مع أكيد الاحترام، ورغم صعوبة التبويب الذي اتبعته الورقة، وفي إطار الدعوة المقدّمة لإثراء النقاش حول “الرؤية”، أتقدّم بالملاحظات التالية:
أولًا: معظم بنود “الرؤية” تتعلّق بأمور نصّت عليها الوثيقة الدستورية ٢٠١٩، مثل طبيعة الدولة، وأجهزة الحكم، ومهام الفترة الانتقالية، بالتالي لا حاجة للتكرار. نحن نحتاج لرؤية تُخرجنا من أزمة الانقلاب والحرب.
ثانيًا: تدعو “الرؤية” لإنهاء الحرب بسلام شامل، بحل جذور الأزمة عبر جبهة عريضة، وحوار وطني، وتواصل مباشر مع طرفي الحرب لإقناعهم بالحل السلمي، وحث المجتمع الخارجي لتعزيز جهود وقف الحرب.
في رأيي المتواضع، ورغم اهمية الطرح، لكنه يظل نظريا لا يُقدّم حلًّا عمليًّا، وذلك للآتي:
▪️ لم توضّح الرؤية منطق إقناع قادة طرفي الحرب بوقفها، واقتصار السلطة على المدنيين، والعودة لمسار الثورة ومحاكمتهم، والرؤية نفسها تقول إنهم أشعلوا الحرب لتصفية الثورة! فما هي وسائل الضغط، والمناشدات الداخلية والخارجية لم تلقَ استجابة؟! ومناخ التظاهرات الشعبية السلمية غير متوافر في ظل الحرب والنزوح واللجوء!
▪️ لم تُقدّم الرؤية تصوّرًا عمليًّا لفكّ الارتباط بين قادة الجيش والتيار الإسلامي المسيطر على المشهد العسكري والسياسي؟ وقد استبعدت الرؤية ذلك التيار دون أن تُقدّم تصوّرًا عن كيفية إبعاده، وهو المسيطر وصاحب مصلحة في الحرب! ثم كيف تُقصي الرؤية ذلك التيار وتتحدث عن الاستقرار ومحاربة الكراهية والإقصاء؟!
▪️ رغم ان الرؤية شملت حركات الكفاح المسلّح، لكنها عادت واستثنت من دعموا الانقلاب، علمًا بأنهم موجودون في السلطة الآن ودعموا الانقلاب!
▪️ الرؤية تراهن على حشد قوى عريضة بعمق شعبي، بفهم أن القاعدة الشعبية العريضة هي التي تمنح شرعية الرأي أمام الأطراف المستهدفة! فلماذا الانتظار كل ذلك الوقت ما دام ذلك ممكنًا؟! إنّ الاهتمام بحشد القوى المدنية للحوار نقطة إيجابية لصالح الرؤية.
▪️ المراهنة على دور الفاعلين الخارجيين في إنهاء الحرب خاسرة، والواقع يؤكد ذلك. نحن نعيش تخبّطًا في فهم حقيقة موقف ونوايا الدول من الحرب، بما فيهم مصر “الشقيقة”! التجارب تؤكد أن الفاعلين لا يتعاطفون مع الدولة الفاشلة! علينا القيام بواجبنا في التفكير بعمق وخارج الصندوق للخروج بحلول داخلية، تقوم على التسامح والتعافي، والدخول في حوار يؤسّس لسلام شامل مستدام، يُخاطب جذور الأزمة، ويجعل الخارج يحترمنا ويتفاعل معنا.
▪️ الحديث عن التسامح قد يبدو مستفزًّا في ظل مآسي الحرب، واستمرار التمسّك بها رغم كارثيّتها واستحالة حسمها بالسلاح. لكن يجب التمييز بين أهمية الحوار والمصالحة لإنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار، وبين مبدأ عدم الإفلات من العقاب، الذي يعني خضوع الجميع لسيادة القانون، في إطار عدالة انتقالية شاملة لا تُكرّس الانتقام ولا الإفلات من المحاسبة، وتُراعي خروجنا من حرب مدمّرة ونظام قمعي، وتهدف إلى الترميم الاجتماعي والقانوني، وبناء مستقبل جديد.
من يُريد السلام والاستقرار لبلده لا يُقصي أحدًا. بلدُنا لن يستقرّ إلا بخضوع الجميع للقانون، والاعتراف بالأخطاء، والمراجعة، والمصارحة، ونبذ الكراهية، والتسامح، والتنافس الشريف في خدمة الوطن.
▪️▪️وللمزيد من إثراء النقاش، أتطرّق لرأي الأستاذ عثمان ميرغني حول الرؤية في قوله: “إنّ الثورة انتهت بإسقاط النظام، ويجب أن تنتقل لمرحلة البناء، فإذا استمرت حالة الثورة فالنتيجة هي الفوضى”! مع الاحترام، هذا الكلام غير صحيح، وفيه خلط بين مفهومي “الشرعية الثورية” كسلطة استثنائية مؤقتة، يُمارسها الشعب بالضغط او القوة، لإحداث التغيير خارج الإطار الدستوري التقليدي، باعتباره المصدر الأعلى للسيادة،
وبين مفهوم” الشرعية الدستورية” (وثيقة ٢٠١٩) التي تقنن لاستكمال تنفيذ مهام ومطلوبات الانتقال بوسائل دستورية تُزيل التمكين، وتُعيد بناء المؤسسات، وتحارب الفساد، بما يُمهّد لتحول ديمقراطيٍّ حقيقي. فإذا قبلنا بأن “الثورة انتهت بسقوط النظام”، و”الاستمرار في مطالبها يؤدي للفوضى”، فهذا يعني التراجع عن أهدافها وفتح الباب للثورة المضادّة وتحالفاتها.
وأيًّا كان الرأي، فإنّه ليس مقبولًا من صحفي مرموق، أن يُساهم في ترسيخ مناخ القمع الفكري السائد، ليتحدّث بأستاذيّة وبِلُغة التجهيل والسخرية، التي تُوصِد باب الحوار والنقاش المثمر، فما أحوجنا لهذه الرؤية ومثيلاتها لفتح باب الحوار والمصارحة، وتجاوز الاستعلاء والكراهية، وتبادل التنازلات وصولًا إلى تفاهمات وطنية تُرسّخ التسامح، وتُعلي مبدأ التداول السلمي للسلطة ودولة المواطنة.
على قوى الثورة أن تواصل طريقها بروح واقعية ومنفتحة، وعلى الاسلاميين أن يتواضعوا ويراجعوا تجربتهم ويمتثلوا لصوت الشعب ومطلوبات التحول الديمقراطي، فلا حُكم يدوم بالقوة، ولا استقرار بدون حوار وتوافق يُقدّم الوطن على المصالح الضيّقة، ويؤسس لسودان يسع الجميع.
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم