الجزء الأول:
أمدرمان- يناير 2021
هذا العنوان مما أوحت به لي تداعيات السؤال الحائر الذي ظل يشغلني منذ أن اطلعت على موازنة العام الماضي 2020 وتعديلاتها، ثم استمرار حيرتي حول ماذا ننتظر لابتدار معالجات وحلول سياسية/اقتصادية ومجتمعية جادة وعملية تخرجنا من النفق المظلم الذي أدخلتنا فيه ممارسات المجموعة الحاكمة خلال عام كامل من التدهور المضطرد. لم أجد وصفا ابلغ لحالنا ونحن ننتظر الحل الذي لن يأتي…كحال شخصيتي رواية صموئيل بيكيت ذائعة الصيت ” في انتظار جودو” (ايستراجون وفلاديمير) الذان يبلغان، بعد طول انتظار، بقدومه في اليوم التالي.. ولكنهما برغم القرار بالرحيل ألا أنهما يظلان في الانتظار.
توحي الإدارة الاقتصادية لنا ولشعبنا وبعد مضي قرابة العام ونصفه أنها بموازنتها الجديدة للعام 2021 كمن جاءت لشعبها بمخطط لفعل اقتصادي جدي وعبقري يخرجنا من الازمة، أو على الأقل يضعنا على بداية الطريق الصحيح، بعد طول انتظار ومعاناة. ولكننا، كما في حال جودو تماما، فان الموازنة الجديدة لا تفعل لنا شيئا وليس هناك من جديد، وتشرق علينا شمس كل يوم وليس هناك سوى المزيد من العجز والانهيار. فهل نظل في الانتظار؟؟
اقتناعي التام، وحزني، باننا لم نفعل شيئا جادا لمعالجة أهم قضايا الراهن الاقتصادي. فقضايا الراهن الاقتصادي لا تتمثل في الفشل في توفير الخبز او الغاز أو الوقود أو الدواء وانما هذه كلها ليست سوى أعراض لعلة رئيسية تتعلق في فشلنا بتعبئة الموارد الذاتية الحقيقية لتمويل الدولة، واتباع السياسة الراشدة والعادلة المصاحبة لذلك. وبدلا من امتلاك الحكمة والجرأة وطرح القضية بابسط صورها لشعبنا، وبنفس المنطق الذي يطرح به رب الاسرة قضية توفير الدخل لاسرته بجرأة وجدية كقضية أولى في اقتصاد الاسرة، حيث أن توفير الدخل هو الأسبق، وأنه وليس غيره هو ما سيكفي الاسرة شر المسغبة أويحميها من التفكك ولجوئها الى ما يؤدي الى تحللها وضياعها وربما دخول ربها الى السجن. ولكن بدلا من طرح القضية كقضية تتعلق بالموارد تظل الحكومة تلف وتدور وتتحدث عن شكليات تتعلق بقضايا لا تمت الى أساس المشكلة بصلة. وتبدو، في عجزها عن ابتدار الحلول الجادة وتخدير الشعب، كمن ينتظر قادما ليأتي لنا بالحل السحري.
هذا الموازنة للعام 2021، والتي للأمانة فقد عزفت عن دراستها بعمق، لأنها لا تقدم أي حل لقضية الموارد. ففحصي لها لم يتعد اسطرها الأولى، حيث تبينت أنها افترضت أن الضرائب السنوية تقدر بحوالي 282 مليار جنيه. ومقارنة مع ما قدرته لإجمالي الناتج المحلي للعام القادم الذي قدر بحوالي 5958 مليار فهي تمثل 4.7% منه. وبهذا فلعلها تمثل ادنى نسبة للضرائب عرفتها إحصاءات المالية العامة في تاريخ الدولة لما بعد الاستقلال.
إن هذا المعدل المتدني من الموارد لا يعني سوى أنهم فعلا ينتظرون جودو…الذي لن يأتي بالطبع… وسيكون العام القادم، كسابقه، حاملا لمزيد من الفشل والتدني والانهيار لاقتصادنا. وقد سبق وان كتبنا مرارا بأن الحل لمأزقنا، ونحن نحاول بناء دولة حديثة ننتقل بها الى آفاق دولة حرية وعدالة وديمقراطية حقيقية، يكمن في أن نصحو من حلم إمكانية بناء مثل هذه الدولة دون تدبير الموارد الذاتية الضريبية وبالاعتماد على أنفسنا. وقد ذكرنا بأن متوسط معدل الضرائب في الدول الافريقية يقدر بحوالي 18% من الناتج المحلي ويبلغ في بعض الدول ما يفوق 30%.
لماذا نفشل في الارتقاء بمعدلات الضرائب عندنا لنكون مثلهم؟؟
ليس لدي أجابة دقيقة على هذا السؤال، وعلى عجزنا من مجرد المحاولة، ولكني أفترض بأن من يتصدون لمهمة بناء الدولة في هذا المجال لا يودون أو لا يستطيعون تحمل ما ألقي على عواتقهم من مسؤولية أو لا يعرفون؟ . أو ربما يحلمون ويأملون في جودو قادم ليحل لنا مشاكلنا. ويبدو لي إننا ومن خلال إعداد موازنات كالتي أعددناها في العام 2020، وكان معدل الضرائب فيها حوالي 7% من الناتج المحلي، وما تبعها من تعديل لها في 2020، نظن بأن هناك من يحلمون بعالم من السحرة أو “أمما متحدة” أو “أمريكا” أو مجموعة من المانحين سيجيئوننا بالفرج. قد أكون مخطئا… ولهم العتبى.. ولكن الإصرار على أعتماد مثل هذه المعدلات المخجلة للموارد الذاتية في كل موازناتنا هو مما أعجزني.. ويعجزني استيعابه… وآمل من كل القراء عوني في فهم السر وراء هذا الإصرار بأفتراض أننا سنعجز عن فعل ما تفعله معظم الدول التي تحتل المكان الوسط،، وما دونه، من بين دول افريقيا، علما بأننا حققنا معدلا في تحصيل الضرائب وصل الى 20% من الناتج المحلي في سبعينيات القرن الماضي؟؟
لو كنت رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء كله لما قبلت بهذه الموازنة، وأجزتها، دون طرح هذا السؤال على المجموعة التي اعدت الموازنة: كيف نقبل أن نضع خطة لموازنة حكومتنا تمثل الضرائب فيها ربع ما تمثله في المتوسط الدول الافريقية (4.7% مقارنة مع 18%). ولقمت من توي وقطعت الارسال لاخاطب شعبي على كل قنوات التلفزة داعيا لهم (ومبتدئا بمجلسي) بان نقبل على علاج مثل هذا الخلل الخطير بتحمل مسؤولياتنا بدفع ضرائب على الثروة والممتلكات مبتدئا بالممتلكات العقارية، التي لا يسهل اخفاءها، وبنسبة لا تقل عن 1% من قيمة العقار بالعام..ولفترة عوام عشرة.. لأن هذا هو الحل الوحيد والعاجل الذي يمكننا من أن نحتفظ بوطننا في تقديري.. منبها للناس جميعهم بأن ليس هناك من جودو قادم… وأن كان ثمة جودو قادم فإنه يتمثل في الحس الوطني الذي كان ضائعا….فجودو هو أنا ….وأنت…وهي وهم… وكلنا.
وبالطبع، فسيكون هناك العديد من المعتذرين ومدعى الأعذار والمسوغات التي تدعو للاعفاء وظروف الكورونا.. ولهؤلاء نقول ….لذلك كان تركيزنا على الضريبة على الثروة بما تمثله من تراكم لاموال ولا علاقة للكورونا بذلك. كما وأن الثروات ، والعقارية منها بالذات، لا يمكن إخفاءها والتهرب من الالتزام بدفع الضرائب عنها. ولكن الإشارة الأهم هي أن الالتزامات القومية المطلوبة للحفاظ على كينونة الدول لا يعتذر منها… ولا يتخلف منها الا ضعاف الوطنية…وإنما يقبل عليها الناس خاصة اذا اقتنع الجميع بأننا كلنا في المعركة سواء…. ويتيسر للبلاد القادة الذين تنتظرهم البلاد ساعة الضيق..ويمثلون القدوة ساعة البناء.
ونسبة الضرائب الى الناتج المحلي التي اشير اليها أعلاه، وكنا قد نوهنا لها من قبل، وخاصة الضرائب المباشرة على الثروة والدخول العليا هي من أهم مؤشرات رغبتنا وارادتنا في بناء الدولة والاعتماد في ذلك على مواردنا الذاتية. وهي كذلك المؤشر لأي “جودو” يرغب في عوننا بأننا الأسبق على عون انفسنا…وأننا لن ننتظر أحدا ليقبل ويبني لنا وطنا… وأننا نستحق عونه أن تيسر.
أن الضرائب على أصحاب الثروات والدخول العليا هي ضرائب عادلة. ولا بد أن نذكر أن أصحاب الثروات قد راكموا ثرواتهم هذه عبر خدمات عامة وفرتها الدولة، وليس أقلها الدعم غير المسبوق عبر عقود طويلة تتمثل في التمويل المصرفي المدعوم والذي يوجه للأغنياء قبل الفقراء ناهيك عن دعم السلع مثل الوقود والنقل والمحروقات وكل الخدمات العامة وأولها الامن والتي لا يستقيم الاقتصاد الا بها. ولا بد أن نذكر هؤلاء بان اول المستفيدين من بناء الدولة القوية وما يترتب على ذلك من تحسن مالية الحكومة وحالة الاقتصاد هم أنفسهم أصحاب الثروات والدخول الكبرى، وقد حان وقت مساهماتهم. فليفعلوا ذلك حرصا على مصالحهم.
إن أساس مقترحنا هذا هو أن نرتقي بمعدلات الضرائب كلها وخاصة المباشرة على الثروة بالذات الى مستويات لا تقل عن 20% من الناتج المحلي، فان هذا وحده هو السبيل الى ابتدار الحلول التي نعتمد فيها على مقدراتنا الذاتية والتي تمكننا من إدارة اقتصادنا بمسؤولية والابتعاد عن السياسات الخرقاء التي وضعتنا في مصاف الدول الفاشلة واحبطت شعبنا بعد أن احدث تورة تحدث عنها كل العالم. كما أن الارتقاء بمعدلات الإيرادات الحقيقية هو السبيل الوحيد الى خفض التضخم. ولن يصدق أحد ما جاءت به الموازنة من أن التضخم سينخفض لمعدل 95% في العام 2021 مقارنة مع 165% معدل 2020 دون عمل حقيقي لتعبئة الموارد الحقيقية كالذي يدعو اليه هذا المقال.
لا يهمنا كيف نصل الى هدفنا بزيادة الضرائب لتكون 20% أو حتى 30% من الناتج المحلي، ولكن المهم أن يكون هذا هدفنا وأن نخطط لنعمل على تحقيقه بدلا من الأهداف المتقزمة التي أجيزت في الموازنة التي أدعو الى إعادة النظر فيها. واذا كان هناك من يمتلك منهجا آخر أكثر كفاءة لوصولنا لهذا الهدف فذلك هو المطلوب. ولكن قناعتي بأن العدالة الضريبية تتطلب مزيدا من الضرائب المباشرة ونسبة اقل بكثير من الضرائب غير المباشرة. ولكن، وفي كل الاحول، فان الجهد المطلوب يحتاج الى ثورة تتمثل في إرادة عظيمة وتوافق سياسي أعظم نفتقده ونبذ الجري وراء المناصب لدولة تكاد تنهار بين أيدينا. والأمر لا شك يحتاج كذلك الى دعم أجهزتنا الخاصة بتعبئة الضرائب وتحصيلها، بما يعنيه ذلك من هياكل ومنظومات عمل وكوادر، وهذا باب من أبواب توفير العمل المنتج لآلاف من أبنائنا وبناتنا. ويحتاج من القيادة السياسية ومجلس الوزراء الجديد جهدا في القيادة والريادة والمتابعة اليومية.
واذا كان ثمة أمل في أن نرد العافية لعملتنا الوطنية واستقرار اقتصادنا ، وهذا أمر طالما سكت أهل الاختصاص من إجابتنا عليه ربما لعلهم أيضا في انتظار إجابة من لدن جودو، ، فان ذلك يكمن في اعتمادنا على ذواتنا وشحذ الهمم لنساهم كلنا، خاصة من يمتلكون الثروات والدخول الضخمة في تقدم الركب فالدول والأوطان يبنيها بناتها وأبناؤها وكلي ثقة في أنه بالعرق والجهد وتوفر القيادة الجادة ليست من المستحيلات.
