م. هيثم عثمان إبراهيم
في لحظة تاريخية فارقة، يتصارع فيها الصوت العالي مع العقل الهادئ، ويختلط فيها الألم بالغضب، وتتشابك فيها الحقائق بالشائعات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا وعمقًا هو: ما هو الخطاب الذي يحتاجه السودان اليوم؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وجودية.
نحن لا نبحث عن الخطاب الذي يعبّر عن جراحنا فقط، فالصراخ يجيد ذلك، بل عن الخطاب الذي يساعدنا على تجاوزها.
لا نبحث عن الخطاب الذي يكتفي بوصف الأزمة وتحليلها، فالكتب والمقالات مليئة بذلك، بل عن الخطاب الذي يفتح طريقًا عمليًا للخروج منها.
إن السودان اليوم، المثقل بالاستقطاب والإنهاك، لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج الذي يغذي الانقسام، ولا إلى مزيد من الشعارات التي تثير الحماس وتُغيّب الوعي.
إنه في أمس الحاجة إلى لغة جديدة، لغة لا تكون مجرد أداة للتعبير، بل أداة للتغيير.
لغة تعيد ترتيب وعينا الجمعي، وتصلح ما أفسدته سنوات من الكراهية والتخوين.
لغة تعيد تعريف علاقتنا ببعضنا البعض، وعلاقتنا بالوطن كمشروع مشترك.
لغة تضعنا على مسار مختلف تمامًا عن ذلك المسار الذي قادنا، حتمًا، إلى الحرب والانقسام والانهيار.
أولًا: خطاب يضع الإنسان قبل الانتماء
إن نقطة الانطلاق لأي خطاب جديد يجب أن تكون بمثابة ثورة على المسلّمات القديمة. الخطاب السوداني القديم، الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، كان يبدأ دائمًا بسؤال التصنيف: من أنت؟
وهو سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن تصنيف: من أي قبيلة أنت؟
من أي منطقة؟
مع أي طرف سياسي تقف؟
هذا السؤال هو حجر الزاوية في “سياسات الهوية” التي تُحوّل الوطن إلى ساحة صراع بين انتماءات متنافسة، كل منها يسعى لتعظيم مكاسبه على حساب الآخر.
أما الخطاب الجديد الذي نصبو إليه، فيقوم بانقلاب معرفي وأخلاقي على هذا السؤال.
إنه يبدأ بسؤال مختلف تمامًا، سؤال التأسيس: ما الذي تحتاجه كإنسان؟
وما الذي تستحقه كمواطن؟
هذا التحول في نقطة البداية ليس مجرد تغيير في الكلمات، بل هو تغيير في الفلسفة التي تحكم نظرتنا للمجتمع والدولة.
إنه ينقل النقاش من حقل الصراع على الهوية إلى فضاء الحقوق الإنسانية والمواطنة المتساوية.
إنه يعني أننا، قبل أن نكون أي شيء آخر، نحن بشر نستحق الكرامة والأمان والغذاء والتعليم والصحة، ومواطنون لنا حقوق متساوية يكفلها القانون وتحميها الدولة.
هذا الخطاب لا يهدف إلى محو الانتماءات أو إلغائها، فالتنوع هو ثراء للمجتمع، ولكنه يضعها في مكانها الصحيح.
الانتماء يصبح جزءًا من هويتك الشخصية والثقافية، ولكنه لا يجب أن يكون شرطًا للحصول على حقوقك كمواطن.
الإنسان هو نقطة البداية لأي مشروع وطني، لأنه هو الذي يمنح الوطن معناه.
والمواطن هو الغاية النهائية لأي دولة، لأن خدمته وحماية حقوقه هي مصدر شرعيتها الوحيد.
أي وطن لا يحمي كرامة الإنسان، وأي دولة لا تساوي بين مواطنيها، هي كيانات فقدت مبرر وجودها الأخلاقي.
إن وطنًا لا يحمي كرامة الإنسان… لا يحمي شيئًا على الإطلاق.
ثانيًا: خطاب يعلي من شأن العقل لا الانفعال
إن الفضاء العام السوداني، خصوصًا في العقد الأخير، قد غرق في بحر من الانفعالات وردود الفعل اللحظية.
لقد أصبح الخطاب السائد محكومًا بمنطق “الترند” و”الصدمة”، وهو ما أنتج ثقافة هشة من الأحكام المطلقة والتعميمات الجارحة ولغة التخوين الجاهزة.
هذا المناخ العقلي المسموم يجعل من المستحيل بناء أي حوار منتج أو الوصول إلى أي تفاهمات مشتركة.
الخطاب السوداني الجديد يجب أن يعلن ثورة حقيقية على هذه الفوضى، وأن يتحرر من هذه القيود التي تكبل وعينا الجمعي.
التحرر هنا يعني استبدال هذه الممارسات المدمرة بمنهجية جديدة في التفكير والحوار، تقوم على:
- التحليل الهادئ والمتأني: بدلاً من القفز إلى الاستنتاجات بناءً على العواطف أو الانحيازات المسبقة، يتطلب الخطاب الجديد التمهل لفهم تعقيدات أي قضية، وتفكيكها إلى عناصرها الأولية، والنظر إليها من زوايا متعددة قبل تكوين رأي.
- التفكير النقدي: وهو لا يعني “الانتقاد” فقط، بل يعني القدرة على فحص الحجج، وتقييم الأدلة، والتمييز بين الرأي والحقيقة، وعدم قبول أي فكرة كـ”مسلّمة” لمجرد أنها شائعة أو لأنها صادرة عن شخص نثق به.
- طرح الأسئلة المفتوحة: الخطاب الانفعالي يقدم إجابات نهائية، أما الخطاب العقلاني فيطرح أسئلة مفتوحة. أسئلة مثل “ماذا لو؟” و”كيف يمكننا؟” و”ما هي البدائل؟” هي التي تحفز التفكير الإبداعي وتفتح الباب أمام حلول لم تكن مطروحة.
- الاحترام العميق للحقائق: في زمن “ما بعد الحقيقة”، يصبح التمسك بالحقائق والأدلة والبيانات الموثوقة فعلاً ثورياً. الخطاب الجديد يجب أن يرفض بناء مواقفه على الشائعات أو الأخبار الكاذبة، وأن يجعل من البحث عن الحقيقة التزامًا أخلاقيًا.
- الاعتراف بتعددية الحقيقة: الإقرار بأن الحقيقة في القضايا الإنسانية والسياسية غالبًا ما تكون مركبة ومعقدة، وأن كل طرف قد يمتلك جزءًا منها. هذا الاعتراف يكسر غطرسة اليقين، ويفتح الباب أمام الاستماع للآخر والتعلّم منه.
إن الدعوة إلى العقلانية ليست دعوة لنخبة من المفكرين، وليست ترفًا فكريًا يمكن تأجيله. في سياق بلد على حافة الانهيار، يصبح العقل هو شرط النجاة الأول، والأداة الوحيدة التي نمتلكها لإبحار سفينة الوطن عبر هذه الأمواج العاتية.
ثالثًا: خطاب يعترف بالاختلاف دون خوف
لقد ظل الخطاب الوطني السائد في السودان، لعقود طويلة، مهووسًا بفكرة “الوحدة” المصمتة والمتجانسة. كان هذا الهوس نابعًا من خوف عميق من التنوع، ومن اعتقاد خاطئ بأن الاعتراف بالاختلاف سيؤدي حتمًا إلى التفكك.
هذه الرؤية هي التي أنتجت سياسات “الصهر” القسري، ومحاولات فرض ثقافة واحدة ولغة واحدة ورواية تاريخية واحدة على الجميع. والنتيجة كانت عكسية تمامًا: فبدلًا من تحقيق الوحدة، أدى هذا الخطاب إلى تغذية المظالم، وتعميق الشعور بالتهميش، وتفجير حروب أهلية مدمرة.
السودان ليس كتلة واحدة، ولن يكون كذلك أبدًا، وأي خطاب يحاول أن يصهر الجميع في قالب واحد هو خطاب هش وخطير، لأنه يبني وحدة زائفة على أساس إنكار الواقع.
الخطاب السوداني الجديد يجب أن يقوم بثورة على هذا الخوف، وأن يتبنى فلسفة جديدة تجاه التنوع. هذا الخطاب يجب أن:
- يرى التنوع كقيمة ومصدر قوة: فكما أن التنوع البيولوجي هو سر قوة النظم البيئية، فإن التنوع الثقافي واللغوي والفكري هو سر حيوية المجتمعات وقدرتها على التكيف والابتكار. الخطاب الجديد يحتفي بهذا التنوع ولا يخشاه.
- يعترف بتعدد الروايات التاريخية: بدلاً من فرض “تاريخ رسمي” واحد، يفتح الخطاب الجديد المجال لسماع وقراءة كل الروايات، حتى المؤلمة والمتناقضة منها. فالسردية الوطنية الحقيقية ليست تلك التي تمحو الروايات الأخرى، بل تلك التي تستطيع أن تستوعبها جميعًا في إطار جامع.
- يحترم اختلاف التجارب والمظالم: المعاناة ليست واحدة، وتجربة الحرب في دارفور تختلف عن تجربة الحياة في الخرطوم. الخطاب الجديد لا يحاول أن يوحد هذه التجارب، بل يعترف بخصوصية كل منها، ويقر بأن العدالة تبدأ من فهم هذه الخصوصية.
- يفتح الباب لحوار صريح لا يخشى التباين: بدلاً من البحث عن “الإجماع” الزائف الذي يتجنب القضايا الخلافية، يشجع الخطاب الجديد على طرح هذه القضايا على الطاولة ومناقشتها بصراحة وشجاعة وعقلانية. فالحوار الحقيقي ليس غياب الخلاف، بل هو القدرة على إدارة الخلاف بشكل بنّاء.
إن الاختلاف ليس تهديدًا لوجودنا، بل هو دليل حياة وحيوية. المجتمع الذي لا يوجد فيه اختلاف هو مجتمع ميت. التحدي ليس في القضاء على الاختلاف، بل في بناء نظام سياسي وقانوني وثقافي عادل، يستطيع أن ينظم هذا الاختلاف ويحوله من مصدر للصراع إلى مصدر للإثراء.
رابعًا: خطاب يوازن بين العدالة والمصالحة
في قلب الجدل الدائر حول مستقبل السودان، يبرز استقطاب حاد بين تيارين: تيار يرفع راية “العدالة أولًا” ويرفض أي حديث عن المصالحة قبل المحاسبة الكاملة، وتيار ينادي بـ”المصالحة أولًا” ويرى أن التمسك بالعدالة قد يعيق عملية السلام.
الخطاب السوداني الجديد يرفض هذا الاستقطاب الزائف، ويؤكد أن العدالة والمصالحة ليستا خصمين، بل هما وجهان لعملة واحدة اسمها السلام المستدام. إن الفصل بينهما هو الذي ينتج إما سلامًا هشًا أو عدالة منقوصة.
الخطاب الجديد يجب أن يمتلك القدرة على الجمع بينهما في رؤية متكاملة، دون أن يضحي بأي منهما. هذا التوازن الدقيق يعني:
- العدالة كشرط لكرامة الضحايا: لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية على أنقاض كرامة الضحايا. العدالة، بأبعادها من اعتراف ومساءلة وجبر ضرر، هي التي تعيد للضحية إحساسه بالاعتبار الإنساني، وتؤكد له أن دمه لم يذهب هدرًا. إنها رسالة للمجتمع بأسره بأن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، وأن هناك قيمة مطلقة للحياة الإنسانية. الخطاب الذي يطالب بالسلام وتجاوز الماضي دون عدالة، هو في الحقيقة يزرع بذور حرب جديدة، لأنه يترك المظالم حية تحت الرماد.
- المصالحة كشرط لمستقبل المجتمع: في المقابل، فإن العدالة وحدها، إذا فُهمت كعملية انتقامية بحتة، قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسامات. المصالحة، كعملية مجتمعية تهدف إلى إعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي، هي التي تحفظ مستقبل المجتمع وتمنع انزلاقه نحو دوامات الثأر التي لا تنتهي. إنها الاعتراف بأننا، رغم كل الجراح، محكومون بالعيش معًا، وأن علينا أن نجد طريقة للقيام بذلك. الخطاب الذي يطالب بالعدالة دون أن يفتح أفقًا للمصالحة، هو خطاب يطيل عمر الجراح ويبقي المجتمع أسيرًا للماضي.
إذًا، المعادلة التي يجب أن يعمل عليها الخطاب الجديد هي: عدالة لا تقود إلى الانتقام، ومصالحة لا تعني الإفلات من العقاب. هذا يتطلب آليات مبتكرة مثل لجان الحقيقة والمصالحة، والعدالة التصالحية، والحوارات المجتمعية، التي تسمح بقول الحقيقة، وتحقيق المساءلة، وفي نفس الوقت تفتح الباب أمام العفو المجتمعي وبناء مستقبل مشترك. إن الجمع بين هذين القطبين هو أصعب تحديات بناء السلام، وهو المقياس الحقيقي لنضج أي خطاب وطني.
خامسًا: خطاب يعيد الاعتبار للمؤسسات
لقد تمحور الخطاب السياسي السوداني القديم، بشكل شبه كامل، حول الأشخاص. كنا نتحدث عن “فلان” و”علان”، عن القائد الملهم، والزعيم التاريخي، والبطل المنقذ. هذه الشخصنة المفرطة للسياسة هي التي جعلت دولتنا هشة، ومجتمعنا منقسمًا، ومستقبلنا رهينة لأهواء وقدرات أفراد. عندما يرحل “البطل” أو يفشل، ينهار كل شيء، لأن البناء لم يكن على أساس صلب.
الخطاب السوداني الجديد يجب أن يقوم بنقلة نوعية في محور اهتمامه، من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على الأنظمة والإجراءات. الدولة الحديثة والمستقرة لا تُبنى على “الكاريزما” الفردية، بل على قوة وصرامة النظام المؤسسي. هذا يعني أن يتحول حوارنا العام ليدور حول:
- سيادة القانون: هل القانون يُطبّق على الجميع بالتساوي، أم أن هناك من هم فوق القانون؟
- قوة المؤسسات: هل لدينا برلمان يراقب، وقضاء مستقل يحكم، وخدمة مدنية محترفة تدير، أم أن هذه المؤسسات مجرد واجهات شكلية؟
- وضوح الإجراءات: هل هناك إجراءات واضحة ومعلنة تحكم عمل الدولة، من التوظيف إلى المناقصات، أم أن الأمور تتم في الغرف المغلقة؟
- الشفافية والوصول للمعلومة: هل يحق للمواطن أن يعرف كيف تُدار شؤون بلاده وكيف تُنفق أمواله، أم أن السرية هي القاعدة؟
- المساءلة والمحاسبة: هل هناك آليات فعالة لمحاسبة أي مسؤول، مهما علا شأنه، إذا أخطأ أو فسد؟
- المهنية والكفاءة: هل المعيار في تولي المناصب العامة هو الكفاءة والخبرة، أم الولاء والانتماء؟
عندما يصبح هذا النوع من الأسئلة هو محور نقاشنا اليومي، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء دولة المؤسسات. الخطاب الذي يركز على المؤسسات هو خطاب ناضج، لأنه يدرك أن الأفراد زائلون والمؤسسات باقية.
إنه خطاب يبني للمستقبل، لا للحظة الراهنة. إنه يحررنا من عبادة الأشخاص، ويوجه طاقاتنا نحو بناء نظام قوي وعادل يستطيع الصمود أمام أي تحدٍ، ويخدم كل الأجيال، لا جيلاً واحداً فقط.
سادسًا: خطاب يحول الألم إلى حكمة
إن الألم السوداني، في عمقه واتساعه، يكاد يكون أكبر من أن يوصف. إنه ألم مركب، يمتد من جراح الحروب الأهلية والمجازر، إلى ألم الفقر والتهميش، مرورًا بألم الاغتراب وفقدان الأمل.
الخطاب القديم تعامل مع هذا الألم بطرق سطحية ومدمرة: إما بإنكاره والقفز فوقه، أو باستغلاله وتوظيفه لشحن الكراهية وتجييش الأنصار. كلا الطريقين لم يزد الألم إلا عمقًا، والمجتمع إلا انقسامًا.
الخطاب السوداني الجديد لا ينكر هذا الألم، ولا يهرب منه، فهو حقيقة ماثلة لا يمكن تجاهلها. لكنه في المقابل يرفض أن يستسلم له أو أن يستثمره سياسيًا. إنه يسعى إلى القيام بما هو أصعب وأكثر نضجًا: تحويل هذا الألم الخام إلى حكمة ومسؤولية. هذا التحويل ليس عملية سهلة، بل هو أشبه بعملية الخيمياء التي تحول المعادن الرخيصة إلى ذهب. إنه يتطلب: - تحويل الألم إلى درس: بدلاً من أن نسأل “لماذا حدث لنا هذا؟”، نبدأ في طرح سؤال “ماذا تعلمنا مما حدث؟”. كل كارثة، مهما كانت قسوتها، تحمل في طياتها دروسًا بليغة حول أخطائنا كأفراد ومجتمع. الخطاب الجديد هو الذي يمتلك الشجاعة لاستخلاص هذه الدروس وتعميمها.
- تحويل الألم إلى وعي: الألم الحقيقي هو الذي يوقظنا من غفلتنا، ويجعلنا نرى العالم بعيون مختلفة. الخطاب الجديد هو الذي يساعدنا على تحويل معاناتنا إلى وعي أعمق بحقوقنا، وبقيمة السلام، وبخطورة الكراهية، وبأهمية المواطنة.
- تحويل الألم إلى مسؤولية: بدلاً من أن يجعلنا الألم نشعر بأننا “ضحايا” سلبيون، يجب أن يدفعنا إلى الشعور بالمسؤولية تجاه عدم تكرار ما حدث. الخطاب الجديد هو الذي يقول: “لأننا تألمنا، فنحن مسؤولون عن حماية الآخرين من هذا الألم”.
- تحويل الألم إلى قدرة على التعاطف: الألم، في أنقى صوره، هو الذي يكسر قوقعة الأنا ويجعلنا نشعر بمعاناة الآخرين. الخطاب الجديد هو الذي يستخدم ذاكرة الألم المشترك لبناء جسور من التعاطف والتضامن بين مختلف مكونات الشعب السوداني.
إن الأمم التي تنهض من رمادها هي تلك التي تعلمت من جراحها. الخطاب الذي يستطيع أن يحول الألم السوداني إلى حكمة، هو الخطاب الذي سيحررنا من السقوط في نفس الحفرة مرتين.
سابعًا: خطاب يفتح أفقًا جديدًا للأمل
في ظل واقع سوداني يبدو فيه الأفق مسدودًا، قد يبدو الحديث عن الأمل نوعًا من الترف أو السذاجة. لكن الأمل، في سياق الخطاب الوطني الجديد، ليس مجرد شعور نفسي أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها. إنه قرار سياسي وأخلاقي واعٍ بأن المستقبل يمكن ويجب أن يكون أفضل من الماضي، وأننا نمتلك القدرة على صنعه. اليأس هو استسلام مريح، أما الأمل فهو مقاومة شاقة ومسؤولية تاريخية.
الخطاب الجديد لا يبيع الوهم، ولا يقدم وعودًا زائفة. أمله ليس أملًا ساذجًا، بل هو أمل مبني على العمل والواقعية. هذا الخطاب يجب أن: - يزرع الأمل دون أن يبيع الوهم: إنه يعترف بصعوبة الواقع وتعقيد التحديات، لكنه في نفس الوقت يركز على الإمكانيات المتاحة ونقاط القوة الكامنة في المجتمع. إنه يقول: “نعم، الوضع صعب، ولكن هذا ما يمكننا أن نفعله حيال ذلك”.
- يقدّم حلولًا ومبادرات لا شعارات فارغة: الأمل لا يتغذى على الخطب الرنانة، بل على رؤية خطوات عملية تحدث على الأرض، مهما كانت صغيرة. الخطاب الجديد هو الذي يركز على طرح مبادرات وحلول قابلة للتطبيق في مجالات التعليم، والصحة، والاقتصاد، والمصالحات المحلية، ويحتفي بقصص النجاح الصغيرة ليبني عليها.
- يربط الحلم بالعمل الدؤوب: إنه يوضح للناس أن السودان الذي نحلم به لن يتحقق بالمعجزات، بل بالتراكم اليومي لجهود مخلصة ومنظمة. إنه يحول “الحلم” من حالة انتظار سلبية إلى “مشروع” يتطلب التزامًا وتضحية وعملاً جماعيًا.
- يجعل الناس يشعرون أن التغيير ممكن بأيديهم: بدلاً من تعليق الأمل على الخارج أو على نخبة سياسية معينة، يركز الخطاب الجديد على تمكين الناس وإشعارهم بأنهم هم الفاعل الرئيسي في عملية التغيير. إنه يسلط الضوء على قوة المبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، والتنظيم القاعدي.
الأمل، بهذا المعنى، يصبح هو الطاقة المتجددة التي تبني الأمم. إنه الوقود الذي يدفع الناس للاستمرار في المحاولة رغم كل الإحباطات. والخطاب الذي يستطيع أن يولد هذا النوع من الأمل المنتج والواقعي، هو الخطاب الذي سيقود السودان نحو مستقبل مختلف.
ختامًا… الخطاب الجديد ليس كلمات، بل مسؤولية
في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن الخطاب السوداني الجديد الذي نتحدث عنه ليس مجرد مجموعة من النصوص البليغة التي تُكتب، أو الخطب الحماسية التي تُلقى، أو المنشورات الذكية التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. كل هذه أدوات، ولكنها ليست الجوهر. الجوهر هو أن هذا الخطاب الجديد هو، في حقيقته، سلوك جماعي ومسؤولية فردية.
إنه يبدأ من أصغر وحدة في المجتمع: من طريقة حديثنا مع بعضنا البعض في بيوتنا، وفي أماكن عملنا، وفي نقاشاتنا اليومية. هل نتحدث بلغة الاحترام أم بلغة الإقصاء؟ هل نستمع لنفهم أم لنرد؟ هل نبحث عن الحقيقة أم عن تأكيد انحيازاتنا؟ من هنا يبدأ كل شيء. ثم يمتد هذا السلوك ليشمل طريقة حديثنا عن الوطن نفسه، كفضاء مشترك ومسؤولية جامعة.
إن الخطاب الذي يحتاجه السودان اليوم هو خطاب تتجسد فيه خمس صفات أساسية: - هادئ: يتجنب الصخب والضجيج، ويفسح المجال للتفكير العميق.
- عميق: لا يكتفي بسطح الظواهر، بل يغوص في جذورها الثقافية والنفسية.
- جامع: يبحث عن القواسم المشتركة، ويبني الجسور فوق الانقسامات.
- مسؤول: يدرك خطورة الكلمة، ويتعامل معها كأداة للبناء لا للهدم.
- صادق: ينطلق من رؤية أمينة للواقع، ولا يخشى الاعتراف بالأخطاء.
هذا هو الخطاب الذي يليق ببلد عظيم مثل السودان، بلد يستحق أن يُعاد بناؤه على أسس جديدة من الوعي والاحترام المتبادل.
فالسودان لن يتغير إذا لم تتغير لغتنا. ولغتنا لن تتغير إذا لم يتغير وعينا. ووعينا لن يتغير إذا لم نمتلك الشجاعة لنرى أنفسنا بصدق، ونعترف بأخطائنا، ونقرر بوعي أن نسلك طريقًا مختلفًا.
وهذه الشجاعة… هي بداية الطريق.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم