السودان ومصر جاران من نيلٍ وطمي ومطر، وتاريخ طويل من المدّ والجزر. تتشابك بين شعبيهما الحكايات كما تتشابك الجذور تحت الماء. أما النُظم السياسية في البلدين، فتختزن في ذاكرتها لحظات من النضال المشترك، وأخرى من الشك والحذر والمؤامرات، كأخوين عاشا تحت سقف واحد، ثم افترقا.
في ضوء ذلك، قرأتُ المقال الأخير للدكتورة أماني الطويل، بعنوان «نحن والسودان» المنشور يوم 11 أغسطس في “سودانايل”. وفي مقالات السياسة، كما تعلمون، الكلمات لا تأتي بريئةً أبدا، كما أن النيل الذي يجمعنا، يعلّمنا دائماً أن التيار، مهما بدا هادئاً، يحمل في أعماقه رواسب قديمة.
تختبئ في المقال دفاتر أمنية لا تموت. تظن أنك أمام مراجعة صادقة، فإذا بك تقرأ كلماتٍ ملساء وبياناً منمّقاً لجهاز مخابرات يعرف جيداً كيف يحمي مصالحه، ويُلبسها ثوب الحرص على الجار.
يوحي ما كتبته السيدة أماني دعوة إلى مراجعة الموقف المصري من الحرب في السودان، أو وقفة مع الذات، وربما مواجهة أسئلة كبرى مثل «ماذا فعلنا؟ وما خطوتنا القادمة؟». لكن ما إن تقرأ السطور حتى تشعر أن المراجعة هنا ليست بحثاً عن طريق جديد، بل تثبيتاً لطريق قديم، مع رشّة جديدة من البلاغة. تشعر أن السودان هو رقعة شطرنج تلعب بها القاهرة بحرفية عالية. النظام المصري، كما في خياله القديم، يرى في الخرطوم امتداداً لجبهته الأمامية، ميداناً لحفظ مصالحه وأمنه، بعباءة الحماية والنصح، لكن خلف هذه العباءة وجه أعمق؛ وجه الهيمنة والوصاية التي لا تعترف إلا بحدودها.
المقال يطلّ أيضاً، كما لو أنه نداء عقلاني وسط صخب الحرب، لكنه في العمق، تسجيل جديد للأغنية ذاتها التي تعزفها السياسة المصرية منذ اندلاع النيران في الخرطوم: الجيش ليس مجرد قوة وطنية، بل الركيزة التي تضمن استمرار الوصاية، والدعم السريع هو المفتاح السري الذي لا يجب أن يُرمى، والكيزان حلفاء ممكنون حين تقتضي الحاجة، أما القوى المدنية فهي ظلال هامسة لا يُثق بها، لأنها قد تكشف عورات اللعبة.
اللغة تنساب كما الماء، لكنها تحمل رائحة مكتب يعرفه القارئ، حيث تُصاغ التقارير بعبارات محسوبة: تُوضع الحرب في إطار «مخطط دولي بمكوّن إسرائيلي» لتفتيت السودان، في استدعاء كلاسيكي لفكرة المؤامرة الكبرى، التي تمنح القاهرة مبرراً للبقاء زعيماً على المسرح.
ثم تأتي المعادلة الذهبية: لا تترك الجيش وحيداً، ولا تغلق باب “الجنجويد” الذي قد يكوّن دولة على حدودك.
حتى الأعداء القدامى (الكيزان) يمكن أن يعودوا شركاء مؤقتين إن خدمت الظروف. الأمر يشبه قصة عدو قديم تلتقيه بعد سنوات لتكتشف أنه قد يكون مفيداً في معركة أخرى. العداء الأيديولوجي يمكن تأجيله، فالمصالح لا تحتمل القطعية.
أما القوى المدنية، الهاجس الأبدي، فهي عند الكاتبة كطائر مهاجر تحوم حوله الشبهات. يمكن إدخاله إلى القفص، لكن بعد ختم الجواز بخاتم القاهرة، كي يظل خيط اللعبة في اليد.
المقال يفيض بانحيازات لا تُخفي نفسها حتى وهي تتحدث بدبلوماسية هادئة:
- المصلحة المصرية أولاً، والسودان كفضاء حيوي لا يجوز أن يتحرك بلا إشارة من الشمال.
- انتقاد الانفراد الخليجي بالساحة، مع دعوة لشراكة تحفظ لمصر مقعدها الأبدي في مجلس وصاية الخرطوم.
- إعادة إنتاج صورة الراعي، الذي يعرف «ما يصلح» لجاره أكثر مما يعرف الجار نفسه.
من الأسكندرية إلى أسوان، ومن وادي حلفا إلى كوستي، يعرف الناس أن الوصاية لا تأتي دائماً بوجه عابس، أحياناً ترتدي قناع الحماية والنصح. لكن الحماية التي تحدّد شروطك، والنصيحة التي ترسم مستقبلك، ليست سوى صيغة أخرى من الهيمنة.
في النهاية، لا يحمل مكتوب أماني الطويل مفاجآت. ولا يفتح باباً جديداً، بل يلمّع “الباب العالي” القديم. إنه إعادة صياغة لخطاب المخابرات المصرية، بلغة رصينة ومخففة، ومشهد من سوى مشاهد كلاسيكية خالدة، من السياسة المصرية الخالدة تجاه الشقيق الجنوبي: تترك للسودانيين مساحة للحياة في بلدهم؛ لكن لا تترك لهم حق اختيار الطريق.
وكأن الرسالة تقول: «نحن معكم، ويدنا ممدودة لكم دائماً، لكن بقدر ما أنتم في طَوعِنا”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم