أشكر الأستاذ الفاضل د. محمد الهاشمي الحامدي، وأتفق مع مجمل دعوته للتضامن مع المملكة العربية السعودية. فالواقع أن غالب شعب السودان يساند المملكة العربية السعودية قلبًا وقالبًا، في السراء والضراء محمولا على الفطرة السليمة. و مدفوعاً بالوفاء، والتاريخ، والمبادئ، وروابط الأخوة التي لا تهزها العواصف ولا تتقلب مع تغيّر المصالح.
فغالب الشعب السوداني — أفرادًا وكياناتٍ وجماعات — قد حسم موقفه منذ اللحظة الأولى، ولم يقف في المنطقة الرمادية كما فعلت حكومة بورتسودان، ولم يتمادَ في مساندة أو التعاطف مع من يعتدي على المملكة، كما فعل بعض المتحدثين من الحركيين الإسلاميين الذين تم تصنيف جماعتهم وتنظيمهم مؤخرًا ضمن قوائم الإرهاب الامريكية. هؤلاء ظلوا، عبر تجارب متكررة، يتنقلون كما البعير حيثما كثر العشب، وحيثما وُجد الدعم أو مصدر السلاح، في مواقف تحكمها المصالح لا الفطرة السليمة و المبادئ.
وكنتُ أتمنى لو أن السلطة في بورتسودان — التي لا تملك ما تُهديه للمملكة العربية السعودية من خيلٍ أو مال — أن تُحسن النطق على الأقل، فتلتزم بموقف واضح لا لبس فيه. كما كنتُ أتمنى من رفقاء الدواعش وبوكو حرام، الزاعمون دعم الجيش، أن يدعموه حقا بالصمت، وأن “ينقطوه بالسكات”.
فالتضامن مع المملكة العربية السعودية بالنسبة لغالب السودانيين، ليس موقفًا سياسيًا عابرًا تحكمه حسابات الربح والخسارة أو تقلبات المصالح، بل هو موقف وجداني وأخلاقي ومبدئي. موقف نابع من الفطرة السليمة التي تمقت العدوان، ومن تجربة مريرة مع الحرب جعلت السودانيين أكثر رفضًا لتوسيع دائرة الصراع، ومن باب العرفان وردّ الجميل للأيادي البيضاء التي امتدت للسودان في السراء والضراء، فضلًا عن الارتباط الروحي والوجداني العميق بأرض الحرمين الشريفين.
وأي قلب سوداني سليم ذاك الذي تميل عواطفه نحو من يعتدي على المملكة العربية السعودية؟.. الدولة الشقيقة التي ساندت السودان في الاحن و المحن و الشدائد ولا تزال تسانده حتى اليوم. فالمملكة لم تكن يومًا بعيدة عن السودان، لا في التنمية ولا في الأزمات: من حفر آبار المياه، إلى تركيب وتشغيل مضخات الطاقة الشمسية في مئات القرى النائية، إلى المبادرات الإنسانية التي خففت معاناة السودانيين، إلى جهودها الدبلوماسية المستمرة للبحث عن حلول سلمية وإيقاف الحرب.
احتضنت المملكة السودانيين الذين تقطعت بهم السبل خلال الحرب، وسهّلت إقاماتهم، ومكّنت أبناءهم من مواصلة تعليمهم، وسخّرت إمكاناتها لخدمة السودانيين في وقت بلادهم تمر بأصعب الظروف. أفضال لا تُحصى ولا تُعد. ولا تجد لها رد إلا بصالح الدعوات الصادقات بأن يحفظ الله المملكة قيادةً وشعبًا، وأن يبارك في أمنها واستقرارها، بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وبدعوة سيدنا إسماعيل، وأن يحفظ قيادتها وعلى رأسها ولي العهد، بدعوة سيدنا سليمان عليه السلام أن يهبهم الحكمة والسداد والتوفيق.
فعلى مدى عقود، رسّخت المملكة العربية السعودية حضورها كأحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، ليس فقط بما لديها من ثقل سياسي واقتصادي، بل أيضًا لمكانتها الدينية الاستثنائية في العالم الإسلامي. فالمملكة ليست مجرد دولة ذات نفوذ سياسي او ثقل اقتصادي، بل هي أرض الحرمين الشريفين، ومحط أنظار ما يقارب مليارًا ونصف المليار من المسلمين السنة حول العالم.
فحينما اشتعلت الحرب في السودان، سارعت المملكة إلى الانحياز للتهدئة ومنع التصعيد. و ذلك عبر مبادرة اتفاق جدة في الشهر الثاني من الحرب، حيث استضافت المملكة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، جولات تفاوض هدفت إلى وقف إطلاق النار وتأمين الممرات الإنسانية وحماية المدنيين. ورغم تعقيدات المشهد، شكّلت هذه المبادرة أول إطار تفاوضي جاد منذ اندلاع الحرب. كما سهلت اول هدنة، هدنة انسانية حفاظا على الارواح.. لا حفاظا على النفط!
ولم يتوقف الدور السعودي عند ذلك، بل استمر عبر المشاركة في “الرباعية” الدولية إلى جانب الولايات المتحدة ومصر والإمارات، في مسعى دبلوماسي لإيجاد مسار سياسي يوقف الحرب ويعيد الاستقرار للسودان. كما امتد التحرك السعودي إلى أعلى مستوياته الدولية، حيث لعب صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دورًا مهمًا في الدفع بقضية السودان إلى دائرة الاهتمام الامريكي في اعلى مستوى.
لهذا كله، فإن موقف السودانيين لم يكن مفاجئًا، بل كان موقفًا طبيعيًا من شعب يعرف معنى الوفاء، ويعرف معنى عدم توسيع دائرة الحرب ، ويعرف مكانة المملكة العربية السعودية في وجدانه وتاريخه..
lubbona@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم