قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تابعنا في المقالات الثمانية السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب الجنوبية وقادتها. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية. تمَّ وتواصل هذا الرفض خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى، والتي أدار فيها البلاد، وصعّد الحرب خلالها في الجنوب، الفريق إبراهيم عبود وصحبه في المجلس العسكري الحاكم.
2
تابعنا في المقال السابق فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، وأوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية وجبهة الهيئات.
وناقشنا في المقال السابق أيضاً تحوّل المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر التي لم يتعامل معها أيُّ حزبٍ شمالي بأي قدرٍ من الجدية. كما أوضحنا الخلافات الكبيرة داخل اللجنة حول القضايا الأساسية التي تم نقاشها، وانتقال تلك الخلافات إلى مؤتمر الأحزاب الذي انعقد لمناقشة تقرير اللجنة.
3
في تلك الأثناء توالت الخلافات السياسية، والنكسات العسكرية في الجنوب، والتي أدت إلى مزيدٍ من التهور للوضع الاقتصادي والتذمّر الاجتماعي لفترة الحكم المدني الثانية.
استغل الجيش السوداني هذا الوضع العسكري والسياسي والاقتصادي المضطرب واستولى على السلطة في انقلابٍ عسكري في 25 مايو عام 1969. حدث ذلك بعد أقل من خمسة أعوام من ثورة أكتوبر، وبعد حوالي عشرة أعوام من الانقلاب العسكري الأول.
4
وإذا كان الانقلاب الأول من بنات أفكار السيد عبد الله خليل، فقد كان الانقلاب الثاني من تخطيط وتنفيذ اليسار السوداني، ممثّلاً في الحزب الشيوعي والقوميين العرب والبعثيين. ويبدو أن الانقلاب كان ثأر اليسار على حلِّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ورفض حكومتي السيدين الصادق المهدي ومحمد أحمد محجوب قرار المحكمة العليا بعدم دستورية الحل، وتضييق الخناق على الحريات بدعوى محاربة الشيوعية.
5
أذاع العقيد جعفر محمد نميري البيان الأول الذي أعلن فيه استيلاء القوات المسلحة على السلطة في البلاد، وتعليق العمل بدستور السودان المؤقت لعام 1964 (المعدّل لعام 1965)، وحلّ الحكومة والجمعية التأسيسية والأحزاب السياسية، وتطبيق الأحكام العرفية.
تشكّل مجلس قيادة الثورة برئاسة العقيد جعفر محمد نميري وعضوية ثمانية عسكريين ومدنيٍّ واحد هو السيد بابكر عوض الله الذي تمّ تعيينه نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ورئيس الوزراء.
كان السيد بابكر عوض الله قد استقال من رئاسة القضاء احتجاجاً على عدم احترام القضاء والدستور وأحكامه بواسطة حكومتي السيدين محمد أحمد محجوب والصادق المهدي خلال فترة الحكم المدني الثانية عندما رفضت الحكومة قرار المحكمة العليا بعدم دستورية حلِّ الحزب الشيوعي.
عليه فها هو الرجل الذي استقال من منصبه القضائي احتجاجاً على عدم احترام الدستور والقانون يساهم مع العسكر في تمزيق الدستور بنفسه، ويصل إلى السلطة على ظهر دبابةٍ، وهو يحمل بندقية.
6
أصدر مجلس قيادة الثورة بيانه الأول، الذي سمّاه الأمر الجمهوري رقم 1، والذي حدّد فيه المعالم الدستورية الجديدة للسودان. ظلّت البلاد تُحكم بالأوامر الجمهورية حتى عام 1973، عندما أصدر نظام جعفر نميري ما أسماه الدستور الدائم للسودان، كما سنناقش لاحقاً.
مثل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي استولى على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958، لم يشمل مجلس قيادة الثورة الجديد في 25 مايو عام 1969 أيّاً من أبناء الجنوب، وظل كذلك إلى تاريخ حلّه.
وقد تشكّل مجلس الوزراء، والذي كان غالبيته من المدنيين، برئاسة السيد بابكر عوض الله الذي شغل أيضا حقيبة وزارة الخارجية. وشمل مجلس الوزراء اثنين من أبناء الجنوب – السيدين أبيل ألير لوزارة الإسكان، وجوزيف قرنق لوزارة التموين.
7
عمل السيد أبيل ألير قاضياً، واستقال من الهيئة القضائية عام 1965 ليتمكّن من الانضمام لوفد جبهة الجنوب في مؤتمر المائدة المستديرة في مارس عام 1965، بعد أن رفض رئيس القضاء السيد بابكر عوض الله السماح له بالمشاركة في المؤتمر (في إجازة بلا مرتب) أثناء عمله قاضياً.
ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن السيد بابكر عوض الله نفسه كان قد عمل قاضياً، ثم تمّ اختياره رئيساً لمجلس النواب بين الأعوام 1954 و1957، وقد عاد بعد ذلك للعمل في القضائية عام 1957.
وهذا الرفض شبيهٌ برفض السيد إسماعيل الأزهري للموظفين الجنوبيين لحضور مؤتمر حزب الأحرار عام 1954، كما ناقشنا من قبل. وقد برّر السيد الأزهري رفضه بأن موظفي الدولة غير مسموحٍ لهم بالعمل بالسياسة، في حين أن السيد الأزهري نفسه مارس العمل بالسياسة غندما كان مدرساً بالمدارس الحكومية.
8
تمّ تعيين السيد أبيل ألير في الحكومة رغم عدم وجود علاقةٍ له باليسار السوداني. أما السيد جوزيف قرنق فقد كان أيضاً قانونياً، ولكنه عمل بالمحاماة. وقد كان عضواً بالحزب الشيوعي السوداني، وفاز في دوائر الخريجين في انتخابات عام 1965 في قائمة الحزب الشيوعي، وطُرِد من الجمعية التأسيسية عندما اتخذت الجمعية قرار حلِّ الحزب الشيوعي وإسقاط عضوية نوابه الثمانية. وقد كانت القضية الدستورية التي رفعها نواب الحزب الشيوعي الثمانية ضد قرار طردهم وإسقاط عضويتهم من البرلمان (وكسبوها) باسم السيد جوزيف قرنق و”آخرين.”
وقد كان السيد جوزيف قرنق السوداني الجنوبي الوحيد الذي فاز في انتخابات برلمانية في شمال السودان في أيٍ من عهود الحكم المدني الثلاثة. كان ذلك على نقيض الوضع الذي كان التجار الشماليون يفوزون في الانتخابات في جنوب السودان بالتزكية، أو بأصواتٍ لاتتعدّى في مجملها البضع مئات، أوحتى العشرات، بسبب المقاطعة الجنوبية، والحالة الأمنية هناك. وقد فاز أحد المرشحين الشماليين في انتخابات عام 1968، بعشرين صوتٍ فقط من جملة الأشخاص المسجّلين، والبالغ عددهم ثلاثين ناخباً فقط، في دائرة توريت شمال (لاتوكا – الدائرة 8). وكان ذلك الفوز مدعاةً لتندّر وغضب الساسيين الجنوبيين. ومن سخرية القدر فإن هذه هي نفس الدائرة التي فاز فيها الأب سترنينو لوهوري في انتخابات عام 1953 بأكثر من ألف وسبعمائة صوت.
9
كان واضحاً أن مشكلة الجنوب قد احتلت قائمة اهتمامات الحكومة الجديدة. فقد أشار العقيد جعفر نميري في بيانه الأول في 25 مايو عام 1969 إلى هذه المشكلة، وإلى الحرب المتواصلة والمتصاعدة في الجنوب، وضرورة إيقافها وإحلال السلام والأمن من خلال التفاوض.
10
في يوم 9 يونيو عام 1969، أي بعد أسبوعين من الانقلاب، أصدرت الحكومة بياناً عن سياستها في الجنوب أُطلِق عليه بيان “9 يونيو.”
أوضح البيان أن ثورة مايو هي امتدادٌ لثورة أكتوبر في تقدميّة مبادئها، وفي عزمها على حل مشكلة الجنوب سلمياً. وضع البيان (مثل غيره من البيانات السابقة في هذا المجال) مسئولية مشكلة الجنوب على الاستعمار البريطاني الذي عزل الجنوب عن الشمال، وعلى الأحزاب السياسية الشمالية الرجعية التي لم تتعامل مع المشكلة بجدّية، وعلى السياسيين الجنوبيين الذين تحالفوا معها.
اعترف البيان بالخلافات التاريخية والثقافية بين طرفي البلاد، وبحقّ الجنوبيين في تنمية عاداتهم وتقاليدهم داخل إطار السودان الموحّد. أشار البيان بعد ذلك إلى اجتماعٍ مشترك بين مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء تمّ فيه مناقشة مشكلة الجنوب بتأنّي وعمق، وخلص الاجتماع المشترك إلى ضرورة الاعتراف بحق الجنوب في الحكم الذاتي في إطار السودان الموحّد.
11
تضمّن البيان برنامج عملٍ لتطبيق الحكم الذاتي اشتمل على عفوٍ كاملٍ عن كل المشتركين في النزاع منذ عام 1955 (عام حوادث توريت)، ووضع خطة تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ للجنوب. شمل البيان تعيين وزير لشئون الجنوب، ومجلس تخطيط لتنمية الجنوب، وتحديد ميزانية خاصة لهذا الغرض، وتدريب أبناء الجنوب للمشاركة في الحكم الذاتي.
نادى البيان في ختامه الجنوبيين بإلقاء السلاح والعودة إلى السودان للانضمام إلى عملية السلام.
12
كان البيان مليئاً بالشعارات اليسارية الثورية من تحميل الامبريالية العالمية والاستعمار الحديث والأحزاب الرجعية مسئولية الحرب. ولكنه كان شجاعاّ في الاعتراف بالتباينات الثقافية والعرقية والدينية والتاريخية والاقتصادية، وضرورة حل المشكلة بالحوار. لم يشتمل البيان على عبارات متمردين أو ارهابيين أو خوارج أو خونة، وهي الصفات التي أطلقتها الحكومات السابقة على المحاربين الجنوبيين.
وكان مثار الدهشة أن تتحدث حكومةٌ عسكريةٌ عن حلٍ سلميٍ لمشكلة الجنوب، مقارنةً بحكومات العهد المدني الثاني التي قادها السيد محمد أحمد محجوب والسيد الصادق المهدي، والتي اعتمدت الحل العسكري الباطش لمشكلة الجنوب.
تمّ اتباع البيان بخطواتٍ عملية تضمّنت إنشاء وزارة لشئون الجنوب، وتعيين السيد جوزيف قرنق وزيراً لها. ولا بُدّ من التذكير أن الحزب الليبرالي (حزب الأحرار) كان قد طالب بإنشاء هذه االوزارة ولكنّ حكومات العهد المدني الأول رفضت هذا الطلب.
13
بدأت بعد ذلك اتصالاتٌ سرية بين الحكومة والقيادات السياسية للجنوبيين المرتبطة بالأنيانيا، والتي أعادت تنظيم نفسها في حركة تحرير جنوب السودان. أدّت تلك الاتصالات (وصدور بيان 9 يونيو) إلى بدء لقاءاتٍ سرية بين الحكومة الجديدة وحركة تحرير جنوب السودان في لندن، ثم في أديس أبابا.
تحوّلت تلك الاجتماعات إلى مفاوضات بين الاثنين في بداية فبراير عام 1972. وقد تمّ اختيار أديس أبابا مقراً للمفاوضات بمبادرة من الحكومة السودانية، قبلتها حركة تحرير جنوب السودان.
14
قاد وفد السودان لهذه المفاوضات السيد أبيل ألير، وشمل الوفد السادة الدكتور منصور خالد وزير الخارجية، والدكتور جعفر محمد علي بخيت وزير الحكم المحلي، والفريق الباقر أحمد وزير الداخلية، والسادة عبد الرحمن عبد الله وزير الخدمة العامة والإصلاح الإداري، وكمال أبشر، وميرغني سليمان.
وقاد وفد حركة تحرير جنوب السودان السيد ازبوني منديري، وشمل السادة الدكتور لورنس وول، مادينق دي قرنق، فريدريك بريان مابوت، أوليفر البينو، انجيلو فوقا مورغان، الأب بول بوت، وجوب أدير دي جوك.
لا بد من التذكير أن القائد ويليام دينق كان قد تم اغتياله في جنوب السودان في عام 1968. وكان الأب سترنينو لوهوري قد تم اغتياله في يوغندا عام 1967. وقد أشارت أصابع الاتهام في الحالتين إلى حكومة الخرطوم.
15
قامت الحكومة الإثيوبية ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الأفريقي بدور الوسيط في هذه المفاوضات، ولعبوا دوراً إيجابياً أدّى إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير عام 1972. وقد تمت إجازة قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي (المكوّن الأساسي للاتفاقية) في 3 مارس عام 1972، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في ذلك اليوم بعد التصديق عليها لاحقاً بواسطة السيد جعفر نميري رئيس جمهورية السودان (بذاك الوقت)، والسيد جوزيف لاقو رئيس حركة تحرير جنوب السودان.
وهكذا بعد قرابة ثلاثة أعوامٍ من صدور بيان 9 يونيو عام 1969 تمّ التوصل لاتفاقٍ بين شمال السودان وجنوبه، وعاد السلام لأول مرة إلى جنوب السودان بعد 17 عامٍ من الحرب والموت والدمار.
16
لكن الخارطة السياسية والدستورية في السودان كانت قد تغيّرت بصورةٍ جذرية خلال الأعوام الثلاثة تلك. ففي مارس عام 1970، أي بعد أقل من عامٍ من انقلاب 25 مايو 1969، قاد السيد الهادي المهدي إمام طائفة الأنصار عصياناً على الحكومة واحتمى في الجزيرة أبا معقل طائفة الأنصار. أرسلت الحكومة قواتها ودارت معارك غير متكافئة استعمل فيها العقيد نميري سلاح الطيران، وقُتِل فيها آلاف الأنصار، ثم قُتِل بعد أيام السيد الإمام الهادي نفسه، مع بعض أنصاره، في الحدود مع إثيوبيا.
وفي يوليو عام 1971، بعد عامٍ وربع العام من حوادث الجزيرة أبا، جرت محاولة انقلاب قام بها الحزب الشيوعي السوداني، وذلك نتيجة الخلافات بين الحزب وقادة انقلاب 25 مايو حول ثورية النظام وبرامجه. وقد فشلت المحاولة وتمّ القبض على قادتها الذين شملوا ثلاثةً من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتم اعدامهم مع عددٍ من قيادات الحزب الشيوعي المدنية، بعد محاكماتٍ صوريةٍ شكليّةٍ عاجلةٍ.
17
قرّرت الحكومة الاستفادة من مناخ الخوف وكبت الحريات الذي خلّفته أحداث الجزيرة أبا والمحاولة الانقلابية، وأجرت ما اسمته استفتاءً شعبياً في أغسطس عام 1971 تمّ بموجبه اختيار جعفر نميري رئيساً للجمهورية. وتبع ذلك إنشاء الاتحاد الاشتراكي السوداني (تحالف قوى الشعب العاملة!) ليصبح الحزب الوحيد المعترف والمسموح به في السودان.
وتمّ حلّ مجلس قيادة الثورة وتعيين من تبقى من أعضائه أحياء وزراء أو في قيادة الاتحاد الاشتراكي السوداني.
ثم تم إصدار الأمر الجمهوري الخامس مفصلاً الوضع الدستوري الجديد الذي انبنى لأول مرة في تاريخ السودان على النظام الرئاسي بصلاحياتٍ واسعةٍ لرئيس الجمهورية، كانت تزداد وتتوسّع بمرور الشهور، ومع كل تعديلٍ للدستور يقوده وينظّمه “دكاترة” نميري المخلصين.
18
بعد أسابيع قلائل من الاستفتاء الذي أتى به رئيساً للجمهورية قام الرئيس جعفر نميري بتعيين عددٍ من السياسيين الجنوبيين في عدة مواقع تنفيذية قيادية في الشمال والجنوب. فقد تمّ تعيين السيد أبيل ألير نائباً لرئيس الجمهورية، وتعيين السيد هيلري لوقالي سكرتير جبهة الجنوب والعضو البرلماني والوزير السابق محافظاً للمديرية الإستوائية، والسيد لويجي أدوك عضو مجلس السيادة والبرلماني السابق محافظاً لمديرية أعالي النيل، والسيد توبي مادوت البرلماني والقيادي السابق في حزب سانو محافظاً لمديرية بحر الغزال.
وقد نصّ القرار الجمهوري بأن يكون كلٌ من المحافظين الثلاثة في مرتبة وزير مركزي، ومنحهم الصلاحيات الكاملة لإدارة مديرياتهم.
أرسلت تلك التعيينات، والتأكيد على الصلاحيات الواسعة التي مُنِحت للمحافظين الثلاثة، رسالةً إيجابية إلى أبناء جنوب السودان، وخاصةً لقيادات حركة تحرير جنوب السودان التي كانت ما تزال تتجادل مع بعضها البعض في مسألة التفاوض مع نظام الرئيس نميري. وساهمت تلك التعيينات كثيراً في تعبيد طريق الثقة الذي قاد للمشاركة في مفاوضات أديس أبابا وإلى نجاحها.
19
عليه فقد كانت الخارطة السياسية والدستورية في السودان عند توقيع اتفاقية أديس أبابا، ودخولها حيز النفاذ في 3 مارس عام 1972، تختلف تماماً عن تلك التي كانت سائدةً عند بدء الاتصالات بين الحكومة وحركة تحرير جنوب السودان في النصف الثاني من عام 1969.
اختفت الشعارات اليسارية الثورية من برامج الحكومة وسياساتها، ومنح الرئيسُ جعفر نميري مناصبَ بصلاحيات واسعة لبعض القيادات الجنوبية التي لم يكن لها أي ارتباطٌ باليسار، مما جعل دول الجوار والدول الكبرى ومجلس الكنائس العالمي أكثر تقبّلاً لعرض التفاوض وللمساهمة في إنجاح المفاوضات. وقد قبلت بعض هذه الأطراف أيضاً أن تكون شاهداً على اتفاقية أديس أبابا. فقد كانت تلك التعيينات مؤشراً قوياً لقبول النظام الجديد (من حيث المبدأ) مطلب الفيدرالية الذي ظل أيناء الجنوب ينادون به منذ عام 1947.
20
تكوّنت اتفاقية أديس أبابا من ثلاثة أجزاء. كان الجزء الأول هو قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي الذي تمّت إجازته بواسطة الحكومة السودانية في 3 مارس عام 1972 بعد أن تمّ الاتفاق على مضمونه خلال المفاوضات التي انتهت في 27 فبراير. بالإضافة إلى مواده الأربعة وثلاثين، فقد اشتمل القانون أيضاً على ملحقين، اختصّ الأول بالحقوق الأساسية والحريات، والثاني على بنود الإيرادات.
أما الجزء الثاني من الاتفاقية فقد اشتمل على اتفاقٍ بشأن وقف إطلاق النار، بينما تكوّن الجزء الثالث من أربع بروتوكولات (أو فصول) خاصة بالتنظيمات المؤقتة، الأول بشأن التدابير الإدارية المؤقتة، والثاني خاص بقوات الشعب المسلحة في الإقليم الجنوبي، والثالث عن العفو العام والترتيبات القضائية، والرابع والأخير عن إعادة التوطين.
21
عرّف قانون الحكم الذاتي الإقليم الجنوبي بأنه يتكوّن من مديريات جنوب السودان الثلاثة، أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية، بحدودها القائمة في اليوم الأول من يناير عام 1956، وأية مناطق أخرى كانت جغرافياً وثقافياً جزءاً من الكيان الجنوبي على نحو ما قد يتقرّر عن طريق الاستفتاء.
ورغم عدم ذكر منطقة أبيي المتنازع عليها بين الشمال والجنوب بالإسم في الاتفاقية، إلا أنه كان مفهوماً للأطراف أن الإشارة في ذلك النص هي لمنطقة أبيي. وقد أكّدت ذلك الفهم بعض القرارات التي تمّ اتخاذها لاحقاً.
22
أشار القانون إلى أن إقليم جنوب السودان يتمتّع بحق الحكم الذاتي داخل نطاق السودان الموحّد، وتكون له أجهزة تشريعية وتنفيذية تمارس الاختصاصات والسلطات المضمّنة في القانون.
أعلن القانون اللغة العربية اللغة الرسمية للسودان، واللغة الإنجليزية لغةً رئيسيةً لإقليم جنوب السودان وذلك مع عدم المساس باستعمال أيّةِ لغةٍ أو لغاتٍ أخرى قد تخدم ضرورة عملية، أو تساعد على أداء المهام التنفيذية والإدارية في الإقليم، وأكّد على حقِّ الأقليات في استعمال لغاتها وتطوير ثقافاتها وعاداتها.
23
أنشأ القانون مجلس الشعب الإقليمي والذي يتمّ انتخابه عن طريق الاقتراع السري المباشر، ومنحه السلطات الكاملة للتشريع في المسائل المحلية لحفظ النظام العام والأمن الداخلي في الإقليم الجنوبي ولإدارته بطريقة رشيدة وتنميته في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وعدّد القانون هذه المسائل بصورة تفصيلية.
كذلك عرّف القانون المسائل الوطنية التي لا يحقّ لمجلس الشعب الإقليمي أو المجلس التنفيذي العالي ممارسة أيّة سلطة فيها بأنها تشمل شئون الدفاع والأمن، والعلاقات الخارجية، والعملة والنقد، والاتصالات والجمارك والتجارة الخارجية (ما عدا تجارة الحدود)، والجنسية والهجرة، والتخطيط الاقتصادي والتخطيط التربوي، والمراجعة العامة.
24
أنشأ القانون أيضاً المجلس التنفيذي العالي وأسند إليه السلطات التنفيذية التي يباشرها نيابةً عن رئيس الجمهورية. أوضح القانون أن اختيار رئيس المجلس التنفيذي العالي وعزله يتم بواسطة رئيس الجمهورية بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي.
أشار القانون كذلك إلى حق مجلس الشعب الإقليمي أن يطلب بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه، ولأسباب محدّدة تتعلق بالمصلحة العامة، من رئيس الجمهورية إعفاء رئيس المجلس التنفيذي العالي، ويتعين على الرئيس الموافقة على مثل هذا الطلب.
25
أشار القانون إلى أن أبناء الإقليم الجنوبي يكوّنون جزءاً من الجيش السوداني يتناسب مع عدد سكانه، وأوضح أن استعمال قوات الشعب المسلحة داخل إقليم جنوب السودان في مسائل تخرج عن إطار الدفاع الوطني تخضع لإشراف رئيس الجمهورية بناءً على نصيحة رئيس المجلس التنفيذي.
كما أعطى القانون رئيس الجمهورية الحق في الاعتراض على أي مشروع قانون يرى أنه يتعارض مع الدستور، على أنه يجوز لمجلس الشعب الإقليمي بعد اطلاعه على وجهة نظر رئيس الجمهورية أن يعيد عرض مشروع القانون مرةً أخرى.
26
أوضحت المادة الأخيرة من القانون أنه لا يجوز تعديل الاتفاقية إلاّ بأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب القومي وموافقة ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان في استفتاءٍ عام يُجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة.
27
تضمّن القانون ملحقاً عن الحقوق والحريات الأساسية أوضح فيه أن السودانيين يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الموطن أو اللغة أوالدين، وأن لكل المواطنين الحقّ في حرية الدين والفكر، ولهم الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في العلن، وإنشاء المؤسسات الدينية وفقاً للقانون.
كما تضمّن القانون تفاصيل عن مبادئ العدالة والشرعية القانونية وحظر العقوبة الجماعية، وكل أنواع العمل الإجباري والسخرة إلّا بقانون، وكفل حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي.
28
أما الملحق الثاني للاتفاقية فعدّد بنود الإيرادات والمنح المقدمة من الحكومة المركزية للإقليم الجنوبي. شملت بنود الإيرادات الأرباح المتراكمة لدى الحكومة المركزية والناتجة عن تصدير منتجات الإقليم الجنوبي، وضريبة الأرباح التجارية للإقليم الجنوبي والرسوم المفروضة على المشروبات الكحولية المستهلكة في الإقليم، والضرائب المفروضة على منتجات غابات الإقليم، وكذلك ضريبة التنمية الخاصة التي تُدفع من قبل المقيمين في الإقليم الجنوبي.
29
تكوّن الجزء الثاني من الاتفاقية على اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في الإقليم الجنوبي، وشمل تكوين لجنةٍ مشتركةٍ يؤول إليها تنفيذ كافة الموضوعات المتعلّقة بوقف إطلاق النار، بما في ذلك تعويض اللاجئين.
وتضم اللجنة المشتركة أعضاء من كافة الدول المتاخمة للإقليم الجنوبي، بالإضافة إلى ممثلين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الأفريقي ومكتب مندوب الأمم المتحدة السامي للاجئين.
30
وتكوّن الجزء الثالث من اتفاقية أديس أبابا من مجموعة بروتوكولات (أو فصول) اختصّت بالتنظيمات الانتقالية المؤقّتة، إلى حين إجراء الانتخابات. تناول الفصل الأول الإجراءات الإدارية المؤقّتة والتي أعطت رئيس الجمهورية صلاحيات تعيين رئيس وأعضاء المجلس التنفيذي بعد التشاور مع حركة تحرير جنوب السودان والاتحاد الاشتراكي السوداني في الإقليم الجنوبي، وذلك حتى قيام مجلس الشعب الإقليمي.
وتناول الفصل الثاني تكوين القوات المسلحة في الإقليم الجنوبي (القيادة الجنوبية) من 12,000 ضابط وجندي يكون نصفهم من أبناء الإقليم، وأنشأ اللجنة العسكرية المشتركة من ضباط شماليين وجنوبيين لاختيار الضباط والجنود الجنوبيين الذين سيتم استيعابهم في القوات المسلحة. وكان واضحاً أن الإشارة هنا إلى ضباط وجنود حركة تحرير جنوب السودان الذين سوف يتم دمجهم في القوات المسلحة.
تناول الفصل الثالث العفو عن كل المشاركين في العمل المسلّح في جنوب السودان منذ 18 أغسطس عام 1955، وهو تاريخ تمرد حامية مدينة توريت. وشمل العفو الأفعال الجنائية وكذلك القضايا المدنية ذات الصلة بالأفعال التي ارتبطت بالتمرد.
اشتمل الفصل أيضاً على إطلاق سراح كافة الأشخاص الذين كانوا يقضّون فترة عقوبة الحبس أو رهن الاحتجاز لارتكابهم جرائم مرتبطة بالتمرد، وقضى القرار بإطلاق سراحهم خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على اتفاق أديس أبابا.
31
شمل الفصل الرابع إجراءات الإغاثة وإعادة توطين اللاجئين العائدين وإعادة تعمير المناطق المتأثّرة بالحرب. وكوّن لجنةً من ثلاثة أعضاء يمثّل أحدهم الحكومة المركزية، والآخر يمثّل مكتب مندوب الأمم المتحدة السامي للاجئين، والثالث يمثّل الإقليم الجنوبي، على أن تضمَّ ممثلاً عن الحكومة المضيفة للاجئين، بالإضافة إلى ممثل الحكومة المركزية، وهو سفير السودان أو مندوبه.
32
تمّ التوقيع على اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير عام 1972 بواسطة رئيسي الوفدين – السيد أبيل ألير ممثلاً لحكومة السودان، والسيد أزبوني منديري ممثلاً لحركة تحرير جنوب السودان، وكذلك بقية أعضاء الوفدين.
ولا بد من ملاحظة أن رئيسي الوفدين اللذين وقّعا على اتفاقية أديس أبابا كانا من أبناء الإقليم الجنوبي، وهو ما يكون قد خلّف الانطباع أن تلك الاتفاقية هي تعبيرٌ في نهاية الأمر عن الوحدة الوطنية بين شقّي البلاد. كما أن ذلك الوضع قد أرسل رسالةً مفادها أن مصالح ومواقف الجنوبيين قد قام بتمثيلها والتوقيع على الاتفاق الخاص بها نيابةً عن حكومة السودان أحد قادة الجنوبيين أنفسهم. وقد أدهش ذلك الوضع الكثير من المراقبين، وفسروه بحسن نية الخرطوم وحكومتها العسكرية الجديدة.
وكان السيد أبيل ألير قد تمّ تعيينه وقتها نائباً لرئيس الجمهورية. بينما كان السيد أزبوني منديري قد عمل وزيراً للنقل والمواصلات في حكومة أكتوبر الأولى، لكنه غادر السودان بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة وانضم إلى حركة تحرير جنوب السودان وأصبح من قادتها.
وقد شهد على التوقيع ممثلون لامبراطور إثيوبيا، ومجلس الكنائس العالمي، ومجلس الكنائس الأفريقي، ومجلس الكنائس السوداني. وتمّ التصديق على الاتفاقية بواسطة السيد جعفر نميري رئيس جمهورية السودان، والسيد جوزيف لاقو رئيس حركة تحرير جنوب السودان في 12 مارس عام 1972 ودخلت حيز النفاذ بأثر رجعي ابتداءً من 3 مارس عام 1972، وهو تاريخ إجازة قانون الحكم الذاتي الإقليمي كما ذكرنا أعلاه.
33
ثار جدلٌ خلال المفاوضات حول تسمية الوضع الجديد في السودان. أصر الوفد الجنوبي في بداية المفاوضات على كلمة الفيدرالية، بينما تمسّك وفد الخرطوم بمصطلح “الحكم الذاتي الإقليمي.” كان من الواضح أن هناك “استحياء” من جانب الوفد الحكومي على استعمال كلمة فيدرالية، بسبب التخوف من ردة فعل الأحزاب الشمالية التي رفضت رفضاً قاطعاً هذه الكلمة منذ عام 1951.
تدخّل الوسطاء واقنعوا الوفد الجنوبي أن العبرة بمضمون الاتفاقية وليس ياسمها. كما أوضح الوسطاء والوفد الحكومي أن مضمون مشروع اتفاقية أديس أبابا قد منح جنوب السودان صلاحيات واسعة لحكم نفسه، وأن هذه الصلاحيات هي نفس ما طالبت به الحركات والأحزاب الجنوبية، منذ السنوات التي سبقت الاستقلال، تحت مسمى الفيدرالية. وقد أبدى الجانب الجنوبي القدر الكافي من المرونة بقبوله مسمى “الحكم الذاتي” بدلاً من “الفيدرالية.” وحسم هذا التدخل الجدل حول اسم الاتفاقية.
صحيحٌ أن الفيدرالية هي شكلٌ متقدمٌ من الحكم الذاتي. ولكن بنفس القدر والمنطلق، فإن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى للفيدرالية. عليه فإن القول أن اتفاقية أديس أبابا لم تمنح الجنوب مطلبه بالفيدرالية (والذي ظلت بعض الأحزاب الشمالية تكرره) غير دقيق وغير سليم.
34
وكما ناقشنا في سلسلة المقالات السابقة، فقد تعامل الإسلاميون بنفس “الاستحياء” في إعلان فرانكفورت في يناير عام 1992، والذي منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير، دون استخدام ذلك المصطلح في الإعلان بناءً على طلب وإصرار وفد حكومة الإنقاذ لمفاوضات فرانكفورت.
35
سوف نواصل في المقال القادم مناقشة اتفاقية أديس أبابا وبداية تنفيذها، ونقارن بنودها بمقررات لجنة الاثني عشر ومؤتمر المائدة المستديرة. سنتعرّض بعد ذلك إلى التطورات التي أدّت إلى تعثّر التنفيذ، ثم إلى وأد الاتفاقية، وإلى اشتعالِ الحرب مرةً ثانية في جنوب السودان.
غير أن الحرب اندلعتْ هذه المرة تحت قياداتٍ وبرامج وشعاراتٍ في جنوب السودان اختلفت تمام الاختلاف عن الحرب السابقة، كما سنناقش في المقال القادم (العاشر) من هذه السلسلة من المقالات.
- محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم