بسم الله الرحمن الرحيم
دروس وعبر
أ.د.أحمد مجمد أحمد الجلي
ahmedm.elgali@gmail.com
حدثت معجزة الإسراء والعراج قبل الهجرة بعام واحد، أي سنة 621م تقريباً، وفي مرحلة شديدة من الابتلاء،وبعد فترة من الزمان وقعت فيها أحداث حرجة مربها الرسول صلى الله عليه وسلم ،وتلاحقت عليه فيها الآلام،واشتد فيها اضهاد المشركين من قريش للرسول وأصحابه.وازداد اضهادهم عنفاً وشراسة وأذىً وإيلاماً.وفقد الرسول ،في هذه الفترة زوجه خديجة رضي الله عنها، التي كانت له سنداً وعوناً.كما فقد عمه أبا طالب، الذي كان ،رغم أنه كان على دين قومه،مدافعاً عنه وحامياً. وحينما ذهب صلوات الله وسلامه عليه إلى الطائف علَّه يجد ملاذاً وأمناً،لم يجد عند أهل الطائف استجابة وقبولاً ـبل واجهوه بالصد والاعراض والأذى. فوقع حادث الاسرءا ليبين أن الفرج قد يأتي في أشدّ لحظات الضيق،وأن العزاء الحقيقي للمؤمن يكون في صلته بالله لا في قوة الواقع أو استجابة الناس.
في هذه الفترة التي تجمعت خلالها الآلام،وتكاثفت العوائق أمام الرسول ووقفت قوى الشر في وجهه تصده عن تبليغ رسالة ربه، وتتربص به الدوائر من أجل القضاء عليه وعلى دعوته الوليدة.في تلك اللحظات التي انتعش فيها الشر واستفحل الباطل،جاءت معجزة الإسراء والمعراج تثبيتاً للرسول وتكريماً له.وفتحت له أبواب السماء الرحبة ،وانتقل في رحلة مليئة بالأحداث والعجائب.وفي فترة قصيرة من الزمن من مكة إلى المسجد الأفصى ـثم عرج به إلى السماوات العلى: يقول تعالى:( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الإسراء:1 فهدف الرحلة كما تبين هذه الآية ،أن الله سبحانه وتعالى، يريد أن يري عبده ورسوله محمد بعض آياته.وفي سورة النجم وردت الإشارة إلى المعراج وذكرت بعض تلك الآيات التي شاهدها الرسول ،يقول تعالى: (“وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى {18}).
وهكذا كان منطلق الرحلة البيت الحرام ومقصدها المسجد الأقصى ومنتهاها سدرة المنتهى، حيث كشفت الحجب وأزيحت الأستار وتلقى الرسول ما تلقى وسمع ما سمع ورأى ما رأى،وأبلغه ربه من منازل القرب ما شاء، وأحله مكانة لا مطمع لمخلوق أيَّاً كان ملكاً أو نبياً، فيها. وأراه من عجائب ملكه وملكوته ما لم يره أحد من خلقه وزاده رفعة وشرفاً وأعطاه لنفسه ولأمته ما أرضى فؤاده وأثلج قلبه، وجعله أعلم العالمين بجلال الله وعظمة سلطانه.وأطمأنت نفسه إلى نصر الله تعالى وحمايته سبحانه له ولما بعثه به.
وهكذا كانت هذه المعجزة في جوها العام والخاص بلسماً لجراح الأزمات والشدائد التي مرت به صلى الله عليه وسلم فأزالت تلك الآثار التي خلفتها سنوات المطاردة والمضايقة والأذى النفسي والبدني.
والإسراء والمعراج لم يكن حدثاً عادياً، كما أنَّه ليس بقصة تذكر فحسب وتروى كل عام، وإنَّما تمثل حداً فاصلاً بين عهد المعاناة والابتلاء وعهد الأمل والثبات والصبر واليقين، ومن ثم لا ينبغي أن نمر بهذه الآية الكبرى من آيات الله مر الكرام، لا سيما لأمة تعيش لأحلك لحظات في تاريخها،وأصابها الوهن والضعف كما لم يصبها من قبل، فأمة هذه حالها ينبغي أن نقف عنده وقائع هذه المعجزة، ونتأمل أحداثها ونستفيد من دروسها.
ولعل أول هذه الدروس هو أنَّ الإسراء والمعراج بدأ من المسجد الحرام بمكة وانتهى بالمسجد الأقصى، ولعل في هذا تأكيد للرباط الوثيق الذي يربط بين تلك الأماكن المقدسة، وإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين، كما أن في ذلك دلالة عظيمة على وحدة الرسالة التي جاء بها النبيون من لدن آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقد أكد الرسول هذا المعنى فيما روي عنه أن قال “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين”. كما يتبين من ذلك أيضاً أهمية المسجد الأقصى لدى المسلم إذ أن له نفس القدسية التي للمسجد الحرام من احترام وحماية واهتمام. وفي هذه المناسبة لابد من استعادة هذه الحقيقة وتأكيدها، وأن نتذكر أنَّ المسجد الأقصى لا يزال يرزح تحت وطأة الاحتلال الصهيوني الغاشم.وأنَّه يتعرض لخطر التدمير والتقويض من قبل الصهاينة,والعبرة المستقاة من ذلك أن الأقصى جزء من هوية الأمة الإيمانية.وأن التفريط فيه ليس شأنًا سياسيًا فقط، بل مسألة وعي ديني وحضاري.
ولا بد أن نذكر أن الرسول وهو في هذه المكانة العليا من التعظيم والإجلال من الله تعالى وصف بأنَّه عبد الله ” أَسْرَى بِعَبْدِهِ “، فنعلم أن أسمى مكانة ينالها الإنسان هي العبودية لله تعالى التي تتضمن أسمى آيات الحرية وأعلى درجاتها، فالعبودية لله تعالى تتضمن حرية الإنسان من أن يكون عبداً لشئ أو كائن مهما علا قدره وسما.
كما أن في هذه المرحلة شرعت الصوات الخمس، لتكون معراجاً يرقى بالإنسان كلما نزلت به شهوات النفوس وأعراض الدنيا، وهكذا يمكن للمسلم أن يرتفع في يومه ويترقى خمس مرات من خلال الصلاة.
ولا بد أن نذكر كيفية الرحلة، ونتأمل كيف أن الرسول قطع مسافة تضرب أكباد الإبل لقطعها شهرين، جيئة وذهاباً، في جزء من الليل،وهو أمر خارق لنواميس الطبيعة وقوانينها ونظمها . وما ورد من الأحاديث من أن الرحلة تمت على “براق” يضع خطوه عند أقصى طرفه انطلق بالرسول بصحبة جبريل إلى السماوات السبع، لابد أن يجعلنا نتأمل في هذا الكائن الذي يقطع المسافات الشاسعة في لحظات ومشتق اسمه من عالم الضوء والكهرباء، وما يتضمنه ذلك من مغزى عميق وحدوث ذلك في عصر لم يكن أحد فيه يعرف شيئاً عن قوانين الضوء وسرعته وطاقات الكهرباء وإمكاناتها.
وأخيراً، فإنَّ موقف أبي بكر الفذ ووقوفه أمام إنكار قريش وعدم تصديقها لهذا الخبر، رمز ليقين المؤمن الصادق المخلص الإيمان أن الإيمان ليس خضوعًا لمنطق الحس وحده.بل ثقة بخبر الله ورسوله، ولو خالف المألوف.، فعندما أخبر أبوبكر بخبر الإسراء والمعراج صدقه دون تردد قائلاً :”والله لئن كان قاله لقد صدق”. ثم يخاطب قريش قائلاً :” فما يعجبكم من ذلك، فوالله إنَّه ليخبرني أنَّ الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليلٍ أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه”. ثم أقبل على الرسول يسأله عن تفاصيل رحلته ويصدقه في كل جزئية منها فسمي ” بالصديق”.
وهكذا، نرى أنَّ معجزة الإسراء والمعراج مليئة بالمواقف التي يجدر بالمسلم أن يقف عندها ويتأملها، ويستفيد من دروسها وأحداثها.
د احمد محمد احمد الجلي
السبت: 28/ رجب/ 1447 هـ
الموافق:17/يناير 2026 م
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم