتقوية قبضتهما على مقاليد السلطة، وتنفيذ برامجهما الإسلامية العربية المركزية في السودان، والتعامل مع مقررات مؤتمر المائدة المستديرة، ومع لجنة الاثي عشر المنبثقة من المؤتمر وتوصياتها، كما يشاءون.
4
كان أول تلك البرامج هو قرار تأطير اقتسام السلطة ومقاعدها الرئيسية بين الحزبين. كانت هناك وظيفة تنفيذية عليا واحدة في النظام البرلماني السوداني (رئاسة الوزارة)، تنازع عليها السيد إسماعيل الأزهري من الحزب الوطني الاتحادي والسيد عبد الله خليل من حزب الأمة خلال فترة الحكم المدني الأولى بين الأعوام 1954 حتى عام 1958. وقد تقاسماها، كما أوضحنا في مقالٍ سابق، مناصفةً خلال فترة الحكم المدني الأول.
فقد شغل السيد الأزهري المنصب من يناير عام 1954 حتى يوليو 1956، بينما شغله السيد عبد الله خليل من يوليو 1956 حتى نوفمبر 1958، عندما وقع الانقلاب الذي خطّط له هو شخصياً مع الفريق عبود بسبب توقّعه لفقدان ذلك المنصب.
عليه فقد كانت أولى التحدّيات التي واجهت الحزبين هي كيفية تقاسم تلك الوظيفة
5
تفتّق ذهن الحزبين عن تعديل الدستور لخلق وظيفة رئيسٍ دائمٍ لمجلس السيادة، بدلاً من الرئاسة الدورية الشهرية بين أعضائه الخمسة، كما قضى بذلك دستور عام 1964، وقيله دستور عام 1956.
لم يُضِعْ الحزبان الحاكمان وقتاً في تعديل الدستور لإلغاء الرئاسة الدورية الشهرية واستبدالها برئاسةٍ دائمة. فقد كان ذلك من أوائل مهام الجمعية التأسيسية الجديدة التي أدّتها بحماسٍ وسرعةٍ فائقتين في الخامس من شهر يوليو عام 1965 حين صوّت 136 من نواب الحزبين مع مقترح التعديل.
اتفق الحزبان على إسناد رئاسة مجلس السيادة الدائمة للحزب الوطني الاتحادي، وتولاها السيد إسماعيل الأزهري، بينما تمّ إسناد رئاسة الوزارة لحزب الأمة، وتولاها السيد محمد أحمد محجوب. وكان ذلك هو الغرض الأساسي من تعديل الدستور.
6
وهكذا وببساطةٍ متناهية، تجاهل حزبا الأمة والوطني الاتحادي، من خلال تعديل الدستور هذا حقوق أبناء جنوب السودان في الرئاسة الشهرية لمجلس السيادة التي جرّدهم منها هذا التعديل الدستوري.
وقد قابل الجنوبيون هذا الإجراء بغضبٍ كبير، واستقال السيد لويجي أدوك من عضوية مجلس السيادة احتجاجاً على هذا التعديل الذي حرمه وحرم القادة الجنوبيين من رئاسة مجلس السيادة على الأقل شهرين كل عام.
7
الشيء الغريب لهذا التعديل أنه تمّ في الوقت الذي كان فيه مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر يبحثان عن حلولٍ لقضية الجنوب، ومنحِ الجنوبيين مزيداً من السلطات السياسية. أرسل التعديل رسالةَ إقصاءٍ واضحة للجنوبيين، وقرأوا فيه غياب الجدية والندية والاحترام في التعامل معهم، وفي التعامل مع قضية الجنوب.
وقد استغل جنوبيو المنفى الذين قاطعوا مؤتمر المائدة المستديرة، والذين غادروا السودان مباشرةّ بعد نهاية جلسات المؤتمر، هذا التعديل لتأكيد رسالتهم أنه لا يوجد مكانٌ للجنوبيين في دولة السودان الشمالية العربية الإسلامية المركزية، وأن الانفصال أو تقرير المصير هو ما يجب أن يسعى إليه الجنوبيون.
8
لماذا لم يقم حزبا الأمة والوطني الاتحادي في خلق وظيفة نائب لرئيس مجلس السيادة، ومنح تلك الوظيفة للعضو الذي يمثّل الجنوب في المجلس؟ كان من المحتمل أن يمتصَّ ذلك التعديل، لو تمّ، بعض الغضب الذي عمّ أبناء الجنوب وأحزابهم.
لم يكن ذلك الوضع يتطلّب تعديلاً للدستور، وكان يمكن أن يقرّه الحزبان، بل وحتى أعضاء مجلس السيادة أنفسهم. وحتى لو كان خلق وظيفة نائب رئيس مجلس السيادة يحتاج لتعديل الدستور، فقد كان الحزبان يملكان تلك الأغلبية المطلوبة، والتي أجازا بها تعديل الدستور بتلك السرعة.
وقد كان مقترح أن يكون نائب رئيس الجمهورية من أبناء الجنوب على طاولة المفاوضات خلال مؤتمر المائدة المستديرة. وتم أيضاً تداول تقارير في ذلك الوقت عن خلق وظيفة نائب رئيس لمجلس السيادة وإسناد تلك الوظيفة إلى العضو الجنوبي في المجلس. غير أن ذلك لم يحدث. وتناسى الحزبان تلك المقترحات والتقارير.
السبب الرئيسي في تجاهل الحزبين للجنوبيين في ذلك التعديل كان في رأيي يعود لغياب الجدّية والإرادة السياسية للحزبين الكبيرين لحلِّ قضية الجنوب، ولعدم المقدرة على التعامل بقدرٍ من الاحترام والنديّة مع سياسيي الجنوب.
9
بعد أن أصبح منصب رئاسة مجلس السيادة الدائمة من نصيب الحزب الوطني الاتحادي، ورئاسة الوزارة من نصيب حزب الأمة، تقاسم الحزبان منصبي رئيس البرلمان ونائب رئيس الوزراء.
آل المنصب الأول إلى حزب الأمة، وأخذ الحزب الوطني الاتحادي منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. ولم يترك هذا التوزيع أيَّ مناصب دستورية قيادية للأحزاب الأخرى، خاصةً الأحزاب الجنوبية، التي تم تواصل تجاهلها تجاهلاً تاماً رغم وعود مؤتمر المائدة المستديرة المكرّرة.
10
شملت الحكومة الائتلافية بين حزبي الأمة والوطني الاتحادي برئاسة السيد محمد أحمد محجوب والتي تشكّلت في يونيو عام 1965، وزيرين جنوبيين هما السيد بوث ديو لوزارة الثروة الحيوانية، والسيد أندرو ويو لوزارة الزراعة والغابات.
أعاد السيد محمد أحمد محجوب وظيفة وزير دولة بلا أعباء، التي ابتدعها السيد إسماعيل الأزهري، للجنوبيين عام 1954، وعيّن فيها رئيسُ الوزراء السيدَ الفريد وول، والذي كان وزير الدولة الوحيد في تلك الحكومة. وقد تعالت سخرية جنوبيي المنفى لهذا التعيين، وأشاروا إلى تعيينات السيد إسماعيل الأزهري المماثلة لثلاثةٍ من السياسيين الجنوبيين الذين كانوا وقتها أعضاء في حزبه.
وهكذا انتهت بسرعة البرق أحلام الجنوبيين في المشاركة في السلطة التنفيذية عبر وزارات سيادية، كما حدث عند تعيين السيد كلمنت أمبورو وزيراً للداخلية في
حكومة أكتوبر الأولى، وعادت إليهم وزارة الثروة الحيوانية التي ارتبطت بهم.
كما لا بد من إضافة فقدانهم لرئاسة مجلس السيادة لمدة شهرين على الأقل كل عام بعد تعديل الدستور ليصبح السيد إسماعيل الأزهري رئيساً دائماً للمجلس.
11
أدلى السيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء ببيانٍ مفصّل أمام الجمعية التأسيسية يوم السبت 26 يونيو عام 1965، أوضح فيه سياسة حكومته.
وقد اشتمل البيان على الخطوط العريضة لسياسة حكومته في جنوب السودان، والتي كان من بينها:
“وستسير حكومتي في سياسة الحل السلمي لمشكلة الجنوب مهتديةً بوحي قرارات مؤتمر المائدة المستديرة، لكنها ستنبذ سياسة الاسترضاء واللين في معاملة الخارجين على القانون ومن يدفعونهم في هذا السبيل، وستأمر بنزع السلاح نزعاً تاماً والقضاء الكامل على العصابات المسلحة التي تعبث بالأمن، وستأمر القوات المسلحة السودانية بتعقّب المجرمين وإعادة سيادة القانون والنظام وتأديب المتمردين.”
وأوضح البيان دور القوات المسلحة ومسئولية الحكومة تجاهها: “وستعمل حكومتي على تقوية القوات المسلحة السودانية بزيادة عددها وتطوير عتادها وتحسين أحوال أفرادها … وستعيد النظر في تشكيلها وتكوينها حتى تستطيع أداء واجباتها في الداخل والخارج.”
بات واضحاً من ذلك الخطاب والتصريحات التي تلته أن برنامج حكومة السيد محمد أحمد محجوب لحل قضية الجنوب هو البندقية، والبندقية وحدها.
12
وقد نجح السيد محمد أحمد محجوب في استصدار قرارٍ من الجمعية التأسيسية بعد الإدلاء ببيانه في 26 يونيو عام 1965، وافقت الجمعية التأسيسية بمقتضاه بالإجماع على مقترحه بوصف الوضع في جنوب السودان بأنه خروجٌ على القانون والنظام ويجب التعامل معه بالحسم العسكري. وقد صوّت إلى جانب القرار كل أعضاء حزبي الأمة والوطني الاتحادي، وكذلك أعضاء الحزب الشيوعي السوداني وأعضاء جبهة الميثاق الإسلامي في الجمعية التأسيسية.
وافقت الجمعية أيضاً على زيادةٍ معتبرةٍ في ميزانية وزارة الدفاع لدحر التمرّد وهزيمة الإرهابيين، كما أسماهم القرار. وقد سمّت الحكومة الحركات المسلحة في الجنوب العصابات المسلحة أيضاً.
وهكذا أعطت الجمعية التأسيسية الضوءَ الأخضر للسيد محمد أحمد محجوب، الذي احتفظ لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع أيضاً، ليفعل في جنوب السودان كل ما يراه مناسباً لاستعادة القانون والنظام، ودحر ما سمّاه العصابات الإرهابية. ووافقت الجمعية بالإجماع على برنامج الحكومة الجديدة المتمثّل في “المجد للبندقية.”
13
عليه فقد تواصل تصعيد الحرب في جنوب السودان بعد انتخاب السيد محمد أحمد محجوب رئيسا للوزارة في يونيو عام 1965، وزادت حدّة الحرب طوال فترة الحكم المدني الثانية. وقد أدّت قرارات السيد محمد أحمد محجوب باللجوء للخيار العسكري في جنوب السودان إلى تحويل مديريات الجنوب الثلاثة إلى ساحة دمارٍ وموت.
وقد حدثت في عهد السيد محمد أحمد محجوب المجزرتان المشهورتان في جوبا وواو في شهر يوليو عام 1965، وراح ضحيتهما قرابة الخمسمائة شخص من أبناء وبنات الجنوب، أغلبهم من النساء والأطفال. وتم اغتيال القائد الجنوبي المعتدل ويليام دينق في جنوب السودان، والأب سترنينو لوهوري في يوغندا. وقد أشارت أصابع الاتهام إلى الخرطوم في حادثتي الاغتيالين.
وحدثت مجزرة السلاطين المؤلمة خلال حكومة السيد الصادق المهدي التي خلفت حكومة السيد محمد أحمد محجوب. وسنناقش هذه الأحداث الدامية المؤسفة في مقالاتٍ لاحقة.
14
سقطت حكومة السيد محمد أحمد محجوب في 26 يوليو عام 1966، إثر صدور صوت عدم الثقة بها في الجمعية التأسيسية،بعد أن وقف مع الاقتراح عددٌ من نواب الحزبين الذين كانوا أنفسهم قد أتوا بالسيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزارة قبل عام.
وقد خلفه السيد الصادق المهدي في رئاسة الوزارة.
وقد صوّت نفس النواب بعد عشرة أشهر على إسقاط حكومة السيد الصادق المهدي وعودة السيد محمد أحمد محجوب لرئاسة الوزارة.
15
كانت لجنة الاثني عشر قد أكملت تقريرها في 26 يونيو عام 1966 قبل أقل من شهرٍ من سقوط حكومة السيد محمد أحمد محجوب. غير أنه بسبب الوضع السياسي غير المستقر لم ترفع اللجنة تقريرها حتى 26 سبتمبر عام 1966، أي بعد شهرين من وصول السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة، وثلاثة أشهر من إكمال تقريرها.
16
شمل تقرير لجنة الاثني عشر سرداً مفصّلاً لنقاط الاتفاق والخلاف بين ممثلي الأحزاب الشمالية والجنوبية في اللجنة.
كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية التي واجهت اللجنة هي مسألة إدانة أعمال العنف في جنوب السودان. وقد اختلف الطرفان الشمالي والجنوبي حول نقطة جوهرية حولها وهي: على من تقع مسئولية أعمال العنف؟
فالأعضاء الشماليون جميعاً طالبوا بإدانة أعمال العنف التي تقوم بها “منظمة الأنيانيا الإرهابية.” من الجانب الآخر كان رأي الأعضاء الجنوبيين أن أعمال العنف تقوم بها الأنيانيا، كما تقوم بها القوات الحكومية، وطالبوا بإدانة الاثنين معاً، وهذا ما رفضه الأعضاء الشماليون. وقد افتُتِحَ التقرير بهذا الخلاف الجوهري.
17
ولا بد من التمعّن في هذه النقطة والتوقّف عندها، لأنها تعكس جوهر النزاع الشمالي الجنوبي. فبالنسبة للسياسيين الشماليين على اختلاف مواقعهم في البعد السياسي في ذلك الوقت – إسلامي وعلماني، أو يساري ويميني، أو عسكري ومدني – فإن ما كان يحدث في الجنوب هو عملياتٌ إرهابيةٌ تقوم بها مجوعات متمرّدة يجب ردعها بكل الوسائل وإعادة القانون والنظام.
بالنسبة لهؤلاء الساسة الشماليين فإن الجيش الحكومي يمكن أن يرتكب مجزرتي جوبا وواو وغيرهما من المجازر، ويعدم 15 من السلاطين الجنوبيين أمام أسرهم، وهو بهذا يؤّدي دوره وواجبه الوطني لإعادة القانون والنظام وهزيمة التمرد.
لم يعر أيٌ من هؤلاء الساسة الشماليين أيَّ اعتبارٍ لحقوق هؤلاء المواطنين الأبرياء ولا لمطالبهم ومظالمهم. وكانت إدانة هذه الجرائم هي ما طالب به الأعضاء الجنوبيون.
18
كانت نقطة الخلاف الثانية تتعلّق بمسألة إعادة الأحوال إلى طبيعتها في الجنوب، والتي تعني في المقام الأول إعادة الأمن وحكم القانون وتنفيذ قرارات مؤتمر المائدة المستديرة الخاصة بالتنمية في جنوب السودان.
ولكن زوايا النظر المختلفة لمسألة إعادة النظام وحكم القانون لم يمكن التوفيق بينها، وبرز رأيان متضادان: هل إعادة النظام وحكم القانون خطوة تسبق بالضرورة تنفيذ القرارات كلياً أو جزئياً، كما طالب الأعضاء الشماليون؟
أم أن الأصح هو أن تنفيذ القرارات هو السبيل الوحيد لإعادة النظام وحكم القانون، وهو ما تبنّاه الأعضاء الجنوبيون. ولم يتمكّن الطرفان من الاتفاق أو الوصول إلى حلٍّ وسط حول هذه المسألة.
19
أوصى تقرير اللجنة بتحويل عددٍ من الصلاحيات، بما فيها الحكم المحلي، إلى كلٍ من مديريات الجنوب الثلاثة، وإنشاء مجلسٍ تشريعيٍ محليٍ لإجازة القوانين المحلية ومراقبة السلطة التنفيذية والتي سيرأسها شخصٌ تختاره الحكومة المركزية والمجلس التشريعي.
أوصى التقرير كذلك بالسماح للجنوب بتطوير لغاته وثقافته.
غير أن مجالات الخلاف بين الأعضاء الجنوبيين والشماليين داخل اللجنة كانت كبيرة وواسعة في هذه المسائل، ويمكن تلخيصها في ثلاث مسائل جوهرية:.
20
كانت نقطة الخلاف الأولى حول طريقة اختيار الشخص الذي سيرأس السلطة التنفيذية في الجنوب أو في أيٍ من مديرياته. فقد أصرّ الأعضاء الشماليون على أن تقوم الحكومة المركزية في الخرطوم بتعيين هذا الشخص بعد التشاور مع المجلس التشريعي المحلي.
من الجانب الآخر فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن يتم انتخاب هذا الشخص انتخاباً مباشراً بواسطة سكان الإقليم. وقد رفض الأعضاء الشماليون حتى مقترح الأعضاء الجنوبيين الوسط بأن يقدّم المجلس التشريعي في الجنوب مرشحين تختار الحكومة المركزية أحدهما.
21
كانت نقطة الخلاف الثانية تتعلّق بالتقسيم الجغرافي لجنوب السودان. فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن تكوّن مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) إقليماً واحداً، لأن أيِّ تقسيمٍ للسودان يجب أن يبدأ بالشمال والجنوب كوحدتين وذلك للاختلافات في العرق الثقافة والدين واللغة.
وقد جادل الجنوبيون أن الجنوب يعتبر نفسه وحدةً قائمةً بذاتها، وليس ثلاث مديريات. رفض الشماليون هذا الطلب بإصرار وعنادٍ شديدين وجادلوا بأن بقاء الجنوب إقليماً واحداً سيساعد على إبقاء حالة المواجهة بين الشمال والجنوب، ولذا لا بد من بقاء تقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات أو أقاليم كما كان الوضع في ذلك الوقت.
22
تمثّلت نقطة الخلاف الثالثة في طلب الأعضاء الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حق إنشاء حرس محلي لمساعدة قوات الأمن في حفظ النظام. رفض الأعضاء الشماليون هذا المقترح بشدّة، وأصرّوا على أن تلك مسئولية الجيش النظامي فقط ولا يمكن تفويضها لأيّة جهةٍ أخرى، وأن سيادة السودان لا تسمح بها. لا بد من التذكير أن حالة الطوارئ في جنوب السودان كان قد تم إعلانها بعد حوادث توريت عام 1955، وظلت معلنة حتى تاريخ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
23
وقد برزت نقطة خلاف رابعة لكنها ليست بحجم أيٍّ من نقاط الخلاف الثلاثة الأخرى. فقد اقترح ممثل جبهة الجنوب منح الجنوب الحق في إقامة علاقات ثقافية مع البلدان الأخرى المجاورة بسبب التقارب الثقافي ووجود عددٍ من التلاميذ وطلاب المعاهد والجامعات في هذه البلدان. غير أن الأعضاء الشماليين في اللجنة رفضوا حتى مناقشة هذا المقترح.
24
كانت الخلافات الثلاثة الأولى خلافاتٍ جوهرية. غير أن النظرة المتأنيّة لها ترجّح كفة الجانب الجنوبي في المنطق والموضوعية في هذه النقاط الثلاثة.
فالجيش السوداني قد ارتبط في ذهن المواطن الجنوبي بالتسلّط والبطش والقتل منذ عام 1955، ولا يجب أن يتوقّع الشماليون أن ينسى الجنوبيون ذلك، وينسوا أيضاً مجزرتي جوبا و واو اللتين قتل فيهما الجيش الحكومي حوالي خمسمائة جنوبيٍ معظمهم نساء وأطفال، وكذلك مجزرة السلاطين التي أعدم فيه الجيش السوداني 19 من السلاطين أمام أسرهم وأطفالهم. لذا يبدو طلب الطرف الجنوبي بإبقاء وحدة مليشيا محلية لحفظ القانون والنظام في مدن الجنوب منطقياً،خصوصاً وأن مسألة استيعاب قوات الأنيانيا في الجيش السوداني لم تكن واردةً.
25
كما أن مسألة إدارة الجنوب كإقليمٍ واحد أو كثلاثة أقاليم كان يجب أن تكون مسألةً داخلية تخصّ ساسة الجنوب أكثر من الشمال، فهم على درايةٍ بمناطقهم وأهلهم واحتياجاتهم أكثر من أية جهةٍ أو حزبٍ شمالي.
26
غير أن الساسة الشماليين فقدوا كل مقومات المنطق والموضوعية عندما أصروا على أن يكون رئيس السلطة التنفيذية مُعيّناً بواسطة الخرطوم، وليس منتخباً بواسطة السكان الذين سيحكمهم، أو بواسطة جهازهم التشريعي كما طالب الجنوبيون في اللجنة.
الغريب في الأمر أن الحكومة والأحزاب التي تفاخر بأنها قد جاءت للسلطة بالانتخاب الحر المباشر تضنّ بذلك الحق على أبناء الجنوب داخل إقليمهم!.
27
لكن كل ذلك النقاش لم يعد مجدياً بعد أن قامت الجمعية التأسيسية وحكومة السيد محمد أحمد محجوب بتصعيد العمل العسكري في الجنوب لاستعادة القانون والنظام، وأطلقت يد الجيش بلا قيودٍ أو ضوابطٍ لإستعادة ذلك القانون والنظام.
وكان السيد محمد أحمد محجوب قد انتقد مراراً وتكراراً لجنة الاثني عشر وأعلن أنها قد فشلت في مهمتها، وأن الزمن والأحداث قد تجاوزتها.
28
أضاف السيد الصادق المهدي حال انتخابه رئيساً للوزارة خلفاً للسيد محمد أحمد محجوب تعقيداً آخر لأعمال لجنة الاثني عشر في مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية الذي عُقِد لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر.
افتتح السيد الصادق المهدي المؤتمر بوصفه رئيساً للوزراء في 17 أكتوبر عام 1966، وأعلن أن عقد مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر لا يُغني عن تحويل التقرير للجنة الدستور.
وطالما أن لجنة الدستور كانت ستطبخ دستوراً إسلامياً عربياً مركزياً للسودان، فقد كان واضحاً أن الغرض من هذه المناورة الجديدة هو أن لا تكون مقررات لجنة الاثني عشر ملزمةً للجنة الدستور أو لأية جهة – بل هي مجرد توصيات. كما لا بد من التذكير بقرار لجنة الدستور التي رفضت قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بإعطاء الاعتبار الكافي لمطلب الجنوب للفيدرالية.
29
دار جدلٌ آخر حول هل سيناقش مؤتمر الأحزاب كل توصيات لجنة الاثني عشر أم سيتقتصر النقاش على نقاط الخلاف فقط.
أصر الدكتور حسن الترابي ممثل جبهة الميثاق الإسلامي على نقاش كل توصيات لجنة الاثني عشر، واعتبر أن المؤتمر من حقه قبول أيٍ من هذه التوصيات أو رفضها.
كان الغرض من هذه المناورة الجديدة أن مقررات لجنة الاثني عشر مجرد توصيات لا تلزم أحد.
كان غريباً اللجوء إلى هذه المناورة علماً بأن جبهة الميثاق الإسلامي كانت ممثلةً برئيسها في لجنة الاثني عشر. لكن يبدو أن السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي قد تقاسما مهمة وأد أعمال لجنة الاثني عشر.
30
كان المشاركون قد اختاروا السيد محمد صالح الشنقيطي رئيساً لمؤتمر الأحزاب لمناقشة توصيات لجنة الاثني عشر. مما يجدر ذكره أن السيد الشنقيطي كان قد قاد وفد شمال السودان لمؤتمر جوبا في يونيو عام 1947، وكان متوقّعا أن يلعب السيد الشنقيطي دوراً في إنجاح مؤتمر الأحزاب بسبب ذلك الارتباط بقضية الجنوب، ولكن هذا لم يحدث. فقد تبنّى السيد الشنقيطي مواقف الأحزاب الشمالية كما هي.
وقد كان لإبعاد المجموعة التي عملت في سكرتارية مؤتمر المائدة المستدير ة ولجنة الاثني عشر من هذا المؤتمر دورٌ كبير في نهاية هذا المؤتمر بدون أيّة نتائج إيجابية.
31
اختتم المؤتمر جلساته في العاشر من أبريل عام 1967، وأكمل تقريره في 2 مايو عام 1967. غير أن حكومة السيد الصادق المهدي سقطت في ذلك الشهر، بعد عشرة أشهر في الحكم، وعاد السيد محمدأحمد محجوب رئيساً للوزارة في 15 مايو عام 1967، أي بعد أقل من عامٍ من فقدانه لمنصبه. وبقي السيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزراء لمدة عامين، حتى الانقلاب العسكري في 25 مايو عام 1969.
كان عدم الاستقرار السياسي هذا سبباً آخر لحالة الارتباك والتخبّط التي سادت التعامل مع تقرير لجنة الاثني عشر. إضافةً إلى ذلك فقد كانت الخرطوم غارقةً في مشاكلها السياسية والدستورية.
فقد قضت المحكمة العليا أن قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان قرارٌ غير دستوري، لكن حكومتي السيد الصادق المهدي والسيد محمد أحمد محجوب رفضتا ذلك القرار، في إهانةٍ بالغةٍ للقضاء واستقلاله، وللنظام الديمقراطي الذي أتى بهما إلى السلطة. وكرّر الاثنان أن قرار المحكمة حكمٌ تقريري. وهذا خطأ كبير، – شتّان ما بين حكم المحكمة العليا والحكم التقريري!
وتصاعدت الحرب في الجنوب وتواصل الدمار والموت بين الجانبين، وكان لتصعيد الحرب والصرف الكبير عليها، تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، تأثيراتٌ بالغة على الاقتصاد السوداني الهشِّ أساساً.
32
عبّدَ كل ذلك الهرجُ السياسي والأمني والقانوني الطريقَ لعودة العسكر إلى السلطة في 25 مايو عام 1969، بعد خمسة أعوامٍ فقط من فقدانها، وبنفس السهولة التي أتى بها من سبقهم عام 1958.
كانت قضية الجنوب على رأس قائمة اهتمام الانقلابيين الجدد. فالخسائر المادية والبشرية وسط الجيش السوداني قد تزايدت بسبب سياسات حكومات العهد المدني الثانية الهوجاء، وبسبب تصعيد الحركات المسلحة لأعمالها، خصوصاً بعد مجازر جوبا وواو والسلاطين.
بدأ الانقلاب الثاني، على عكس الانقلاب الأول، بفتح صفحةٍ جديدةٍ في قضية الجنوب، وفي تاريخ السودان ككل، انبنتْ على الحلِّ السلمي ونبذِ البندقية. ولكن حدث ذلك خلال فترةٍ قصيرةٍ فقط، كما سنناقش في المقالين القادمين من هذه السلسلة من المقالات.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
    Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …